اسم الكتاب: الأمام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)
1 ـ من وصيّته لجابر بن يزيد الجعفي (ره) :
« وأوصيكَ بخمس : إن ظُلِمتَ فلا تَظلِمْ ، وإن خانوكَ فلا تَخُنْ ، وإن كُذِّبتَ فلا تغضبْ ، وإن مُدِحتَ فلا تَفرَحْ ، وإن ذُمِمتَ فلا تَجْزَعْ ، وفكِّرْ فيما قيلَ فيكَ ، فإنْ عرفت من نفسِكَ ما قيلَ فيكَ ، فسقوطُكَ مِن عين الله جلّ وعلا عند غضبكَ مِنَ الحقِّ أعظمُ عليكَ مصـيبةً ممّا خِفتَ من سقوطُكَ مِن أعين الناس ، وإن كنت على خلافِ ما قيلَ فيك ، فثوابٌ اكتسبْتَهُ مِن غير أنْ يتعَبَ بدنُك . واعلم بانّك لا تكونُ لنا وليّاً ، حتّى لو اجتمعَ عليك أهلُ مِصرِك وقالوا : إنّك رجلُ سوء لم يُحزِنْكَ ذلك ، ولو قالوا : إنّكَ رجلٌ صالحٌ لم يُسِرَّكَ ذلك ، ولكن أعرِضْ نفسَكَ على كتاب الله فإن كُنتَ سالِكاً سبيلَهُ زاهداً في تزهيدِهِ راغِباً في ترغيبِهِ خائِفاً من تخويفِهِ ، فاثبتْ وابشرْ ، فانّه لا يضرُّكَ ما قيلَ فيكَ ، وإن كُنتَ مُبايناً للقرآن فماذا الّذي يغرّكَ مِن نفسِك ؟ إنّ المؤمن معنيٌّ بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها ، فمرّة يُقيمُ أَوَدَها ويُخالِفُ هَواها في محبّةِ الله ، ومرّة تَصْرَعُهُ نَفسُـهُ فيتّبِعُ هَواها ، فَيُنْعِشُـهُ الله فينتعش ، ويُقيلُ اللهُ عثرتَهُ ، فيتذكّر ويفزع إلى التوبة والمخافة ، فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيهِ من الخوف ، وذلك بأن الله يقول : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) . يا جابر ! استكثرْ لنفسِكَ مِنَ الله قليلَ الرِّزق تَخلُّصاً إلى الشكر ، واسـتقلِلْ مِن نفسك كثيرَ الطّاعةِ لله إزراءً على النّفسِ وتعرُّضاً للعفو ، وادفع عن نفسِكَ حاضرَ الشرِّ بحاضرِ العلم ، واستعمِلْ حاضِرَ العلمِ بخالصِ العملِ ، وتحرَّز في خالصِ العملِ مِن عظيمِ الغفلةِ بشدّةِ التيقُّظِ ، واستجلِبْ شِدّة التيقُّظ بصدقِ الخوف ، واحذرْ خَفِيَّ التزيُّنِ بحاضِرِ الحياة ، وتَوَقَّ مُجازَفَةَ الهوى بدلالةِ العقل ، وقِفْ عندَ غلبةِ الهوى باسترشادِ العلم ، واستبْقِ خالصَ الاعمالِ ليومِ الجزاء ، وأنزِلْ ساحةَ القناعةِ باتقاءِ الحرص » (52) . هذه فقرات من وصيّة الأمام الباقر (ع) لتلميذه جابر الجعفي (ره) ، وهو يحدِّد من خـلالها مُواصفاتِ الشخصيةِ الاسلامية الحقيقية وكلَّ أبعـادها ، تلكَ الّتي يوفّرها الرّجوع إلى القرآن الكريم في فكره ومفاهيمه ومقاييسه ، وأنت حين تستقرئ هذه الفقرات الشامخة في معانيها ومضامينها ، فإنّك لا بدّ وأن تشعر ببصمات النبوّة مشرقة بين حروفها بشكل يجعلك تقطع أنّ قائلها ليس إنساناً عاديّاً كسواه من الناس في عصره ، وإنّما له ارتباط وثيق بالمنابع الصافية المتدفقة بالفكر الالهي الاصيل . انّه وريث جدّه رسول الله (ص) في حمل الرِّسالة الخاتمة في تلك الفترة من تاريخ الانسان.
|
|