قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)
2 ـ مكانته ومقامه الاجتماعي :
لم يحتلْ أحدٌ المكانةَ المرموقةَ والمقامَ السّامي في عصرِ الامـام جعـفر بن محمّـد الصّادق (ع) كالمكانة الّتي احتلّها هو . فقد كان له موضع خاص ومقام فريد في نفوس كل الّذين عاصروه . فعامّة المسلمين وجمهورهم كان يرى جعفر بن محمّد (ع) سليلَ بيت النبوّة ، وعميدَ أهل البيت (ع)، ورمزَ المعارضة للظلم والطغيان الاموي والعباسي ، وأنّ حبَّهُ والولاءَ له فرضٌ على كل مسلم يؤمن بالحبّ والولاء لاهل البيت (ع) . كما كان أهل العلم والصلاح يرون فيه إماماً وعالماً وأستاذاً فذّاً، وكذلك رجال الحكم والسياسة وقادة الجمهور ـ خصوصاً في بداية الثورة العباسية ضدّ الامويين ـ لم يكونوا ليجهلوا الامام ولم يَعْدوه، فقد كانوا يَرَوْنَ فيه الشخصية الاجتماعية المرموقة، والقوّة السياسية الفعّالة ، والقطبَ القيادِيَّ الّذي لا يمكن تجاهِلُهُ ، وتلك حقائقُ ليس بوسعِ أحد أن ينكرها أو يقلّل من شأنها . فدراسة الفترة التاريخية الّتي عايشها الامام الصّـادق (ع) ، وتحليل الاحداث ، وفحص المواقف والتصريحات والشهادات والمراسلات والحوار ، واتّجاه الرأي العام ، ليؤكِّد مقام الامام الاجتماعي ومكانته السياسية بين أحبّائه وخصومه . ففي حياة الامام الصّادق ، وفي أواخر الحكم الاموي ازداد ظلم الامويين واشتدّ إرهابُهُم وتعاظمت نقمةُ الاُمّة عليهم ، وكان طبيعياً ـ كما يشهد تاريخ الثورات ضدّ العباسيين والامويين ـ أن يكون آلُ البيت هم الطليعة والقيادة والشعار المحبوب لدى جماهير الاُمّة ، لذا بدأت الحركة ضدّ الحكم الاموي باسم آل البيت ، وأعلن دُعاتُها أنّهم يَدْعونَ لعودَةِ الخلافة والامامة لاصحابها الشرعيين ، وهم آل البيت النبويّ الكريم ، وأنّهم يَدعونَ إلى الرضى من آل محمّد (ص) ، أي إلى مَن هو أهلٌ للامامة والخلافة من ذرّية فاطمة بنت رسول الله (ص) ، ومع ذلك فإنّنا نشهد مع شدّة هذا الصراع ، وتوتّر الاحداث ، وحِدّة المنافسة بُعْدَ الامام الصّادق (ع) عن هذه المعركة ، وانسحابه من المواجهة المكشـوفة ، لأنّه يعرف النتـائج الّتي ستنتهي إليها الاحداثُ ، فهو يعرفُ أنّ الشعارات زائفة ، والدعوةَ مُبطّنة ، وأنّ أهل البيت سيكونون هم الضحيّة ، وقد كان صادقَ العلم ، محيطاً بأحداث عصره ، لذا حذّرَ العلويين مِن الاندفاع خلفَ الشعارات والانخداع بها . وصدقَ الامامُ ، فقد وقعَ ما أخبرَ ، وحدَثَ ما كان يحذِّر منه ، ومع هذا الابتعاد نجد التيّار السياسي ينجذب إليه ، والانظار تتجه نحوه ، فلم يكن بوسع أحد من كبار القادة أن يجهلَ موقِعَه أو يهملَ مركزَهُ، لذا كان كلُّ واحد منهم يُدخِلُهُ في حسابه ويقدِّر دوره وأثره . فهذا أبو سلمة الخلاّل أحد أبرز قادة الثورة ضدّ الامويين يبعث برسوله إلى الامام الصّادق (ع) ويعرض عليه البيعةَ ، فَيُحرق الامام الصّـادق (ع) رسالته ولا يستجيب لطلبه، وتتكرّر الطلبات فيردّها، ويرد مراراً طلب أبناء عمومته من العلويين ، الّذين عرضوا عليه أمر الخلافة واستشاروه فيها ، وطبيعي أنّ مثل هذا الاتّجاه والدوران حول شخصية الامام (ع) لَيُبْرِزُ بوضوح مَقامَهُ السياسي ومكانَتَهُ الاجتماعية في عصره . وهذا أبو جعفر المنصور الخليفةُ العباسي أشدّ خصوم الامام (ع) الّذي آذَى الامامَ الصّادق (ع) واستدعاه وحاكَمَهُ مراراً ، بحجّة أنّه يدير الحركات المناوئة ، ويوجّه الثورات المضادّة للحكم العباسي الجائر سرّاً؛ هذا الخليفة نفسه يشهد بعظم قدر الامام (ع) وجليل مقامه ، ويكشف عن هذا الاعتراف بوضوح تام في رسالته الّتي وجّهها للثائر العلوي ـ ذي النفس الزكيّة ، محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ـ ردّاً على رسـالته الّتي بيّن فيها فضله وتفـوّقه على أبي جعفر المنصور ، وأهليّتِهِ للخلافة ، مستشفعاً بنسبِهِ وقرابته من رسول الله (ص) وانتسابه لفاطمة الزّهراء ، وممّا جاء في ردّ المنصور : « وما خيارُ بني أبيك خاصّة ، وأهل الفضل منهم إلاّ بنو اُمّهات الاولاد(9)، ما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله (ص) أفضل من عليّ بن الحسين ، وهو لاُمّ ولد ، ولهو خير من جدّك حسن بن حسين(10)وما كان فيكم بعده مثل محمّد بن عليّ ـ يعني الامام الباقر ـ وجدّته اُمّ ولد ، ولهو خير من أبيك ، ولا مثل ابنه جعفر ـ يعني الامام جعفراً الصّادق ـ وجدّته اُمّ ولد ، وهو خير منك » (11) . وروى إسماعيل بن عليّ بن عبد الله بن عباس قال : « دخلتُ على أبي جعفر المنصور يوماً ، وقد اخضلّت لحيتُهُ بالدّموع ، وقال لي : ما علمت ما نزلَ بأهلِكَ ؟ فقلتُ : وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : فإنّ سيِّدَهم وعالمَهم وبقيّةَ الاخيارِ منهم توفِّي ، فقلتُ : ومَن هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : جعفرُ بن محمّد » (12) . وهكذا نفهم من روح العصر ووثائق التاريخ ، مقام هذا الامام ، ومكانته السياسية والاجتماعية المرموقة ، الّتي احتلّ فيها قمة الهرم الاجتماعي ، ومثّل مركز القوّة وبؤرة الاستقطاب في عصره .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|