قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)
الظروف السياسيّة الّتي عاصرها الامام الصّادق (عليه السلام)
يحتلُّ الوضعُ السياسي في كل مرحلة من مراحل التاريخ أبرزَ ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية الّتي يحياها المجتمع الانساني ، ذلك لانّ الاوضاع السياسية وعلاقة الحاكم بالمحكوم ، وطبيعة السلطة ، ونوعية سلوكها ، ترتبط بصورة مباشرة بأمن الناس ومستوى معيشتهم ومعتقدهم وطراز حياتهم ووضعهم العلمي والادبي واستقرارهم النفسي ، وتعظّم أهميّةَ الاوضاع السياسـية ويتعمّق دورُها في حياة المجتمع كلّما كان لدى المجتمع رسالة حضارية ومبادئ وقيم سياسية يؤمن بها ، ويعاني من ضياعها . والّذي يدرس تاريخ الاُمّة الاسلامية عبر القرون الستّة الاُولى ـ في مرحلتيها الامويّة والعباسيّة ـ ويدرس عوامل الحركة والاندفاع في عمق الحضارة الاسلامية وما رافقها من صراع ونشاط وثورات وتجديد يكتشف بوضوح تام ثلاثةَ عناصر أساسية هي : 1 ـ قدرة الاسلام على التجديد والابداع والعطاء ، سواء في المجال العلمي والثقافي، أو في مجال الاصالة والقوّة العقائدية ، أو في مجال الكفاح السياسي وحماية حرّية الانسان وكرامته من الظلم والطغيان . 2 ـ إنحراف الحكّام ، وحدوث هوّة سحيقة بين المبادئ الاسلامية ، وبين السلطة الحاكمة، وأسلوب تعاملها مع الاُمّة، خلا فترة وجيزة حاول فيها عمر بن عبد العزيز، أحد خلفاء بني اُميّة ، معالجة الاوضاع وأسباب الانحلال والمأساة الّتي حلّت بالاُمّة الاسلامية ، فلم يفلح . 3 ـ وفي هاتين الفترتين نكتشف حيوية الاُمّة الاسلامية وقدرتها على التحرّك ضدّ الحكّام المنحرفين عن الاسلام،كما نشاهد في هذه المقاومة دور آل البيت الكريم كأظهر حقيقة في تاريخ الصراع،كما نجد هذا البيت يحتل مركز القيادة والتوجيه،لذا كان الاضطهاد والتشريد والتقتيل والتعذيب يلاحـقُ آلَ البيـت النبـويّ على يد الحكّام الامويين والعباسيين . ولقد عايشَ الامام جعفر بن محمّد الصّادق (ع) هذه الحقائق الثلاث كأشد ما يمكن أن تكون ظهوراً وتجسيداً ، فقد عايش الحكم الاموي مدّة تقارب الـ (40 سنة) وشاهد الظلم والارهاب والقسوة يسلّطها الحكّام الامويون ضدّ أبناء الاُمّة بصورة عامّة والعلويين ـ ممّن ينتسبون إلى الامام عليّ (ع) وفاطمة الزّهراء (ع) بنت رسول الله (ص) ـ بصورة خاصّة . فقد ولد الامام الصّادق (ع) في عهد عبد الملك بن مروان بن الحكم ثمّ عايش الوليد بن عبد الملك ، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز،ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، والوليد بن زيد، ويزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ومروان الحمار ، حتّى سقوط الحكم الاموي (سنة 132 هـ ) ، ثمّ آلت الخلافة إلى بني العباس ، فعاصر من خلفائهم أبا العباس السفّاح ، وشطراً من خلافة أبي جعفر المنصور تقدّر بعشر سنوات تقريباً ، عاصر الامام الصّادق (ع) كل هذه الأدوار وشاهد بنفسه محنة آل البيت (ع) وآلام الاُمّة وآهاتها وشكواها وتململها ، إلاّ أنّه لم يكن ليملك القدرة على التحرّك ، ولم يستطع المواجهة لاسباب عديدة أهمّها : 1 ـ إنّه كان على قمة الهرم العلمي والاجتماعي وعميد آل البيت (ع) ومحطّ أنظار المسلمين ، لذا فقد كان تحت الرقابة الامويّة والعباسيّة وملاحقة جواسيس الحكّام ، يحصون عليه حركاته واتصالاته ، ممّا هدّد حركته وحال بينه وبين الاعداد لعمل سياسي ضدّ الحكّام المتعاقبين في عصره . 2 ـ التجربة التاريخية المُرّة لقيادة آل البيت (ع) مع جمهور الاُمّة ، وتيارات الثورات ضدّ الحكّام الامويين بقيادة الامام عليّ (ع) ، وولده الامام الحسن (ع) ومن بعدهما ثورة الامام الحسين السبط (ع) ، وزيد بن عليّ ابن الامام الحسين ، نظراً لتخلّف الناس عن الرُّقيّ إلى المقام السامي والاسلوب الرفيع الّذي كان يمارسه أهل البيت (ع) في الوصول إلى الحكم والخلافة ، فهم يترفّعـون عن الغدر والمخاتلة والرّشوة ... إلخ ، وكان خصومهم لا يتركون أسلوباً من الاساليب الموصلة إلى الحكم إلاّ اتبعوه ، لذلك كان هذا الفاصل في الفهم وغياب التجانس في الوعي والاستيعاب بين أهل البيت (ع) وجمهور أتباعهم ، له الاثر الكبير على المعارك والثورات الّتي قادها أهل البيت (ع) . ولهذه الاسباب ولغيرها ، كان الامام الصّادق (ع) منصرفاً عن الصراع السياسي المكشوف إلى بناء المقاومة بناءً علميّاً وفكريّاً وسلوكيّاً يحمل روح الثورة، ويتضمّن بذورها ، لتنمو بعيدة عن الانظار وتولد قويّة راسخة . وبهذه الطريقـة راح يربِّي العلماء والدُّعاة وجماهير الاُمّة على مقاطعة الحكّام الظّلمة ، ومقاومتهم عن طريق نشر الوعي العقائدي والسياسي ، والتفقّه في أحكام الشريعة ومفاهيمها ، ويثبِّت لهم المعالم والاُسس الشرعية الواضحة ، كقوله (ع) : « مَن عَذَرَ ظالِماً ، بظلمهِ سَلّطَ اللهُ عليهِ مَن يظلِمُهُ ، فإنْ دعا لم يُستَجَبْ لهُ ولم يأجُرْهُ اللهُ على ظُلامَتِه » (13) . « العامِل بالظّلمِ والمُعينُ له والرّاضي به شُركاءُ ثلاثتهم » (14) . وفي هذه الفترة ، فترة حياة الامام ، وقعت ثلاثة أحداث سياسية خطيرة في حياة الاُمّة وإمامها جعفر بن محمّد (ع) ، وهي : 1 ـ ثورة زيد سنة121هـ:وزيد ـ هو عم الامام الصّادق ـ بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(ع)،ولقد كان زيد أحد الاعلام البارزين من آل رسول الله(ص)ومن فقهاء أهل البيت(ع)،وقد عَظُمَتْ عليه شدّة المحنة،والارهاب والتسلّط والاستئثار،الّذي مارسه الحكّام الامويون في عصره،فاندفع بروح الثائر الّذي لم يَرَ غير السيف والقوّة لغة للخطاب،ولا سواهما أسلوباً للتعامل مع الحاكم الجائر،فقرّر الثورة المسلّحة،وقيادة المظلومين والمضطهدين ضدّ الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك سنة إحدى وعشرين ومائة(121 هـ )،وكان ذلك في عهد الامام محمّد الباقر(ع)أخي زيد،وكان عُمر الامام الصّادق(ع)يومها نحو(38 سنة) ، وقد بلغ تردِّي الاوضاع وانتشار الظلم والفساد والفقر وبذخ الحكّام واستئثارهم حدّاً لا يُطاق. وقد كتب المؤرِّخون وصفاً وافياً لسوء الاوضاع وتدهورها ، نقتطف منها وصف المؤرّخ الشهير أبي الحسن المسعودي ، وهو يصف هشام بن عبد الملك : « وكان أحْوَلَ ، خشناً ، فظّاً ، غليظاً ، يجمع الاموال » (15) . ثمّ قال : « وفي أيّامه عُمِلَ الخزُّ، والقُطُفُ الخزّ، فسلك الناس جميعاً في أيّامه مذهبه، ومنعوا ما في أيديهم ، فقلّ الافضال ، وانقطع الرفد ، ولم يُرَ زمان أصعب من زمانه » (16) . وذكر السيِّد هاشم معروف الحسني نقلاً عن الجهشياري : « إنّ الامويين فرضوا ضرائب إضافية كالرسوم على الصناعات والحرف وعلى مَن يتزوّج أو يكتب عرضاً، وأرجعوا الضرائب الساسانية الّتي تسمّى هدايا النيروز ، وأوّل من طالب بها معاوية وفرضها على أهل السواد في النيروز ، وقدم دهقان هرات إلى أسد ابن عبد الله القسري ، عامل هشام بن عبد الملك على هرات ، بهدايا المهرجان وبلغت ألف ألف » . ونقل أيضاً : « وبعث عبد الملك إلى عامله في الجزيرة يأمره بإحصاء الجماجم واعتبار الناس كلّهم عمّالاً ، وأن يجمع ما يجنيه كل انسان في مجموع السنة ، ويأخذ منه ما يبقى من نفقته ، فأحصاهم العامل واعتبرهم عمّالاً بأجر معيّن واستثنى من مجموع الدّخل السنوي نفقتهم وكسوتهم في تمام السنة ، فوجد أنّه يبقى لكل فرد أربعة دنانير ، فألزمهم بدفعها » . وجاء أيضاً : « إنّ اُسامة بن زيد وفد على سليمان بن عبد الملك بما اجتمع عنده من الخراج ، وكان والياً له على مصر ، فقال له : يا أمير المؤمنين ! إنِّي ما جئتُكَ حتّى نَهكتِ الرّعيّةُ وجهدتْ ، فإنْ رأيتَ أن ترفق بها وترفِّه عليها وتخفِّف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها وصلاح معاشها فافعل ، فانّه يستدرك ذلك في العام المقبل . فقال له سليمان : هَبَلتكَ اُمّكَ احلبِ الدَّرَّ(17) ، فإذا انقطعَ فاحلبِ الدّم » . وكان الخلفاء أحياناً يتركون لعمالهم جميع ما تحت أيديهم من تلك الاموال ، وقد يبلغ أحياناً حدود الملايين من الدراهم ، وبلغ ما تحت يد الوالي في خراسان عشرين ألف ألف (عشرين مليون) درهم فتركها له ، وكان عنده من العروض مثلها (18) . هذه هي صورة الحـياة الاقتصـادية وتوزيع الثروة ، المخالِف لمـبادئ الاسـلام الاقتصادية وقوانينه العادلة، إضافة إلى الظلم السياسي والقتل والارهاب والملاحقة، فهذه الظروف السياسية والاجتماعية هي الّتي أحاطت بشخص الامام الصّادق (ع) وبآبائه من قبله ، في ظل الحكم الاموي . وهذه هي إحدى الاسباب الّتي دعت زيد بن عليّ إلى الثورة ، فاختار الكوفة منطلقاً لثورته : « وأقام فيها بضعة عشر شهراً وأرسل دعاته إلى الآفاق » (19) . « وأقبلت الشيعة وغيرهم يختلفون إليه ويبايعـونه ، حتّى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من الكوفة خاصّة ، سوى أهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان والرّيّ وجرجان » (20) . والمتأمِّل في هذه الوثيقة التاريخية السياسية ، يدرك بوضوح سخط الاُمّة على الحكم الاموي ، وانتشار روح الثورة في معظم الحواضر والمراكز الاسلامية الكبرى ، ممّا يعكس طبيعة الحكم، ويكشف حقيقته المنافية لروح العدل والانصاف . ونستطيع أن نكتشف هذه الحقيقة عن طريق التأمّل في سلوك الحكّام الامويين ، الّذي عرضنا جانباً منه آنفاً من جهة ، وطبيعة الثورات وشخصية القيادات الّتي تقودها من جهة اُخرى ، فزيد الثائر القائد هو الّذي وصفه أبو الجارود بقوله : «قدمتُ المدينة فجعلتُ كلّما سألت عن زيد بن عليّ قيل لي ذاك حليف القرآن»(21). ووصفه الطبري بقوله : « وكان عابداً ، ورعاً ، سخيّاً ، شجاعاً » . وهو الّذي أيّده ومال إليه أبو حنيفة النعمان بن ثابت مؤسّس المذهب الحنفي ، فأفتى بصرف الزكاة لنـصرة زيد ، وحوكم واُوذي بسـببها ، وقد سجّل كثير من المؤرِّخين والكتّاب هذه الحقيقة ، نذكر منهم الاُستاذ محمّد إسماعيل إبراهيم الّذي كتب في دور فقيه المذهب الحنفي ورأيه في الحكم الاموي ، وفي ثورة زيد ، وحق آل البيت بالخلافة : « وكان ينكر ـ يعني أبا حنيفة ـ على بني اُميّة استيلاءهم على منصب الخلافة بغير حقٍّ ، واستيلاءهم على السلطة بقوّة السيف والدهاء ، لذلك كان مَيّالاً بقلبه نحو الامام عليّ بن أبي طالب وأبنائه الّذين ذهبوا ضحيّة ظلم الامويين وعسفهم ، وكان أشدّ ما يحزن أبا حنيفة مقتل زيد بن عليّ زين العابدين ، الّذي كان في نظره إماماً عادلاً جديراً بالخلافة لمناقبه الباهرة ، وظلّ أبو حنيفة على ولائه لآل البيت وعدائه للامويين حتّى أنّه رفض أن يشغَلَ أيَّ منصب في دولتهم ، وكان يُظهِر أحياناً خلال دروسه بعاطفته وميله نحو العلويين ، الامر الّذي جعل ابن هبيرة والي الكوفة ينقم عليه ، وظلّ يراقِبُهُ ويتلمّسُ له أيَّ خطأ يقع منه لكي يعاقبه ، فلمّا كلّفه بتولِّي القضاء ورفض ، اعتبر ابنُ هبيرة ذلك عدمَ ولاء للدولة ، فضربه وسـجنه ، واستطاع أبو حنيفة بمساعدة حارس السجن أن يهربَ ويلجأَ إلى مكّة لِيُقيم فيها ، وظلّ فيها إلى أن قامت الدولة العباسية ، واستتبّ لها الامر فعاد إلى الكوفة » (22) . في هذه الظّروف القاسية المرعبة قرّر زيد إعلان الثورة والانطلاق من الكوفة ، وكان الجميع يعلِّقون آمالهم على ثورة زيد ، ويلحّون عليه بالاسراع والاستجابة . ولم يكن زيد ليعلن الثورة من أجل أن يتولّى الخلافة والامامة بنفسه بل كان يدعو إلى الرضى من آل محمّد ـ أي خيرة آل محمّد (ص) ـ ، وكان يعرف أن أخاه الباقر (ع) هو إمام آل محمّد (ص) في عصره ، وقد حدّث زيدٌ أخاه الباقر (ع) بذلك واستشاره ، وكان ينوي تسليم الامر إليه بعد نجاح الثورة ، إلاّ أنّ الامام الباقر (ع) أخبره بأنّه روى عن آبائه عن جدّه رسول الله (ص) مدّة حكم بني اُميّة ، وأنّه يُقتل إن هو تصدّى لهشام وثار ضدّه . قال المسعودي : « وقد كان زيد بن عليّ شاور أخاه أبا جعفر (الباقر) بن عليّ بن الحسين ، فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة ، إذ كانوا أهلَ غَدر ومَكْر ، وقال له : (بها قُتِلَ جَدُّك عليّ ، وبها طُعِنَ عَمُّك الحسـن ، وبها قُتِلَ أبوك الحسـين ، وفيها وفي أعمالها شُتِمنا أهل البيت) ، وأخبره بما كان عنده من العلم في مدّة ملك بني مروان ، وما يتعقّبهم من الدولة العباسية ، فأبى إلاّ ما عَزَم عليه من المطالبة بالحق ، فقال له : ( إنِّي أخافُ عليك يا أخي أن تكون غداً المصلوبَ بِكُناسةِ الكوفة ) ، وودّعه أبو جعفر ، وأعلمه أنّهما لا يلتقيان » (23) . وقد روى أبو الفرج الاصفهاني رواية عن أحد أصحاب الامام الصّادق (ع) ، قال: « رأيتُ جعفرَ بن محمّد يُمسِكُ لزيد بن عليّ بالرِّكابِ ـ ركاب فرسه ـ ويسوِّي ثيابَهُ على السّرج » (24) . وهو دليل على التأييد والاحترام والحب لزيد الثائر ، ولِمَ لا ؟ ألَم يكن خروجه طلباً لاصلاح اُمّة جدّه الّتي أذاقها حكّامُ الجور الظّلمَ ، وهو الّذي بلغ تعلّقه بهدفه السّامي ذاك أن قال يوماً لصاحب له يُدعى البابكي ، وهو يشير بيده إلى نجم الثريّا في السماء : « يا بابكي ! أما ترى هذه الثريّا ، أترى أحداً ينالُها ؟ قلت : لا ، قال : واللهِ لَوَدَدْتُ أنّ يدي ملصقةٌ بها ، فأقعَ إلى الارض ، أو حيث أقعُ ، فأتقطّعَ قطعةً قطعة ، وأنّ الله أصلحَ بين اُمّة محمّد (ص) » (25) . وصدق الامام الباقر (ع) ، فقد ثار زيد وقتل في الكوفة ، ودفنه أصحابه سرّاً ، فأمر هشام بن عبد الملك الاموي بإخراج جثّة زيد من قبره وصلبه عرياناً ففعل به ذلك !! عن جابر بن عبد الله ، عن أبي جعفر (الباقر) : « قال رسول الله (ص) للحسين : (يخرج رجل مِن صلبك يُقال له زيد ، يتخطّى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غُرّاً مُحجَّلين، يَدخلونَ الجنّةَ بغيرِ حساب)»(26). فكان مقتل زيد الشهيد والتمثيل به حدثاً مروّعاً هزّ وُجدانَ الاُمّة المسلمة، وألهَبَ المشاعرَ ، وأذكى روحَ الثورة ، فعجّل بنهاية الحكم الاموي ، ولم يسـتمر أكثر من أحد عشر عاماً بعد مقـتل زيد ، كانت مليئة بالثورات والانتفاضات الّتي قـادها رجال من آل البيت النبويّ الكريم (ع) . ولم تكن لتمر هذه المأساة وأمثالها من المآسي والمحن الّتي فجع بها آل البيت النبوي الشريف والاُمّة المسلمة دون أن تؤثِّر في نفس الامام الصّادق (ع) ، ومدى حركته ونشاطه السياسي والاجتماعي ، لذلك نجده قد اختار الاتّجاه العلمي والعناية بحفظ الشريعة وتربية جيل من العلماء وحملة العلم والفقه والحديث ، بعـد أن رأى نفسَهُ مُقيّداً لا يسـتطيع الحركةَ والتصدِّي السّافِرَ للسّلطة الحاكمة . ومع ذلك فإنّ هشام بن عبد الملك كان يخشى الامامَ الصّادقَ وأباه الباقر (ع) ، ويخافُ مِن تعاطُفِهِم مع الثوّار العلويين ، لذلك استدعاهما إلى الشام للتحقيقِ معهما فلم يَجِدْ حُجّةً للنّيلِ منهما أو الاعتداءِ عليهما ، فعادا إلى المدينة بعناية ربّانية قاهرة . 2 ـ سقوط الدولة الامويّة (132 هـ ) : أمّا الحدث الثاني الخطير في مرحلة إمامة جعفر بن محمّد الصّادق (ع) فهو سقوط الدولة الامويّة ، وقيام دولة بني العباس ، وقد قامت دعوة الثورة ضدّ الامويين تحت شعار الولاء لاهل البيت النبوي (ع) والانتصار لهم ، إلاّ أنّ بني العباس كانوا يعملون سرّاً لتكون الخلافة لهم . وقد كانت الدعوةُ في البداية إلى إبراهيم بن محمّد العباسي ، ولمّا قُتِلَ ، عهد بالبيعة لاخيه أبي العباس عبد الله بن محمّد العباسي، ولمّا علم أبو سَلَمَةَ الخلاّل بموت إبراهيم وانتقال البيعة لابي العباس ، خاف من هذا التحوّل واتّجه إلى الامام جعفر الصّادق (ع) بالبيعة ، فكتب كتاباً بنسختين ، إحداهما للامام الصّادق (ع) والاُخرى لعبد الله بن الحسن(27)، وهو من أشراف العلويين ومن نقبائهم بعد الامام الصّادق (ع) ، ثمّ أمر الرسول أن يذهب بكتابه إلى الامام الصّادق (ع) . وكان قد دعا الامام الصّادق في هذا الكتاب للحضور إلى الكوفة لتتم البيعة بالخلافة له ، وأمر الرسول أن يتعرّف إلى جواب الامام الصّادق (ع) ، فإن أجاب بالموافقة فلا يتوجّه بعده إلى أحد ، فهو الامام والرّجل المؤهّل للقيادة، وإلاّ فليتوجّه (الرسول) إلى عبد الله بن الحسن، فحمل الرسول الرسالة ، وتوجّه إلى الامام الصّادق (ع) ، فأخبره بما عنده فلم يُجِبْه الصّادق (ع) ، ولكنّه أخذ الرسالة فأحرقها أمام الرسول ، وقال له : « عرِّف صاحبَكَ بما رأيت »، ثمّ أنشأ يقول ، متمثِّلاً بقول الكميت بن زيد : أيا موقِداً ناراً لغيرِكَ ضَوْؤُها *** ويا حاطِباً في غيرِ حَبْلِكَ تَحْطِبُ (28) فخرج الرسول من عنده وأتى عبد الله بن الحسن فتناول الكتاب وقرأه فَسُرَّ به ، إلاّ أنّه لم يستطع تقرير موقف ، أو اتخاذ قرار بأمر خطير كهذا دون أن يطلع الامام الصّادق (ع) ، وكان يتصوّر أنّه سيلقى التأييد والترحاب بهذا الطلب من الامام الصّادق (ع) ، إلاّ أنّ الامام أخبره بالّذي حدث منه مع الرسول، ونهاه عن الاستجابة، وحذّره من العاقبة . فقد كان الامام الصّادق (ع) يعرفُ سيرَ الاحداث ويُدرِكُ نتائجها ، ولديه علم عن أبيه الباقر عن آبائه (ع) عن جدّهم رسول الله (ص) بما سيجري لهم ويحدث ـ كما روينا ذلك عن الباقر (ع) آنفاً ـ . وقد جاء في الروايات أنّ رسول الله (ص) قال لاهل بيته (ع) : « إنّا أهلُ بيت اختارَ اللهُ لنا الآخرة على الدنيا ، وإنّ أهلَ بيتي سَيَلْقَوْنَ بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً ، حتّى يأتيَ قومٌ مِن قِبَل المشرِقِ معهُم راياتٌ سـود ، فيسألونَ الخيرَ فلا يُعْطَوْنَهُ ، فَيُقاتِلونَ فَيُنصَرونَ فَيُعْطَوْنَ ما سألوا فلا يَقْبَلُونَهُ ، حتّى يدفعوها إلى رَجُل مِن أهلِ بَيتي فيملأها قِسطاً كما ملأوها جوراً ، فمَن أدركَ ذلك منكم فَلْيَأتِهِم ولو حَبْواً على الثّلج » (29) . إلاّ أنّ عبد الله بن الحسن لم يستجب لنصيحة الصّادق (ع) وقال : « إنّما يريدُ القومُ ابني محمّداً لأنّه مهديُّ هذه الاُمّة ، فقال أبو عبد الله جعفر : (والله ما هو مهديُّ هذه الاُمّة ولئن شَهَرَ سيفَهُ لَيُقْتَلَنَّ) ، فنازعه عبد الله القول حتّى قال له : واللهِ ما يمنعُـكَ من ذلك إلاّ الحسـدُ ، فقال أبو عبد الله : (واللهِ ما هذا إلاّ نُصحٌ منِّي لك) » (30) . وصدق الامام،وتمّت البيعة لابي العباس السفاح،قبل أن يعود الرسول إلى أبي سلمة الخلاّل. ويتسلّط العباسيون على السلطة ، فيتنكّرون لآل البيت (ع) ، ويفتكون بهم ، بعد أن كانت دعوتهم تتستّر تحت شعار الدفاع عن آل البيت (ع) وتَعْرض مظلوميتهم وتَستميل الناس بحبّهم ، فعانى العلويون أشدّ المعاناة كما عانى غيرهم من ظلم بني العباس وجورهم واستبدادهم ، حتّى أنّ خليفتهم الاوّل (أبا العباس) سُمِّي بالسفّاح لكثرة ما أراق من الدماء ، فاشتدّت المحنة على الامام الصّادق (ع) وضيّق عليه . ولذلك نجد أبا العباس السفاح يستدعي الامام الصّادق (ع) إلى الحيرة ، ويضيِّق عليه ، خوفاً من منافسته وشموخ زعامته ، ثمّ يَحُول الله بينه وبين الامام (ع) فيعود إلى المدينة ، ليمارس مهمّاته العلمية والتوجيهية هناك . وحينما تولّى أبو جعفر المنصور الخلافةَ ازدادت مخاوِفُهُ مِن الامام الصّادق(ع)،واشتدّ حسدُهُ، لتفوّق شخصية الامام(ع)،وعلوّ منزلته في النفـوس،وذيوع اسمه في الآفاق،وشموخ مكانته العلمية،حتّى غطّت شخصيّته كل الشخصيات العلمية والسياسية في عصره ، لذلك عمد أبو جعفر المنصور إلى استدعاء الامام الصّادق (ع) وجلبه من المدينة إلى العراق مرّات ، ليحقِّق معه ويتأكّد من عدم قيادته لحركات سرّية ضدّ الحكم العباسي ، لان أبا جعفر المنصور كان يعرف اتّجاه الاُمّة وميلها للامام الصّادق (ع) ، ويعرف أهليته وقوّة شخصيته ، بالاضافة إلى ذلك فهو يشاهد العلويين يتحرّكون لانهاء التسلّط العباسي ، وإعادة القيادة لآل البيت النبويّ . وكم حاول أبو جعفر المنصور أن يستميل الامام الصّادق (ع) إلى جانبه ، إلاّ أنّه فشل ، لانّ الامام (ع) كان يفرض مقاطعة على الحكم العباسي ، وكان يعرف أنّ مقاطعته ترسم موقفاً شرعياً للمسلمين وتكشف انحراف السلطة ، فتضعف مركزها في النفوس ، وتسلب الصفة الشرعية منها وتهيئ الاجواء المناسبة لهدمها والتخلص منها، ليكون موقفه هذا طريقاً ومنهجاً وأسلوباً لكل العلماء والمفكِّرين من السلطات الظّالمة . وقد كتب أبو جعفر المنصور إلى الامام الصّادق (ع) كتاباً يطلب فيه قُربَ الصّادق، ومصاحبته ، وممّا جاء في الكتاب : « لِمَ لا تغشانا كما يغشانا الناس ؟ فكتب إليه الصّادق (ع) : ( ليس لنا ما نخافُكَ مِن أجلهِ ، ولا عندَكَ مِن أمرِ الآخرة ما نرجوكَ له ، ولا أنتَ في نعمة فنهنِّئك ، ولا نراها نقمة فنعزِّيك ) . فكتبَ إليه المنصور : تصحبُنا لِتنصَحَنا . فأجابه الصّادق (ع) : ( مَن أرادَ الدُّنيا لا ينصحُكَ ، ومَن أرادَ الآخرة لا يصحبُك ) » (31) . وكان أبو جعفر المنصـور يزداد غيظاً على الامام الصّـادق (ع) ويخشى مركزه وموقفه ، إلى درجة أصبح المنصور معها حائراً عاجزاً عن تحديد موقف من الامام الصّادق (ع) حتّى قال فيه : « هذا الشّجن (32)المُعتَرِضُ في حُلوقِ الخلفاءِ الّذي لا يجوزُ نفيُهُ ، ولا يحلُّ قتلُهُ ، ولولا ما تجمعني وإيّاه من شجرة طاب أصلُها وبَسَقَ فرعُها وعذُبَ ثمرُها وبورِكَت في الذرّية ، وقُدِّست في الزُّبر ، لكان منِّي ما لا يُحمدُ في العواقبِ ، لِمَا بلغني من شدّة عيبِهِ لنا ، وسوءِ القول فينا » (33) . 3 ـ ثورة محمّد بن عبد الله بن الحسـن ( النفس الزكيّة ) (145 هـ ) : أمّا الحدث الثالث الخطير الّذي وقع في عصر الامام الصّادق (ع) فهو ثورة محمّد ذي النفس الزكيّة في عصر أبي جعفر المنصور، فقد تسلّم أبو جعفر المنصور السلطة سنة (136 هـ ) بعد أخيه أبي العباس السفاح وكان من أشد الحكّام الّذين سبقوه نقمة وعداوةً لآل البيت النبويّ (ع) . وكان عصره عصر ضيق وشدّة على عموم المسلمين ، فحرّكت هذه الاحداث محمّد ابن عبد الله بن الحسن ـ ابن عم الامام الصّادق (ع) ـ ، وقد عرضنا فيما سبق من البحث موقف الامام الصّادق (ع) من تصدِّي عبد الله بن الحسن وولده محمّد للخلافة، وأنّه كان على يقين من فشل الحركات العلوية ، وقد كان في حواره مع عبد الله بن الحسن في بداية الدعوة العباسية ـ قبل ثلاثة عشر عاماً ـ قد أخبره بأنّ الخلافة لا تكون إلاّ لبني العباس ، وأنّ ابنه محمّداً يقتله المنصور ، فقد جاء في حوار الامام الصّادق (ع) مع عبد الله بن الحسن : « (إنّ هذا ـ يعني أبا جعفر المنصور ـ يقتله على أحجار الزيت ، ثمّ يقتل أخاه بعده بالطفوف ، وقوائم فرسه في الماء) . ثمّ قام مُغضباً يجرُّ رداءهُ ، فتبعه أبو جعفر (يعني المنصور وكان حاضراً المحاورة ) فقال : أتدري ما قلت يا أبا عبد الله ؟ قال : ( إي والله أدريه ، وإنّه لكائن ) » (34) . « فلمّا ولّي أبو جعفر الخلافة سمّى جعفراً الصّادق ، وكان إذا ذكره قال : قال لي الصّادق جعفر بن محمّد كذا وكذا ، فبقيت عليه » (35) . لقد ثارَ محمّد ذو النفس الزكيّة ضدّ ظلم أبي جعفر المنصور وتسلّطه ، ولم يكن الامام الصّادق (ع) يحمل في نفسه ضدّ المنصور إلاّ نفس الموقف والاحساس الّذي يحمله محمّد ابن عبد الله بن الحسن، إلاّ أنّ الفارق بينهما هو وضوح الرؤية ، وشخوص الحقيقة للامام الصّادق وخفاؤها على ابن عمّه محمّد ، لذلك كان يعارض الحركة ، لأنّه يعلم فشلها وما تجرّ من مآس ومحنة على آل البيت (ع) ، وقد صدق ما أخبر به الامام الصّادق (ع)، إذ حدّثنا التاريخ أنّ محمّداً ذا النفس الزكيّة قد دعا لنفسه وعاش فترة متخفِّياً ، وعندما قُبضَ على أبيه وأبناء عمومته وأهله ، أعلن الثورة في المدينة ثمّ فشلت الثورة ، وقُتلَ محمّد ، كما قُتلَ ابنه عليّ في مصر من بعده ، وابنه عبد الله في السند ، وقُبضَ على ابنه الحسن في اليمن فحُبس فيها ومات ، واغتيل أخوه إدريس بالسم في بلاد المغرب ، وأعلن الثورة أخوه إبراهيم من البصرة ، وتوجّه مع أنصاره باتّجاه الكوفة ، (ولمّا بلغ المنصور خروجه ، تحوّل فنزل الكوفة ، حتّى يأمن غائلة أهلها ، وألزم الناسَ بلبس السّواد ـ شعار الولاء للدولة العباسية ـ وجعل يقتل كل من اتهمه ، أو يحبسه ) (36) . وقد أدّى ذلك إلى القضاء على معظم مؤيِّدي الحركة،وأخيراً قُتلَ إبراهيم على مقربة من الكوفة. وهكذا انتهت الثورة العلوية وجرّت معها الكوارث والويلات على آل البيت (ع) ، ولم يكن الامام الصّادق (ع) ليسلمَ من هذه المحنة ، فقد كان الخليفة العباسي ( المنصور ) يطارده الخوف والشكّ من الامام الصّـادق (ع) ، ويتصوّره اليد المحرِّكة لكلِّ حركة وثورة ضدّ بني العباس ، لذلك نجده يستدعي الامام الصّادق (ع) إلى العراق عندما اشتدّ ساعد الدعوة الّتي قام بها محمّد ذو النفس الزكيّة ، ويتّهم الامام بالمناوأة وإسناد ذي النفس الزكيّة ، ويُضيِّق عليه ويُجري معه محاكمةً لِيُشعِرَهُ بالرّقابة والمتابعة ، ثمّ يقتنع أبو جعفر بعد أن يستمع إلى ردود الامام الصّادق (ع) بعدم صدق التقارير والوشايات الواردة ، فيخلي عنه . كما اسـتدعاه مرّة اُخرى من المدينة إلى العراق بعد مقتل محمّد ذي النفس الزكيّة واتهمه بجمع الاموال والسلاح من أتباعه وأنصاره والاعداد للثورة ، ثمّ يُحضر الجواسيس الّذين نقلوا التقارير والمعلومات الكاذبة لمقابلة الامام ومواجهته بما نسبوه إليه، فيحضر الرّجل ويطلب الامام الصّادق منه أنْ يُقسِمَ بأنّ ما نقله ونسبه إلى الامام الصّادق هو صحيح فأقسم بقوله : « والله الّذي لا إله إلاّ هو الغالب الحيّ القيّوم ، فيردّ عليه الامام الصّادق (ع) : ( لا تعجل في يمينك فإنِّي أستَحْلِفُك ) . فيسألُ المنصورُ الامامَ الصّادقَ (ع) : ما أنكرتَ مِن هذه اليمين ؟ فيردُّ الصّادقُ بمعرفةِ العالِم بالتوحيد والرّبوبية : ( إنّ الله حيٌّ كريم، إذا أثنى عليه عبده لا يُعاجِلُهُ بالعقوبة ، ولكن قل أ يُّها الرّجل : أبرأُ إلى اللهِ مِن حولِهِ وقوّتِهِ وألجأُ إلى حولي وقوّتي إنِّي لصادق فيما أقول ) . فقال المنصور : إحلف بما استحلفك أبو عبد الله به . فحلف الرّجل بهذه اليمين ، فلم يستتم الكلام حتّى خرَّ ميِّتاً ، فاضطرب المنصور وارتعدت فرائصه ، وقال للصادق (ع) : يا أبا عبد الله ! سِرْ من عندي إلى حرمِ جدِّك ، إنِ اخْتَرتَ ذلك ، وإنِ اخترتَ المقامَ عندنا لم نألُ في إكرامك وبرّك ، فوَ الله لا قَبِلْتُ قولَ أحد بعدها أبداً » (37) . وهكذا عايشَ الامام الصّادق (ع) هذه الاجواء السـياسية المضطربة ، في جوٍّ مشحون بالعداء والارهاب والتجسّس والمُلاحقة ، إلاّ أنّه استطاع بحكمته ، وقوّة عزيمته أن يؤدّي رسالته العلمية ، وأن يُفجِّر ينابيعَ العلمِ والمعرفةِ ويُخرِّج جيلاً من العلماء والفقهاء والمتكلِّمين .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|