قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)
2 ـ مقام الامام (عليه السلام) العلمي :
وسط هذه الاجواء والتيّارات والمذاهب والنشاط العلمي والثقافي ، عاش الامام الصّادق (ع) ، ومارس مهمّاته ومسؤولياته العلمية والعقائدية كإمام واُستاذ وعالِم فذّ لا يُدانيه أحد من العلماء ، ولا يُنافسه اُستاذ أو صاحب معرفة ، فقد كان قمةً شامخةً ومجداً فريداً فجّر ينابيع المعـرفة ، وأفاض العلوم والمعارف على علماء عصره وأساتذة زمانه ، فكانت أساساً وقاعدة علميّة وعقائديّة متينة ثبّتَ عليها بناءُ الاسلام ، واتّسعَتْ مِن حولِها آفاقُهُ ومداراتُه . وعلى الرّغم من مُحاربة الحكّام الجائرين وكُتّاب التاريخ الضالعين في ركابهم لطمس شخصية هذا الامام العظيم،فإنّ شخصيّته كانت ولم تَزَلْ نجماً لامعاً في سماء الاسلام،ومصدراً غنيّاً من مصادره. فقد تلقّى الامام الصّادق العلوم والمعارف عن آبائه ، عن جدّهم رسول الله (ص) ، وقام بمهماته الشرعية كإمام مسؤول عن نشر الشريعة وحفظ أصالتها ونقائها ، وقد ساهم مع أبيه الامام الباقر (ع) في تأسيس جامعة أهل البيت في المسجد النبوي الشريف ، وقاما بنشر العلم والمعرفة ، وبثّهما بين الفقهاء والمفسِّرين والمحدِّثين ، وروّاد العلوم المختلفة ، فكان العلماء ومشايخ العلم وروّاد المعرفة يَفِدونَ عليهما ويَنهلون مِن موردِهِما العذبِ ، حتّى لم يُؤخَذْ عن أحد من أئمّة المسـلمين من العلوم ومعارف الشريعة ، كالتفسير والحديث والعقيدة والاخلاق ... إلخ ، كما اُخِذَ عن الامامين الباقر وولده الصّادق (ع)، فعليهما تتلمذ أئمّة الفقه، وعنهم أخذ رواة الحديث ، وبهم استطال ظلّ العلم والمعرفة ، لذلك نجدُ العلماءَ والفقهاءَ والمحدِّثين والفلاسفةَ والمتكلِّمينَ وعلماءَ الطّبيعة وغيرهم يشهدون بمجد الامام الصّادق (ع) العلمي ، ويشيدون بمقامه . وكتابنا هذا لا يتّسع لما قيل في علوم الامام ومقامه ، إلاّ أنّنا ندوِّن هنا أبرزَ هذه الاعترافات والشهادات الّتي سجّلها العلماء ، وذكرها أئمّة الحديث والرواية . قال الشيخ المفيد ـ رحمه الله ـ : « وكان الصّادق جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين (ع) من بين أخوته خليفة أبيه محمّد بن عليّ (ع) ، ووصيِّه القائم بالامامة من بعده ، وبرز على جماعتهم بالفضل وكان أنبههم ذِكْراً وأعظمهم قدراً ، وأجلّهم في العامّة والخاصّة ، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلدان ، ولم يُنقَلْ عن أحد مِنْ أهل بيته العلماء ما نُقِلَ عنه ، ولا لقيَ أحدٌ منهم من أهل الآثار ونقلة الاخبار ، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله (ع)؛ فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرّواة عنه من الثّقات على اختلافهم في الآراء والمقالات ، فكانوا أربعة آلاف رجل » (38) . ونقل المحقِّق العلاّمة السيِّد محسن الامين : « إنّ الحافظَ ابنُ عقدة الزيدي جمع في كتاب رجاله أربعة آلاف رجل من الثّقات الّذين رَوَوْا عن جعفر بن محمّد فضلاً عن غيرهم ، وذكر مصنفاتهم » (39) . ونقل أيضاً : « روى النجاشي في رجاله بسنده عن الحسن بن عليّ الوشا في حديث أنّه قال : أدركت في هذا المسجد (يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كل يقول : حدّثني جعفر بن محمّد، وكان عليه السّلام يقول: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدِّي، وحديث جدِّي حديث عليّ بن أبي طالب ، وحديث عليّ حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ ) » (40) . ونقل ابن شهرآشوب في كتابه مناقب آل أبي طالب عن كتاب (الحلية) لابي نعيم ما نصّه : « قال عمرو بن أبي المقدام : كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنّه من سلالة النبيِّين ، ولا تخلو كتب أحاديث وحكمة وزهد وموعظة من كلامه ، يقولون : قال جعفر بن محمّد الصّادق، قال جعفر الصّادق(41). ذكره النقاش والثعلبي والقشيري والقزويني في تفاسيرهم » (42) . ونقل أيضاً عن حلية الاولياء لابي نعيم : « إنّ جعفراً الصّادق حدّث عنه من الائمّة والاعلام : مالكُ بن أنس ، وشعبةُ بنُ الحجّاج ، وسـفيانُ الثوري ، وابنُ جريج ، وعبد الله بن عمرو ، وروحُ بن القاسم ، وسـفيانُ بن عيينة ، وسليمانُ بن بلال ، وإسماعيلُ بن جعفر ، وحاتمُ بن إسماعيل ، وعبد العزيزُ بن المختار، ووهبُ بن خالد، وإبراهيمُ بن طحّان في آخرين، قال: وأخرج عنه مسلم في صحيحه محتجّاً بحديثه، وقال غيره: وروى عنه مالك والشافعي والحسن ابن صالح وأيّوب السختياني وعمرو بن دينار وأحمد بن حنبل. وقال مالك بن أنس: ما رأتْ عينٌ ، ولا سمعتْ اُذنٌ ، ولا خطرَ على قلبِ بشر أفضلَ من جعفر الصّادق فضلاً وعلماً وعبادةً وورعاً » (43) . ووصفه المؤرِّخ المشهور اليعقوبي فقال : « وكان أفضلَ الناس وأعلمَهُم بدينِ الله ، وكان أهلُ العلم الّذين سمعوا منه إذا رووا عنه ، قالوا أخبرنا العالِم » (44) . وتحدّث الاُستاذ محمّد فريد وجدّي صاحب دائرة معارف القرن العشرين عنه فقال : «أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصّادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين بن الحسين(45)ابن عليّ بن أبي طالب هو أحد الائمّة الاثني عشر على مذهب الامامية ، كان من سادات أهل البيت النبوي ، لُقِّب بالصادق لصدقه في كلامه ، كان من أفاضل الناس ، وله مقالات في صناعة الكيمياء » (46) . ثمّ أضاف قائلاً : « وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيّان الصّوفي الطّرسوسي قد ألّف كتاباً يشتمل على ألف ورقة تتضمّن رسائل جعفر الصّادق ، وهي خمسمائة رسالة » (47) . وتحدّث أبو الفتح الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) عن الامام الصّادق (ع) فقال : « وهو ذو علم غزير في الدِّين ، وأدب كامل في الحكمة ، وزهد بالغ في الدنيا ، وورع تام عن الشهوات » . وقال : « وقد أقام بالمدينة يُفيدُ الشّيعةَ المنتمين إليه ، ويُفيضُ على الموالين له أسرارَ العلوم ، ثمّ دخل العراق وأقام بها مدّة ، ما تعرّض للامامة ـ أي للسّلطة ـ قطّ ، ولا نازع أحداً في الخلافة قطّ . ومَنْ غرق في بحر المعرفة لم يطمعْ في شَطٍّ ، ومَنْ تعلّى ذروةَ الحقيقة لم يَخَفْ مِنْ حَطٍّ » (48) . ونقل الامين العاملي عن الحسن بن زياد انّه قال : «سمعت أبا حنيفة وقد سُئِلَ عن أفقه مَنْ رأيتَ ، قال : جعفر بن محمّد» . وعن ابن أبي ليلى قوله : « ما كنتُ تارِكاً قولاً قلتُهُ أو قضاءً قضيتُهُ لقول أحد ، إلاّ رجلاً واحداً هو جعفر بن محمّد » (49) . وهذا مالك بن أنس إمام المالكية يقول في جعفر بن محمّد الصّادق : « كنتُ أرى جعفر بن محمّد وكان كثير الدعابة والتبسّم ، فإذا ذكر عنده النبيّ اخضرّ واصفرّ ، ولقد اختلفتُ إليه زماناً فما كنتُ أراه إلاّ على ثلاث خصال : إمّا مصلِّياً، وإمّا قائماً، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيتُهُ يُحدِّث عن رسول الله إلاّ على الطّهارة، ولا يتكلّم فيما لا يعنيه » (50) . وهذا إمام خراسان يقول في الامام جعفر الصّادق (ع) : أنت يا جعفر فوق الـ *** ـمدح والمدح عناء إنّما الاشرافُ أرضٌ *** ولهم أنتَ سماء جازَ حدُّ المدحِ مَن قد *** وَلَدَتْــهُ الانبيــاء (51) وتحدّث الاُستاذ محمّد أبو زهرة شيخ الازهر عن الامام الصّادق في مقدّمة كتابه (الامام الصّادق) فقال : « أمّا بعد ، فإنّنا قد اعتزمنا بعون الله وتوفيقه أن نكتب عن الامام جعفر الصّادق، وقد كتبنا عن سبعة من الائمّة الكرام ، وما أخّرنا الكتابة عنه لأنّه دون أحدهم ، بل أنّ له فضلَ السّبعة على أكثرهم ، وله على الاكابر منهم فضلٌ خاص فقد كان أبو حنيفة يروي عنه ، ويراه أعلم الناس باختلاف الناس ، وأوسع الفقهاء إحاطة ، وكان الامام مالك يختلف إليه دارساً راوياً، وكان له فضل الاُستاذيّة على أبي حنيفة ومالك، فحسبه ذلك فضلاً ، ولا يمكن أن يؤخّر عن نقص ، ولا يقدّم غيره عليه عن فضل ، وهو فوق هذا حفيد عليّ زين العابدين (ع) الّذي كان سيِّد أهل المدينة في عصره فضلاً وشرفاً وديناً وعلماً ، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهري ، وكثيرون من التابعين وهو ابن محمّد الباقر الذي بقر العلم ووصل إلى لبابه ، فهو ممّن جمع الله تعالى له الشرف الذاتي والشرف الاضافي ، بكريم النّسب ، والقرابة الهاشمية والعترة المحمّدية»(52). هذا ما اتّسع له الموضوع من عرض وتعريف بمقام إمام المسلمين ، واُستاذ الفقهاء والمحدّثين ، وسليل النبوّة جعفر بن محمّد الصّادق (ع) . ولعلّ فيما عرضنا يجد القارئ الكريم تعريفاً هادياً يُعرِّفُه بشخصية هذا الامام الجليل ، والقدوة الفذّة ، فيتّجه نحو علومه ومعارفه ومآثره فتزيد معرفتُهُ بشخصية الامام الصّادق (ع) ، ويتّخذه قدوة وإماماً في العلم والعمل .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|