قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)
3 ـ مدرسة الامام الصّادق (عليه السلام) :
وكما عرفنا سابقاً فإنّ الامام جعفر بن محمّد (ع) هو اُستاذ العلماء وإمام الفقهاء ، وهو إمام عصره كما هو إمام العصور واُستاذ الاجيال . ولكن يجدر بنا ونحن نتحدّث عن مدرسة الامام الصّادق (ع) أن نوضِّح أنّ الامام الصّادق (ع) لم يكن مجتهداً ، ولا صاحب رأي اجتهادي ، بل كان مواصلاً لمسيرة الرسالة وحافظاً لآثار أهل البيت (ع) ، فمنها يَغترف وبها يُفتي المسـلمين ، وعليها يعتمد ، فكانت مدرسته ومنهجه امتداداً للسنّة النبويّة ، وكشفاً عن محتوى الوحي القرآني ، وإظهاراً لمضمونه . وقد نشأت في عهد الامام الصّادق (ع) فرقٌ ومذاهب فقهية واعتقادية كثيرة ، كان موقفه (ع) منها هو التسديد والحوار العلمي والنقد الشرعي النزيه . والّذي يُتابع منهج الامام ومهمّته العلمية ، يكتشف أنّ الامام كان يستهدف بعمله ومدرسته الأهداف الآتية : أوّلاً : حماية العقيدة من التيّارات العقائدية والفلسفية الالحادية والمقولات الضّالّة الّتي انتشرت في عصره ، كالزندقة والغلوّ،والتأويلات الاعتقادية الّتي لا تنسـجم وعقيدة التوحيد، والّتي نشأت كتيّار كوّنته الفرق الكلامية والمدارس الفلسفية الشاذّة، لذا انصبّت جهود الامام (ع) على الحفاظ على أصالة عقيدة التوحيد ونقاء مفهومها ، وإيضاح جزئياتها وتفسير مضامينها ، وتصحيح الافكار والمعتقدات في ضوئها . وقد درّب تلامـذته أمثال هشام بن الحكم على علم الكلام والجدل والمناظرة والفلسفة، ليقوموا بالدفاع عن عقيدة التوحيد وحمايتها من المعتقدات الضالّة، كمعتقد الجَبْر والتفويض والتجسيم والغلوّ وأمثالها من الآراء والمعتقدات الشاذّة عن عقيدة التوحيد . ومَن يقرأ آثارَ الامام ومناظراتِهِ وتوجيهاتِهِ وحوارَهُ يستطيع أن يكتشف هذه الحقيقة واضحة جلية، ويستطيع أن يدرك معنى التوحيد ، ويفهم أصالته ونقاءه ، وقد جاهد الامام الصّادق (ع) وناضل من أجل الدفاع عن عقيدة التوحيـد ضدّ الملاحدة والزنادقة ، كالديصاني وابن أبي العوجاء وأمثالهما ، كما جاهدَ الغُلاةَ الّذين حاولوا أن يتستّروا تحت اسم أهل البيت (ع) ويخلعوا عليهم صفات الربوبية والاُلوهية.وقد برئ الامام (ع) من هؤلاء الخارجين على عقيدة التوحيد ، كما برئ آباؤه منهم من قبل؛ فقد حدّثنا التاريخ والرواة عن هذه الآراء الضالّة ، وعن موقف الامام الصّادق (ع) منهم ما يزيدنا وضوحاً ومعرفة بتلك المقـالات الضالّة وببراءة أهل البيت (ع) منهم : عن سدير ، قال : « قلت لابي عبد الله (ع): إنّ قوماً يزعمون أنّكم آلهة ، يتلون بذلك علينا قرآناً : (وَهُوَ ا لَّذِي فِي السَّمَاءَ إِلهَ وَفِي الاَْرْضِ إِله(53)) فقال (ع): (يا سدير! سمعي وبصري وبَشَري ولحمي ودمي وشعري مِنْ هؤلاء بُراء ، وبرئٌ الله منهم ، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي، واللهِ لا يجمعني اللهُ وإيّاهم يوم القيامة إلاّ وهو ساخط عليهم) »(54). والجدير بالذكر هنا أن فرقاً كثيرةً حاولت أن تستغل اسم أهل البيت (ع) وتتستّر على عقائدها المنحرفة الخارجة على عقيدة الاسلام الّتي حمل أهل البيت (ع) وأتباعهم وتلامذتهم لواءها ودافعوا عن أصالتها ونقائها . وبحمد الله فقد انقرضت هذه الفرق الضّالّة ، ويمثِّلُ نهجَ آل البيت (ع) في الوقت الحاضر أتباعُهُم السّائرون على نهجِهم ، والمُلتَزِمون بعقيدة الحق ـ عقيدة التوحيد الخالص من كلِّ شائبة أو زيغ ـ كما بلّغها رسول الله (ص) وثبّتها الوحيُ الامين . ويكوِّن هؤلاءِ الاتباع مذهباً كبيراً من مذاهب المسلمين ينتشر في إيران والعراق ولبنان والجزيرة العربية وباكستان وأندونيسيا وأفغانستان والهند وفي مناطق كثيرة مِن العالم الاسلامي ، ويُدعى بالمذهب الجعفري نسبة إلى الامام جعفر الصّادق (ع)؛ فهم يَقتدون به وبالائمّة مِن آبائه وأبنائه ، ويُدعَون الامامية الاثني عشرية لاتّباعهم الذرّيّة الطّاهرة الاثني عشر إماماً من أهل بيت النبوّة (ع) . فمنهم يستقون آراءهم في التوحيد والفقه وسائر معارف الشريعة ، وبهم يقتدون . ويلتزم التابعون لمذهب أهل البيت (ع) ـ المذهب الجعفري ـ بهذا الخط الاسلامي الاصيل التزاماً كاملاً، ويتميّز هذا المذهب الاسلامي برفض بعض المصادر الاجتهادية الّتي عمل بها فقهاء المذاهب الاربعـة؛ كالقياس والاستحسان وسدّ الذرائع ... إلخ ، وهي مصادر غير متّفق عليها بين جميع المذاهب . ويعتبرونَ القرآنَ والسنّةَ المصدرين الاساسين للشريعة ، كما يُعطونَ العقلَ وإجماعَ الفقهاء دوراً ثانوياً في استنباط الاحكام،وعلى النحو الّذي يحقِّق الالتزام بالكتاب والسنّة ولا يخرج عليهما. كما يؤمن المذهب الجعفري بفتح باب الاجتهاد والاستنباط ، وقد ساهم علماء وفلاسفة وفقهاء الشـيعة الجعفريّون بإغناء الفكر الاسلامي وإثراء علوم الشريعة ومعارفها والدِّفاع عنها ، وقد صنّف المؤرّخ الاسلامي الكبير (آقا بزرك الطّهراني ) المتوفّى سنة (1389 هـ ) كتاباً يقع في خمسة وعشرين جزءاً يحوي (11573) صفحة من الحجم الكبير ضمّ فهرساً لاسماء الكتب الّتي كتبها وألّفها الشيعة الجعفرية في مُختلف العلوم والمعارف وسُمِّي الكتاب : ( الذريعة إلى تصانيف الشيعة ) ، ذكر فيه أسماء آلاف الكتب والمؤلّفات . وتُعتبر مدينة النجف الاشرف في العراق من أعظم المراكز العلمية وأقدمها في هذا الشأن ، فقد رحل إليها العالم الكبير (أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المتوفّى سنة 460 هـ ) أي قبل نحو (ألف سنة) ، وأسّس هناك الجامعة العلمية الّتي ما زالت قائمة تعتني بدراسات الشريعة ، وتُخرِّج الفقهاء والمجتهدين والفلاسفة وجهابذة العلم . كما توجد مراكز علمـيّة اُخرى في (قم) و (مشهد) في إيـران ، و (كربلاء) في العـراق ، ومدارس كثيرة في مناطق اُخرى من العالم الاسلامي . ثانياً : نشر الاسلام : أمّا الهدف الثاني لمدرسة الامام جعفر بن محمّد الصّادق (ع) وجهوده العلمية فهو نشر الاسلام ، وتوسيع دائرة الفقه والتشريع ، وتثبيت معالمها ، وحفظ أصالتها، إذ لم يُرْوَ عن أحد من الحديث ولم يُؤخذ عن إمام من الفقه والاحكام ما اُخِذَ عن الامام جعفر بن محمّد الصّادق (ع) . ولذا اعتبرت أحاديثه ، وفتاواه ، وما اُخذ عنه ، أساساً وقاعدة لاستنباط الفقه والاحكام لدى العلماء والفقهاء، والسائرين على نهجه، والملتزمين بمدرسته، والمنتسبين إلى مذهبه الّذي سُمِّي باسمه (المذهب الجعفري) . ومن المفيد هنا أن نشير إلى أنّ الاحاديث والروايات والاخبار الّتي رواها الامام الصّادق (ع) وبقيّة أئمّة أهل البيت (ع) عن رسول الله (ص) ، بالاضافة إلى ما صدر عن أئمّة أهل البيت (ع) من تفسير وفتاوى وبيان لاحكام القرآن والسنّة النبويّة ، قد جُمِعَت ورُتِّبَت في أربعة كتب أساسية ( تحوي 41263 حديثاً ) ، هي : 1 ـ الكافي : لابي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرّازي المتوفّى سنة (328 / 329 هـ ) ، وقد حوى هذا الكتاب (ستّة عشر ألفاً ومائة وتسعة وتسعين حديثاً ) . 2 ـ التهذيب : لابي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المتوفّى سنة (460 هـ ) ، وقد حوى (ثلاثة عشر ألفاً وخمس مئة وتسعين حديثاً ) . 3 ـ الاستبصار : للشيخ الطوسي أيضاً ، وقد حوى (خمسة آلاف وخمسمائة وأحد عشر حديثاً ) . 4 ـ مَن لا يحضره الفقيه : للشيخ الصّدوق المتوفّى سنة (381 هـ ) ، وقد حوى (خمسة آلاف وتسعمائة وثلاثة وستّين حديثاً ) . وقد أوضح علماء مدرسة أهل البيت (ع) (الشيعة) أنّهم لا يعتبرون كل ما ورد في هذه الكتب من الروايات والاخبـار صحيحاً ، بل يُخْضِـعونها للتحقيق العلمي ويسقطون الآلاف منها اعتماداً على منهجهم في دراسة الاحاديث وإثباتها ، فيدرسون رواة الاحاديث لمعرفة الثقة والضعيف، ويعرضونه على كتاب الله وسنّة رسوله الثابتة الصحـيحة عنه ، فكل حديث كان في رواته عيب من العيـوب المعـروفة في الرّواة لا يعترفون به ، وكذلك كل حديث خالف القرآن أو الثابت من السنّة النبويّة فإنّهم يضربون به عرض الحائط .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|