قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)
الواقفيّة
على مدى التاريخ الاسلامي ، وطوال قرونه الاُولى بدأ ظهورُ الفرق الكلاميّة والجماعات المختلفة من شتّى المذاهب والآراء . وكثير من هذه الفرق ادّعى الانتماء إلى أهل البيت (ع) والولاء لهم، وقالوا فيهم أقوالاً لا تُناسب مقامَهُم، ولا توافق عقيدتهم، حتّى بلغ الامر ببعض هذه الفرق الضالّة أن نسبوا إلى أهل البيت (ع) بعض صفات الخالق وغالوا بهم، فَسُمّوا بالغُلاة; وأهل البيت (ع) تبرأوا منهم، ورفضوهم ولعنوهم، وأعلنوا تكفيرَهُم . كما زعم فريق آخر من هذه الفرق الضالّة أنّ الله فوّض لاهل البيت (ع) أمرَ العباد من الرِّزق والموت والحياة ... إلخ ، فهم يدبّرون هذه الاُمور ، ويسيِّرون شؤون الخلق، وقد تبرّأ أهل البيت (ع) من اُولئك المفوّضة وأعلنوا ضلال هذه الآراء وانحرافها . وادّعت بعض الفرق في بعض الائمّة (ع) والشخصيات العلوية أنّهم لا يموتون ، وانّما رُفِعوا كما رُفِعَ عيسى بن مريم ، ومن هذه الفرق فرقة الواقفيّة الّذين نشأوا في عهد الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) بعد موت أبيه موسى بن جعفر الكاظم (ع) ، وملخّص عقيدة هذه الفرقة الضالّة : أنّ الامام موسى بن جعفر لم يَمُتْ بل رُفِعَ كما رُفِعَ عيسى بن مريم ، وأنّه هو المهدي ، وسيعود لعالم الدنيا مرّة اُخرى ولا يمكن أن يكون من بعده أي إمام ، ورفضوا إمامة الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) وخلافته لابيه (9) . ويحدِّثنا التاريخ انّ هذه الفرقة وأمثالها من الفرق الّتي ادّعت الانتساب إلى أهل البيت ، وصدّق البعضُ دعواها، واستغلّ الّذين في قلوبهم مرضٌ هذه الافكارَ والمفاهيم المنحرفة ، وراحوا ينشرونها ويشوِّهون وجه المنهج والطريقة الّتي سار عليها أهل البيت (ع) : مدّعين أنّ هذه العقائد والافكار والمبادئ هي مبادئ مدرسة أهل البيت وأتباعهم المخلصين ، وانطلت هذه الاباطيل على بعض من يجهل الحقيقة إلى يومنا هذا حتّى غدا بعضُ المُضلَّلين ينظر إلى المسلمين المُتعبِّدين وفق منهج أهل البيت (ع) وطريقتهم بمنظار هذه الفرق المُنحرفة الّتي ادّعت الانتماء إلى أهل البيت ، والّتي برئ أهل البيت (ع) وكلّ المسلمين السائرين على هديهم ـ هدي الشريعة ومنهجها الناصع ـ من تلك الاباطيل والخرافات ، وغدا هؤلاء المضلَّلون لا يميِّزون بين منهج أهل البيت (ع) ومدرستهم العقائدية والفقهية، وبين تلك الخرافات والاباطيل ، وقد استغلّ أعداءُ الاسلام ودوائرُ الطاغوت والاستعمار وعملاؤهم هذه الظواهر ، وراحوا يوسِّـعون الخلافَ وينشرون الفرقةَ بين المسلمين . والّذي يدرسُ تاريخَ هذه الفرق والظروفَ والدوافعَ الّتي تختفي وراء تكوّنها ويحلِّلُ تكوينَها الفكري والعقائدي يكتشفُ بوضوح عُنصرَ الزّيفِ والتضليلِ فيها ، والدّوافع المتستِّرة المشبوهة وراءها ، ويشخِّصُ بِيُسر وسهولة بُعدَها عن مدرسـة أهل البيت وعن منهجهم القرآني الاصيل ، وعن المسلمين المنتمين إلى هذه المدرسة، والمتعبِّدين وفق هذا المنهج، والسائرين على خطِّ أهل البيت القويم وهم الشيعة الامامية. ويتّضحُ موقفُ الامام من تلك الآراء والمذاهب بوضوح ، كما كان موقف الامام الصادق والكاظم (ع) من الغُلاةِ مِن قبلُ ، بقوله حين سُئل : «ما تقول في التفويض ؟ فقال : إنّ اللهَ تبارك وتعالى فوّض إلى نبيِّه (ص) أمرَ دينه ، فقال : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(10)، فأمّا الخلقُ والرِّزق فلا ، ثمّ قال : انّ الله عزّ وجلّ يقول : (خَالِقُ كُلِّ شَيْء ) (11) وهو يقول : (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ، هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (12) » (13) . وروى أبو هاشم الجعفري ، قال : «سألتُ أبا الحسن الرضا (ع) عن الغُلاة والمُفَوِّضة ، فقال: الغُلاة كفّار ، والمُفَوِّضة مشركون ، مَنْ جالَسَهُم أو خالَطَهُم أو آكلَهُم أو شارَبَهُم أو واصلَهُم أو زوّجَهُم ، أو تزوّجَ منهم أو آمَنَهُم أو ائتمَنَهُم على أمانة أو صَدَّقَ حديثَهُم ، أو أعانَهُم بِشَطرِ كلمة خرج من ولاية الله عزّ وجلّ ، وولاية رسول الله (ص) وولايتنا أهل البيت» (14) . وقد حدّثنا التاريخ وكشف لنا السبب الاعمق الّذي كان يكمن وراء أسطورة الفرقة الواقفيّة الّتي ادّعت أنّ الامام موسى بن جعفر (ع) لم يَمُتْ وأنّه حيٌّ ، شُبِّهَ للناس موتُهُ، وأنّه هو المهديّ، فانّ السّبب كان حبَّ المال والابقاء عليه، واتّخاذ هذا الاسلوب المحرّم وسيلة للاحتفاظ به . فقد ذكرت الروايات أنّ الامام موسى بن جعفر (ع) كانت تأتيه الامـوال من أتباعه وأنصاره ومحبّيه ، وكان بسبب ظروف المطاردة والمراقبة والتفتيش يَدّخِرُها عند بعض أصحابه لنشر الدعوة وإدارة شؤون عمله ونشاطه الاسلامي . وقد علّق الشيخ الصدوق على هذه الاحداث مفسِّراً لها وموضِّحاً تجمّع المال وادّخاره عند بعض مَن كانوا يُظهِرونَ الولاءَ للامام موسى بن جعفر (ع) ، قال : «لم يكن موسى بن جعفر (ع) ممّن يجمع المال، ولكنّه حصل في وقت الرشيد، وكَثُرَ أعداؤه، ولم يقدر على تفريق ما كان يجـتمع إلاّ على القليل ممّن يثق بهم في كتمان السّرّ ، فاجتمعت هذه الاموال لاجل ذلك ، وأرادَ أن لا يُحقِّقَ على نفسه قولَ مَن كان يسعى به إلى الرشيد ويقول : إنّه تُحمَلُ إليه الاموالُ ، ويعتقد له الامامة ويحمل على الخروج عليه ، ولولا ذلك لفرّق ما اجتمع من هذه الاموال ، على أنّها لم تكن أموال الفقراء ، وانّما كانت أموالاٌ يصلُ بها مواليه ليكونَ له إكراماً منهم له ، وبرّاً منهم به (ع) » (15) . وعندما استشهد الامام موسى بن جعفر (ع) استحكم بالبعض حبُّ المال وسيطر عليهم الطّمعُ ، وسَوَّلَ لهم الشّـيطانُ أنْ يبتدعوا بِدعتهم ، فقد جاءَ عن يونس بن عبد الرّحمن قال : «لمّا مات أبو الحسن (ع) ـ الامام الكاظم ـ وليس مِن قوّامه أحدٌ إلاّ وعنده المال الكثير ، فكان سببَ وَقْفِهِم وجُحودهم لموته ، وكان عند زياد القنديّ سبعون ألف دينار ، وعند عليّ بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار ، قال : فلمّا رأيتُ ذلكَ وتبيّن لي الحقُّ ، وعرفتُ مِن أمرِ أبي الحسن الرضا (ع) ما عرفت ، تكلّمتُ ودعوتُ الناسَ إليه ، قال: فبعثا إليَّ ، وقالا لي : ما يدعوكَ إلى هذا ؟ إنْ كنتَ تريدُ المالَ فنحنُ نُغنيك ، وضَمِنا لي عشرة آلاف دينار ، وقالا لي : كُفْ ، فأبيتُ ، فقلت لهما : إنّا روينا عن الصادقين (ع) أنّهما قالا : إذا ظهرتِ البدعُ فعلى العالِم أن يُظْهِرَ علمَهُ ، فإنْ لم يفعلْ سُلِبَ نورُ الايمان، وما كنتُ لأَِدَعَ الجهادَ في أمرِ اللهِ عزّ وجلّ على كلِّ حال، فناصباني وأظهرا لي العداوة» (16) . وقد كاتب الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) بعد شهادة أبيه الكاظم (ع) بعض هؤلاء فلم يستجيبوا لرسالته ، والقارِئ والملاحِظ للردّ يستطيع أنْ يكتَشِفَ بوضوح الطبيعةَ المستترة وراء هذه الاجوبة من العصيان وتصنيعِ الاعذار والطّمعِ بالمال (17). وللامام الرضا (ع) رأي واضح بهم وبزعمائهم ، فعن إبراهيم بن أبي يحيى بن أبي البلاد ، قال : قال الرضا (ع) : «ما فعل الشّقيُّ حمزةُ بن بزيع ، قلت : هُو َذا هو قد قدم ، فقال : يزعمُ أنّ أبي حيٌّ ، هُمُ اليوم شُكّاكٌ ، ولا يموتون غداً إلاّ على الزندقة ، قال صفوان: فقلت فيما بيني وبين نفسي : شُكّاك قد عرفتُهُم، فكيف يموتون على الزندقة ؟، فما لَبِثنا إلاّ قليلاً حتّى بَلَغَنا عن رجل منهم أنّه قال عند موته : هو كافرٌ بربٍّ أماتَهُ ، قال صفوان : فقلت هذا تصديق الحديث» (18) . وفي إحدى رسائل الامام للبزنطي ، يكشف لنا عن واقع دعوة هؤلاء ودوافعها ، فقد جاء في الرسالة : «أمّا ابن السراج ، فإنّ ما دعاهُ إلى مخالفتنا ، والخروجِ مِن أمرنا أنّه عدا على مال لابي الحسن ـ موسى بن جعفر ـ عظيم فاقتطعه في حياة أبي الحسن (ع) ، وكابَرَني عليه ، وأبى أنْ يدفعه ، والناس كلّهم مسلمون مجتمعون على تسليمهم الاشياء كلّها إليَّ ، فلمّا حدث ما حدث من هلاك أبي الحسن (ع) ، اغتنمَ فِراقَ عليّ بن أبي حمزة وأصحابَهُ إيّاي ، وتعلّلَ ، ولَعَمْري ما به مِن علّة إلاّ اقتطاعه المالَ ، وذهابه به . وأمّا ابن أبي حمزة فإنّه رجل تأوّل تأويلاً لم يُحسِنْهُ ، ولم يؤتَ علمَهُ ، فألقاه إلى الناس فَلُجَّ فيه، وكَرِهَ إكذابَ نفسه في إبطال قوله، بأحاديث تأوّلها ولم يحسن تأويلها، ولم يؤت علمها ، ورأى أنّه إذا لم يصدق آبائي بذلك لم يدر لعلّ ما خبرَ عنه مثل السفياني وغيره أنّه كان ، لا يكون منه شيء وقال لهم : ليس يسقط قول آبائي شيء، ولكنّه قصُرَ علمُهُ عن غاياتِ ذلك وحقائقه ، فصارَ فتنةً أو شبهةً عليه ، وفرّ من أمر فوقع فيه» (19) . وهكذا يتّضح أنّ الطّمعَ بالمال ، وخُبثَ السّريرة الّذي انطوت عليه هذه النفوس ، وضعفَ العقيدة ، واضطرابَ الافكار، وتزلزلَ الايمان في نفوسهم، هو السبب الاعمق خلف هذه الدعاوى والآراء . يذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد / ج 7 / ص 252 ، عن زياد القـندي ما يدلّ على أنّ الرّجل عُرِفَ بالخيانة في الاموال ، فقد قال إنّ الخليفة هارون الرشيد قد ولّى أبا وكيع الجرّاح بن مليح بيتَ المال ، فاستخلفَ زياداً القندي ـ وكان زياد شيعيّاً من الغالية ـ فاختانَ هو وجماعة من الكتّاب ، واقتطعوا من بيت المال ، وصحّ ذلك عند الرشيد ، فأمر بقطع يد زياد ، فقال : يا أمير المؤمنين ! لا يجب عليَّ قطع اليد إنّما أنا مؤتمنٌ ، وإنّما أنا خُنتُ ، فكفَّ عن قطع يده (20) . ومِنَ الغريب أنّ مثل هذه العقائد ، ومثل هذه الفرق يعتبرها البعض أنّها من فرق الشيعة ، شيعة أهل البيت ، وهم قد خرجوا على أئمّة أهل البيت (ع) وعلى عقيدتهم القرآنية الناصعة ، وكان موقف الائمّة وأتباعهم واضحاً كل الوضوح من هؤلاء وأمثالهم من الفرق والطوائف . وقد نقلنا جانباً من أقوال الامام الرضا (ع) فيهم ، فلا بدّ من الفصل بين هؤلاء(21) وبين منهج الهدى الّذي دعا إليه أهل البيت (ع) ، والّذي سار وما زال يسير عليه أتباعهم في العقيدة وفي التشريع والتفكير .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|