قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)
أخلاقه وأدبه
الامام مَن يُقتدى بسلوكه ويُؤتَمُّ بقوله وعمله ، ولا يكون المتصدِّي للامامة إماماً ورئيساً وقدوة للمسلمين حتّى يروا منه صدق العمل والالتزام بالمبادئ والقيم الّتي يدعو إليها ، ولقد ثبّت القرآنُ أهميّة التطبيق وقيمةَ العمل بقوله : (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهَ وَالمُؤمِنُونَ ) . ( التّوبة / 105 ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُـولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ) .( الصف / 2 ، 3 ) إنّ القائد والامام الّذي يدعو إلى مبادئ وقيم مثالية مِنَ الصِّدق والاخلاص والتواضع وحبّ الانسانيّة والدعوة إلى الخير والاصلاح ثمّ لا يجسِّد هذه الدعوةَ في سلوكه ، ولا يلتزم بالمبادئ الّتي يدعو إليها ، يكتشفُ الناس زيفَ دعوته والمفارقةَ بين قوله وعمله ، فتكون سبباً لتوهين شخصيّته وسقوط مكانته وعدم قناعة الناس به . فالناسُ يُدركون سهولةَ القول ويُسرَ الادّعاء وطرحَ الشعارات والنظريات ، ويعلمون أن ليس بوسعهم أن يكتشفوا الحقيقة كاملة من خلال الشعارات والنظريات والاقوال ، بل إنّ المحك والمقياس في هذه الحالة هو العمل والتطبيق والالتزام ، فمتى ما صدقَ القائدُ بقوله ، وطبّقَ صاحبُ النظرية والدعوة والشعار مبادِئَهُ وقيَمَهُ الّتي يدعو إليها صدّقهُ الناسُ ، وأصبحَ قدوةً ومثلاً أعلى للآخرين . وها هو الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) في أخلاقه العملية وسلوكه الخلقي الرّفيع يصوِّر لنا جانباً من عظمة أهل البيت (ع) ويحكي لنا حقيقة هذه الشخصيّات الرِّسالية القدوة الّتي ما عرفت يوماً الانفصام بين القول والعمل . بل كان عملهم يسبق أقوالهم ويترجم محتوى شخصيّاتهم ، فهو كما يحدِّثنا عنه معاصروه وأصحابه مثلُ أعلى في الصِّدق والصّبر والتواضع والحلم والعفو عن المسيء ، وهكذا يكون القائد والامام مُعَلِّماً بسيرته وهادياً بسلوكه ، يجسِّد إنسانِيّتَهُ العالية وأخلاقيّتَهُ النّبيلة من خلال المواقف والممارسات . فها هو إبراهيم بن العباس الصولي يصفُ لنا جانباً من أدبِ الامام وحُسنِ خُلقه وجميلِ معاشرته وسموّ انسانيته وأدب محادثته وحُسن استماعه ، قال : «ما رأيتُ أبا الحسن جفا أحداً بكلمة قطّ ، ولا رأيُتُه قطعَ على أحد كلامَهُ حتّى يفرغَ منه ، وما ردّ أحداً عن حاجة يقدرُ عليها ، ولا مدّ رِجلَهُ بين يَدَي جليس له قطّ ، ولا اتّكأ بين يَدَي جليس له قطّ ، ولا رأيتُهُ شَتَمَ أحداً من مواليه ومماليكه قطّ ، ولا رأيتُهُ تَفَلَ قطّ ، ولا رأيتُهُ يُقهقِهُ في ضحكه قطّ ، بل كان ضحكُهُ التبسّم» (28) . وتتجسّد أخلاقه وإنسانيته في تعامله مع الفقراء والخدم والعبيد والمساكين ، فلا ينظر إليهم إلاّ بعين الاُخـوّة في الله ووحدة النوع الانساني ، ولا يفاضل بين نفسـه وغيره إلاّ بالتقوى، فها هو يَنصبُ مائدةَ الطّعام وهو متّجهٌ إلى خراسان ليتسلّمَ ولايةَ عهد المسلمين ، ويتسلّمَ رئاسة الدولة الاسلامية الكُبرى ، فترى الحُبَّ والتواضُعَ وطيبَ المعاشرة تطوف حول المائدة وتعمُّ أجواءَ الاجتماع ، يحدِّثنا عن ذلك بعض مرافقيه فيقول : «كنتُ مع الرضا (ع) في سفره إلى خراسان ، فدعا يوماً بمائدة له ، فَجمعَ عليها مواليه مِنَ السّودان وغيرهم ، فقلتُ : جُعِلتُ فِداكَ لو عزلتَ لهؤلاء مائدةٌ، فقال: مَه ، إنّ الرّبَّ تباركَ وتعالى واحدٌ ، والاُمَّ واحدةٌ ، والابَ واحدٌ ، والجزاءُ بالاعمال» (29) . وترى رفقه واحترامه للانسانية ، ولمشاعر الانسان يتجسّد في تعامل آخر مع خدمه وغلمانه ، يقول نادر الخادم : «كان أبو الحسن إذا أكل أحدنا لا يستخدمه حتّى يفرغ من طعامه» (30) . ونقل هذه الخصلة النّبيلة عن الامام أيضاً ياسر الخادم ونادر الخادم ، فقالا : «قال لنا أبو الحسن : إنْ أقمتُ على رؤوسكم وأنتم تأكلون ، فلا تقوموا حتّى تفرغوا ، ولربّما دعا بعضنا ، فيقال له : هم يأكلون ، فيقول : دَعْهُم حتّى يفرغوا» (31) . «وكان (ع) إذا خلا جمع حشمَهُ كلّهم عنده ، الصغير والكبير ، فيحدِّثهم ويأنسُ بهم ويؤنسهم، وكان (ع) إذا جلس على المائدة لا يدع صغيراً ولا كبيراً حتّى السائِسَ والحجّامَ إلاّ أقعدَهُ معهُ على مائدته» (32) . وهكذا نجد احترامَ الانسانيّة وحُسنَ المُعاشرة والتواضُعَ لله سبحانه ظاهرةً بارزةً في حياة أهل البيت (ع)، وهي من أبرز الاُسس والقواعد الّتي يقوم عليها نظام الاُسرة والمجتمع والحياة ، فهي مصدر الحبّ والتماسك والترابط بين الناس . وأهل البيت (ع) ينطلقون في أخلاقهم وعلاقاتهم وسلوكهم من اُسس ومنطلقات عقائدية يلتزمون بها ويسحبونها على كل جوانب حياتهم وعلاقاتهم . فتواضعهم وحُسن معاشرتهم واحترامهم للانسانيّة وتثبيتهم لهذه المبادئ إنّما هو قائم على أساس قرآني ، ومبدأ عقائدي متين . والحادثة الّتي رواها أبو عبدالله محمّد بن موسى بن نصر الرازي عن أبيه تؤكِّد هذه الحقيقة وتوضِّحها ، تؤكِّد تواضع الامام واعتزازه بالقيم والمبادئ والموازين الشّرعية واتّخاذها أساساً ومنطلقاً للمفاضلة والتقييم بين البشر ، فلا المال ولا الجاه ولا النّسب ولا السّلطة ولا غيرها من الاعتبارات يمكن أن ترفعَ الانسانَ وتفضِّله على غيره في نظر الاسلام ، بل هناك مقاييس وقيم وموازين اُخرى يثبّتها القرآن ويرفض الامام أن يراه أحد مفضّلاً ومتقدِّماً بغيرها ، فهي مبادئه الّتي يدعو إليها ، وقيمه الّتي يجاهد من أجلها . لذلك نجده يقول لرجل قال له : «والله ما على وجه الارض أشرفُ منك أباً ، فقال له : التقوى شَرَفُهُم وطاعةُ الله أحظتهم ، فقال له آخر : أنتَ والله خيرُ الناس ، فقال له : لا تحلف يا هذا ، خيرٌ منِّي مَنْ كان أتقى لله تعالى وأطوَع له ، والله ما نُسِخَتْ هذه الاية : (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ) (33) »(34). وأكّد هذه القيمة الاخلاقيّة والانسـانيّة الكُبرى الّتي نادى بها الاسلام ، وهي قيمة الاُخوّة الانسانية واحترام الانسان ورعاية حقوقه وكرامته في موقف آخر حين قال لبعض جلسائه: «حَلفتُ بالعتقِ ألاّ أحلِفَ بالعتقِ إلاّ أعتقْتُ رقبةً، وأعتقتُ بعدها جميعَ ما أملكُ إنْ كان يرى أنِّي خيرٌ مِن هذا (وأومأ إلى عبد أسود مِن غلمانه) بقرابتي من رسول الله (ص) إلاّ أن يكون لي عمل صالح ، فأكونَ أفضلَ به منه» (35) . تلك أخلاق أهل البيت (ع)، أئمّة المسلمين وقادتهم ، وهذا منهجهم وتلك أخلاقهم العملية في التعامل والعلاقات والنظرة إلى الانسان . وممّا يتداعى إلى الذهن في هذا المورد من الحديث : أنّ محنة الانسانية اليوم هي الشعور بالاستعلاء والمفاهيم العنصرية والطبقية واحتقار الانسان والاستهانة بقيمته وكرامته ، هذه المفاهيم الّتي أفرزتها الحضارة المادّية الجاهلية المعاصرة ، وليس أمام الانسان من سبيل للحصول على كرامته وإنسانيته وتحقيق مبادئ العدل والمساواة إلاّ في ظل المنهج والنظام الاسلامي العظيم ، والاقتداء بسلوك اُولئك العظام من أئمّة الهُدى ، ودعاةِ العدل والمساواة وروّادِ الاصلاح والاُخوّة في الله والانسانية .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|