سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)


عبادته

إنّ جوهر العـبادة هو الاخلاص لله سبحانه وتوجّه النفس إليه ، وفناء (الانا) وما فيها من رغبة وحب وشهوة ونوازع في ذات الله؛ فالمتعبِّد المخلص لا تنازعُهُ نفسُهُ في معصية، ولا تكون في موقف مواجه للارادة والمشيئة الالهيّة ، فهي اختيارٌ دائم لارادة الله ، وتطابُقٌ مُخلصٌ معها ، وشوقٌ مستمرٌّ للذوبان والفناء فيها ، وسعيٌ متواصل للقرب من الله سبحانه وفعل الخير المحبوب لديه .
وأهل البيت بما مَنَّ الله عليهم من علم ومعرفة بالله سبحانه وبعظمته كانوا أكثر الناس بعد رسول الله (ص) حبّاً لله ، وشوقاً إليه ، وإخلاصاً له ، وسعياً لمرضاته ، تارة بالكفاح والتضحية والجهاد، واُخرى بأداء الفرائض والسنن والطاعات، وثالثة بالكفِّ والورع عن محارِم الله والشّبهاتِ الّتي قد تقودُ للوقوع في معصية .
وهذا سليل أهل البيت (ع) وإمام المسلمين عليّ بن موسى الرضا (ع) يُحدِّثنا الرّواةُ عنه أنّه كان أعبدَ أهل زمانه وأكثرهم ورعاً وتقوىً ، حتّى أنّ خصومه ومناوئيه كانوا يعترفون له بذلك ولا يستطيعون إخفاءَ هذه الصفة العظيمة فيه ، فهذا المأمونُ العباسي يشهدُ بنصِّ ميثاق البيعة له : « ... محبّةً أنْ يلقَى اللهَ سبحانَهُ وتعالى مُناصِحاً له في دينِهِ وعبادِهِ ، ومختاراً لولايةِ عهدِهِ ورعايَةِ الاُمّة من بعدِهِ أفضلَ مَنْ يقدرُ عليه في دينه وورعِهِ وعلمِهِ ، وأرجاهم للقيام بأمر الله تعالى وحقِّهِ ، ... عليّ بن موسى الرضا (ع) ، لِما رأى مِن فضلِهِ البارع وعلمهِ الذّائِع ، وورعِهِ الظّاهر الشّائع ، وزهدِهِ الخالص النافع وتخلّيه عن الدُّنيا ، وتفرّدِهِ عن الناس ، وقد استبانَ له ما لم تزل الاخبار عليه مطبقة ، والالسن عليه متّفقة ، والكلمة فيه جامعة ، والاخبار واسعة ، ولِما لم نَزَلْ نعرفُهُ به مِنَ الفضلِ يافعاً وناشئاً وحدثاً وكهلاً ، فلذلك عقدَ له بالعهدِ والخلافةِ مِن بعدِه»(36) .
هذا الامام الرضا (ع) على لسان المأمون ، وحقّاً كان كذلك ، فقد كان مثالاً في العبادة وملازمة كتاب الله والتمسُّك به وتدبّر معانيه ، حتّى قيلَ فيه : كلامه وجوابه وتمثّله انتزاع مِنَ القرآن ، وكان يختمه في ثلاثة ويقول : «لو أردتُ أن أختِمُهُ في أقرب مِن ثلاثة لختمتُ ، ولكنِّي ما مررتُ بآية قطّ إلاّ فكّرتُ فيها ، وفي أيّ شيء اُنزِلَت ؟ وفي أيّ وقت ؟ فلذلك صرتُ أختمُ في كلِّ ثلاثةِ أيّام»(37) .
ووصفَ رجاءُ بن أبي الضحّاك ، الّذي رافقَ الامامَ طولَ سفره من المدينة إلى مَرْو ، عبادةَ الامام وتقواه فقال : «فكنتُ معه من المدينة إلى مرو ، فوَالله ما رأيتُ رجلاً كانَ أتقى للهِِ تعالى منه ، ولا أكثرَ ذكراً لله في جميع أوقاته منه ، ولا أشدَّ خوفاً للهِِ عزّ وجلّ منه ، وكان إذا أصبحَ صلّى الغداةَ ، فإذا سلّمَ جلسَ في مصلاّه يُسبِّح اللهَ ويَحمَدُهُ ويكبِّرُهُ ويهلِّلُهُ ويصلِّي على النّبيّ (ص) حتّى تطلع الشّمس ، ثمّ يسجد سجدة يبقى فيها حتّى يتعالى النهار، ثمّ أقبل على الناس يحدِّثهم ويَعِظُهم إلى قرب الزّوال»(38).
والاخلاصُ في العبادةِ وتعبيدُ النّفس لله سبحانه وإشعارُها بالعبوديّة له وحده هي الغاية مِنَ العبادة ، لذلك نجد الامام الرضا (ع) حريصاً على أنْ لا يُعينَهُ أحدٌ على تهيئةِ مستلزماتِ العبادةِ ، ليشعر نفسه بخالص العبودية لله سبحانه ، وليربِّي الآخرين عليها .
روى الوشّاء ، فقال : « دخلتُ على عليّ بن موسى الرضا (ع) وبين يديه إبريقٌ يريدُ أن يتهـيّأ منه للصّـلاة ، فدنوتُ منه لاصبّ عليه ، فأبى ذلك ، وقال : مَهْ يا حسن ! فقلت له : لِمَ تنهاني أنْ أصبَّ على يدك ، تكرهُ أنْ أؤجَرَ ؟ قال : تؤجر أنتَ وأؤزر أنا ، فقلتُ له : وكيفَ ذلك ؟ فقال : أما سمعتَ اللهَ عزّ وجلّ يقول : (فَمَن كانَ يَرجو لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعْمَل عَمَلاً صالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعبادَةِ رَبِّهِ أحَداً ) ، وها أنا ذا أتوضَّأُ للصّلاة وهي العبادة ، فأكره أن يشركني فيها أحد (39)» (40) .
أمّا اللّيلُ فكان محرابَهُ وسبحَهُ الطّويلَ، ومأوى مناجاته، ومجلسَ ذكره وضراعَتَهُ، لذا نجد الّذين عايشوهُ يصفون عبادتَهُ وتهجّدَهُ في جوفِ اللّيل ، وعند هجعةِ العيون ، وصمتِ الناطقين ، فكان يقومُ للهِِ في عبادِ الرّحمن الّذين يبيتون لربِّهم سُجّداً وقياماً .
فقد ورد في وصف عبادته وارتباطه بالله سبحانه : «وكان يُكثرُ باللّيل في فراشه مِن تلاوةِ القرآن ، فإذا مرّ بآية فيها ذِكْرُ جنّة أو نار بكى ، وسأل الله الجنّة ، وتعوّذ به مِن النار» (41) .
وتحدّث راو آخرُ عاصر الامام الرضا (ع) ، هو إبراهيم بن العباس الصولي قال واصفاً الامام (ع) : «وكانَ قليلَ النومِ باللّيل ، كثيرَ السَّهَر ، يُحيي أكثرَ لياليه من أوّلها إلى الصّبح ، وكان كثيرَ الصِّـيام ، فلا يفوتُهُ صيامُ ثلاثة أيّام في الشهر ، ويقول : ذلك صوم الدّهر ، وكان كثيرَ المعروف والصّدقة في السِّرِّ وأكثر ذلك يكون منه في اللّيالي المظلمة ، فمن زعمَ أنّه رأى مثلَهُ في فضلِهِ فلا تُصدِّق» (42) .
ووصف في موارد اُخرى وهو يتضرّع في محراب العبادة، ويُناجي في هجعة العيون: «فإذا كان الثّلثُ الاخيرُ مِنَ اللّـيلِ قامَ مِن فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار فاستاك ثمّ توضّأ ثمّ قام إلى صلاة اللّيل ، فصلّى ثماني ركعات ويسلِّم في كلِّ ركعتين ، يقرأ في الاوّليين منها في كلِّ ركعة الحمدَ مرّةً ، وقُلْ هو الله أحد ثلاثين مرّة ، ويصلِّي صلاة جعفر بن أبي طالب (ع) أربع ركعات ، يسلِّم في كلِّ ركعتين ويقنت في كلِّ ركعتين في الثانية قبل الرّكوع وبعد التسبيح ويحتسب بها من صلاة اللّيل ثمّ يصلِّي الركعتين الباقيتين يقرأُ في الاُولى الحمدَ وسورةَ الملك ، وفي الثانية الحمدَ وهل أتى على الانسان .
ثمّ يقوم فيصلّي ركعتي الشفع يقرأُ في كلِّ ركعة منهما الحمد مرّة ، وقُلْ هو الله أحد ثلاث مرّات ، ويقنتُ في الثانية ثمّ يقوم فيصلِّي الوترَ ، ركعةً يقرأُ فيها الحمدَ وقُلْ هو الله أحد ثلاث مرّات وقُلْ أعوذ بربِّ الفلق مرّة واحدة ، وقُلْ أعوذ بربِّ الناس مرّة واحدة ، ويقنتُ فيها قبل الرّكـوع وبعد القراءة ، ويقول في قنـوته : اللّهمّ صلِّ على محمّد وآلِ محمّد ، اللّهمّ اهدِنا فيمَنْ هَدَيْتَ ، وعافِنا فيمَنْ عافَيْتَ ، وتولّنا فيمَنْ تولّيْتَ ، وبارِكْ لنا فيما أعطَيْتَ ، وقِنا شَرَّ ما قَضَيْتَ ، فإنّكَ تَقضي ولا يُقضى عليك ، إنّه لا يذلُّ مَنْ والَيْتَ ، ولا يعزُّ مَنْ عادَيْتَ ، تباركتَ ربّنا وتعالَيْت .
ثمّ يقول : أستغفرُ اللهَ وأسألُهُ التوبةَ سبعين مرّة ، فإذا سلّم جلس في التعقيب ما شاء الله .
فإذا قربَ مِنَ الفجر قام فصلّى ركعتي الفجر ، يقرأ في الاُولى الحمدَ وقُلْ يا أيُّها الكافرون ، وفي الثانية الحمدَ وقُلْ هوَ الله أحد ، فإذا طلعَ الفجر أذّن وأقام وصلّى الغداةَ ركعتين ، فإذا سلّم جلس في التعقيب حتّى تطلعَ الشّمس، ثمّ سجدَ سجدتي الشّكر حتّى يتعالى النهار» (43) .
وهكذا نجد الامام قدِّيساً مشوقاً لله سبحانه ربّانيّاً لا يفتَأُ بذكرِ الرّبِّ الرّحيم ، ويحكم علاقتَهُ به ، ويواصِلُ فناءَه في حبِّه ، ويشعُّ على مساحاتِ تاريخ الاجيال الموحِّدة ذلك الاشعاعَ الرّوحيَّ ويفيضُ عليها هذا العبقَ الرّبّانيّ ، فيشدّها إلى الله ، ويُحْكِمُ علاقَتَها بالرّبِّ الرّحيم ، فتجدُ سعادَتَها في قُربِهِ ، وتَستَشِفُّ قيمةَ وجودِها من خلالِ العلاقة به ، والسّيرِ في دربِ السّالكين إليه .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com