سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)


عالِمُ آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)

«هذا أخوكم عليُّ بنُ موسى عالِمُ آل محمّد، فَسَلوهُ عن أديانِكُم واحفظوا ما يقول لكم» (44) .
إنّ من أبرز صفات الامام (ع) وخصائص الامامة في الاسلام هي صفةُ العلمِ والمعرفةِ ، العلمِ باللهِ سبحانه وبصفاتِهِ وأفعالِهِ ، ومعرفةِ عقيدة التوحيد وما يرتبطُ بها وما يتفرّعُ عنها وما يُبْتَنى عليها من مفاهيم ومعتقدات ومعارفَ ، والعلمِ بأحكام الاسلام وقوانينه وشرائعِهِ ، والعلمِ بكتابِ الله وسنّة نبيِّه ، والعلمِ بأوضاعِ الحياة وشؤونِ السياسة والقيادة وتنظيم حياة المجتمع، ولهذا أشار القرآن الحكيم بقوله :
(فَاسْأَ لُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (45) .
(وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَْميْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِيْ الاَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ا لَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )(46) .
ووصف الامامُ عليُّ بنُ موسى الرضا (ع) الامامَ وما يجبُ أن يتوفّر فيه من صفة العلم والمعرفة فقال : «الامام يحلِّلُ حلالَ الله ويُحرِّمُ حرامَهُ ، ويُقيمُ حدودَ الله ، ويَذبُّ عن دينِ الله ، ويدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والحجّة البالغة» (47) .
«الامامُ عالِمٌ لا يَجْهَلُ ، وراع لا يَمْكُر» (48) .
«نامي العلم، كاملُ الحِلْم، مُضطلِعٌ بالامر ، عالِمٌ بالسياسة ، مُستحقٌّ للرِّئاسة» (49) .
«إنّ الامـامُ زمامُ الدِّين ، ونظامُ المسـلمين ، وصلاحُ الدُّنيا ، وعزُّ المؤمنـين ، الامام اُسُّ الاسلام النامي وفرعُهُ السّامي ، بالامـام تمامُ الصّلاة والزّكاة والصِّيام والحجّ والجهاد وتوفير الفيء والصّدقات ، وإمضاء الحدود والاحكام ، ومنع الثغور والاطراف»(50) .
فمسؤوليّةُ الامام في الاسلام مسؤوليّةٌ كُبرى يتوقّفُ عليها حفظُ الاسلام ، وحمايةُ شريعتِهِ وعقيدتِهِ ومبادئِهِ من التحريف والتزييف والدفاع عنها ، لتقفَ بوجهِ المبادئ والعقائدِ الضّالّة المنحرفة ، وعليه تقعُ مسؤوليةُ بيانِ أحكام الشريعة وكشفِ محتواها ومضمونها الفكري والتشريعي .
فالامام مسؤولٌ عن تربية الاُمّة وقيادتها في طريق الهُدى والرّشاد ، ومسؤولٌ عن تشخيص القوانين والنظم والمفاهيم الاسلامية وبيانها وتطبيقها ، فما لم يكنِ الامام عالماً بالشريعة ، مُحيطاً بأوضاع المجتمع ، خبيراً بشؤون السياسة والامـامة ، فليس بوسعِهِ أنْ يُربِّي الاُمّة على الاسلام، وأنْ يقودَها في طريق الهُدى ، أو أنْ يُطبِّق أحكام الشريعة وقوانينها ، أو يتمكن من إقامة المجتمع والدولة الاسلامية .
لقد كان أئمّة الهُدى مِن أهل بيت النبوّة (ع) هم وعاءَ العلم ، ومُستوْدَعَ الشّريعة ، ومنارَ المعرفة ، وأهلَ الذِّكر الّذين عناهم الله بقوله :
(فَاسْأَ لُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (51).
وهم الاُمناءُ على التّنزيل والتّأويل ، وسنّةِ رسول الله (ص) وميراثِ النبوّة ، والمؤهّلون للكشف عن مضامين الكتاب ، وترجمة محتواه من أحكام وقوانين وقيم ومعارف ومفاهيم ، وإلى هذا المعنى أشارَ الحديثُ الشريفُ ، حديثُ الثّقلين : «إنِّي تارِكٌ فيكم الثّقلين ما إن تمسّكْتُمْ بهِ لن تَضِلّوا بعدي ، أحدهما أعظم مِنَ الآخر ، كتابُ الله عزّ وجلّ حبلٌ ممدودٌ من السّماءِ إلى الارضِ ، وعترتي أهلُ بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تَلحَقون بي فيهما» (52). أخرجه الترمذي.
«إنِّي أوشكُ أنْ اُدعى فَأُجيبَ ، وإنِّي تارِكٌ فيكم الثّقلين كتابَ الله وعترتي ، كتاب الله حبلٌ ممدودٌ مِنَ السّماءِ إلى الارضِ، وعترتي أهل بيتي، وإنَّ اللّطيفَ الخبيرَ أخبرني أنّهما لَنْ يفترقا حتّى يَرِدا عليَّ الحوضَ ، فانظروا فيما تفخْلِفوني فيهما» (53) .
«نحنُ أهلُ بيت لا يُقاسُ بنا أحد» (54) .
وهكذا يقرن رسول الله (ص) بين القرآن الحكيم وبين أهل بيت النبوّة ويجعل من وجودهم الامتدادَ الطّبيعي لسُنَّتِهِ ومَسيرَتِهِ الرِّساليّة النيِّرة ، وأنّهم الامانُ من الضّلال والانحراف ، فهُم الناطقُ الامـينُ بروحِ الكـتابِ ، والمترجمُ الخبيرُ لِمَضمونه
ومُحتواه : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) .
والامام عليّ بن موسى الرضا (ع) هو واحد من أئمّة أهل البيت (ع) الّذين عناهم الحديث الشريف ، ودعا إلى التمسُّك بهم والالتزام بإمامتهم .
لقد شهد العلماءُ والفقهاءُ والحكماءُ بِسِعَةِ علمِهِ وإحاطَتِهِ بمحتوى الكتاب المجيد وأسرارِهِ ومعارِفِهِ ، وشمولِ معرفة الامـام لكليات الشريعة وجزئياتها ، وقد شهدَ علماءُ عصرِهِ مِن فقهاء وحكماء ومتصوِّفة ومتكلِّمين إسلاميين ، ومن زنادقة وغُلاة وملاحدة بغزارة علمه ، وقوّةِ حجّته وتَفَوُّقِ بيانه على خصـوم الاسلام في مجالس المُنـاظرة والافتاء والحوار والمحاجّـة ، حتّى أنّ محمّد بن عيسى اليقطـيني قال : «لمّا اختلفَ الناسُ في أمر أبي الحسن الرضا (ع) جمعتُ مِن مسائلِهِ ، ممّا سُئِلَ عنه وأجابَ خمسة عشر ألف مسألة» (55) .
إنّ علومَ الامام ومعارفَهُ لهي ميراثُ النبوّة وهِبةُ الله يُلقاها فَتَتَكَشَّفُ لهُ المعارِفُ ، وتستبينُ له الحقائقُ ، وتتّضحُ له العلومُ ، فكمالُ العلم والمعرفة ، وكمالُ الذّات ، هما السّببُ والمُبرِّرُ للامامِة والولايةِ والقيادةِ السّياسيةِ الّتي جعلتْ أهلَ البيت يتفوّقونَ ويُقدّمون على مَنْ سواهم .
وقد حازَ الامامُ عليّ بن موسى الرضا (ع) كلّ هذه الصِّفات ، فاستحقَّ أنْ يكونَ الامامَ ووليَّ الامر والمرجعَ لعلماء الاُمّة وقادة الفكر وأساطين المعرفة .
وأشار الامام موسى بن جعفر (ع) إلى مقام ولده الرضا وتفوّق علمه واستحقاقه الامامة بقوله لاحد أصحابه وهو عليّ بن يقطين ، الذي قال : «قال لي موسى بن جعفر (ع) ابتداءً منه: هذا أفقهُ ولدي، وأشار بيدِهِ إلى الرضا (ع)- قد نَحَلْتَهُ كُنيَتي»(56) .
ونقل ابن الصّبّاغ المالكي ، قال إبراهيم بن العباس : «سمعتُ العباسَ يقول : ما سُئِلَ الرضا (ع) عن شيء إلاّ عَلمَهُ ، ولا رأيتُ أعلمَ منه بما كان في الزّمان إلى وقت عصره ، وكان المأمونُ يمتحِنُهُ بالسّؤالِ عن كلِّ شيء فَيُجيبُهُ الجوابَ الشّافي» (57) .
وذكر العلاّمة سبط ابن الجوزي وصفاً للامام الرضا (ع) منقولاً عن الواقدي قال : «وكان ثقة يفتي بمسجد رسول الله (ص) وهو ابنُ نَيِّف وعشرين سنة» (58) .
وذكر ابن الجوزي أيضاً: «ذكر عبدالله بن أحمد المقدسي في كتاب (أنساب القريشيين) نسخةً يرويها عليّ بن موسى الرضا (ع) عن أبيه موسى عن أبيه جعفر عن أبيه محمّد عن أبيه عليّ عن أبيه الحسين عن أبيه عليّ عن النبيّ (ص) ، إسناد لو قُرِئَ على مجنون بَرِئ» (59) .
ثمّ ذكر نقلاً عن الواقدي أنّ الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) لمّا وصل إلى نيسابور أثناء الانتقال من المدينة إلى خراسان (سنة مائتين هـ ) : «خرج إليه علماؤها مثل يحيى ابن يحيى وإسحاق بن راهويه ، ومحمّد بن رافع وأحمد بن حرب ، وغيرهم ، لطلب الحديث والرّواية ، والتبرّك به» (60) .
وجاء في نسخة العهد الّذي كتبه المأمون بيده للامام الرضا (ع) حين جعله وليّاً للعهد من بعده ، جاء الاعتراف بفضل الامام الرضا (ع) وبمكانته العلمية الشامخة حيث كتب المأمون : « ... لِما رأيتُ مِن فضلِهِ البارعِ ، وعلمِهِ النافعِ وورعِهِ الباطنِ والظاهِر » (61) .
«وفي إعلام الورى ، عن أبي الصّلت عبد السلام بن صالح الهروي قال : ما رأيتُ أعلمَ مِن عليّ بن موسى الرضا (ع) ، ولا رآهُ عالِمٌ إلاّ شَهِدَ لهُ بمثل شهادتي ، ولقد جمعَ المأمونُ في مجلس له عدداً من علماء الاديان وفقهاء الشريعة والمتكلِّمين فغلبهم عن آخرهم حتّى ما بقي منهم أحدٌ إلاّ أقرّ له بالفضل وأقرّ على نفسه بالقُصور . ولقد سمعتُهُ يقول : كنتُ أجلسُ في الرّوضة والعلماء بالمدينة متوافرون ، فإذا أعيا الواحدُ منهم عن مسألة أشـاروا إليَّ بأجمـعهم ، وبعثوا إليَّ المُسائِلَ فأجبتُ عنها ، قال أبو الصّلتِ : ولقد حدّثني محمّد بن إسحاق بن موسى بن جعفر عن أبيه موسى بن جعفر (ع) كان يقول لبنيه : هذا أخوكم عليّ بنُ موسى عالِمُ آلِ محمّد (ص) فَسَلوه عن أديانِكم واحفظوا ما يقول لكم» (62) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com