اسم الكتاب: الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)
الحركة العلمية والمدارس الفكرية أيّام الامام الرضا (عليه السلام)
في القرن الثاني الهجري الّذي عاش فيه الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) اتسعتِ الحركةُ العلمية، ونشطَ البحثُ والتأليفُ والتدوينُ وتصنيفُ العلوم والمعارف، ونشأتِ المدارسُ والتيّاراتُ الفلسفية والفكرية ، وبدأت حركةُ الترجمةِ والنقلِ مِن اللّغات والشّعوب والاُمم المختلفة ، وازدحمتِ المدارسُ وحلقاتُ الدّرسِ بالاساتذةِ والطلاّب يتناولون مختلف العلوم ويخوضون في شتّى المعارف . وقد ازدهرت هذه الحركة العلمية بشكل خاص أيّام الرشيد والمأمون ، أي في الفترة الّتي عاش فيها الامام جعفر بن محمّد الصادق (ع) والامام موسى بن جعفر والامام عليّ ابن موسى الرضا (ع) ، فقد ولد الامام عليّ بن موسى الرضا أيّام أبي جعفر المنصور(63) ، وعاصر من خلفاء بني العباس المهدي والهادي والرّشيد والامين والمأمون ، وقد كانت هذه الفترةُ مِن أغنى فترات الفكر والثقافة الاسلامية ، ففيها عاش مؤسِّسو المذاهب الفقهية ؛ أمثال الشافعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وفقهاء وأصحاب آراء ووجهات نظر فقهية أمثال أبي يوسف القاضي ، وسفيان الثوري ، وزُفَر ، ومحمّد بن الحسن الشيباني ، وشريك القاضي ، وابن المبارك ، ويحيى بن أكثم ... إلخ . كما عاش في هذه الفترة العلمية الخَصْبةِ الكسائي، والفراهيدي والاصمعي، ومحمّد بن الهذيل العلاّف المعتزلي ، والنظّام إبراهيمُ المعتزلي ، والطبيبُ المعروف جبريلُ بنُ بختشيوع، وغيرهم وأمثالهم من أصحاب العلوم والمعارف الشرعية والعقلية والاجتماعية المختلفة . وتبلورت مدارسُ الفقه والحديث والسِّيَر ، ونشطت مذاهبُ الفلسفة وعلمُ الكلام وخصوصاً أيّام المأمون الّذي أحبّ الفلسفةَ وشَغُفَ بها ، فأمر بالترجمة ونقل الفلسفة إلى العربية ، ونما تيار المتصوفة ، وظهرتِ الزّندقةُ والغُلُوّ . فكان الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) هو مفزعَ العلماء وملجأَ أهلِ الفكر والمعرفة، يناظرُ علماءَ التفسير ويُحاورُ أهلَ الفلسفة والكلام، ويردُّ على الزّنادقة والغُلاة، ويوجِّهُ أهلَ الفقه والتشريع ، ويثبِّتُ قواعد الشّريعة واُصولَ التوحيد، فكان محورَ التوجيه ، ومركزَ الاشعاع، ومنطلقَ الاصالة والنّقاء . وقد مرّ علينا أنّ محمّدَ بن عيسى اليقطيني قد جمع خمسَة عشرَ ألف مسألة من المسائل الّتي أجاب عنها الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) ، وأن مجلسه كان المرجعَ والمأوى لطلاّب العلم وأساتذة المعرفة، وكلمته الفصل والحسم للمتنازعين . وقد عبّر عن هذه الحقيقة(ع) بقوله:«كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون ، فاذا أعيا الواحدَ منهم مسألةٌ أشاروا إليَّ بأجمعهم ، وبعثوا إليَّ بالمسائل فأجبتُ عنها» . لذا كان المأمون يعقدُ مجالسَ المُناظرة، ويدعو العلماء المسلمين والمتكلِّمين وأصحاب الرّأي وعلماء الاديان والدّعوات المختلفة ويدعو الامام الرضا (ع) للمُحاجَجَةِ والحوار والمُناظرة . ولكي يتعرّف القارئ إلى جانب من علوم الامام (ع) ومعارفه ، فلنقتبس نماذج من علومه، ولنعرُضْ صوراً من معارفه، ولننقلْ بعضاً مِن مجالسه في الحوار والمناظرة، ولنقرأ عدداً من حكمه وأحاديثه في الاخلاق والتربية والعقيدة والتوجيه الاجتماعي للاستضاءة بنور علمه والاقتداء بهديه وتربيته ، والسّير على منهجه ومدرسته .
|
|