اسم الكتاب: الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)
التوحيد
التوحيد أساسُ الاسلام ، وقاعدةُ الفكر والتشريع ، ومنطلق المعرفة والسلوك الانساني . لذا ثبّت أهلُ البيت (ع) اُسُسَ هذه العقيدة، وأوضحوا كلياتها واُصولها ، وشرحوا كثيراً من جزئياتها وتفاصيلها ، فَعَرّفوا بصفات الله وأسمائه الحُسنى وعلاقَتِهِ بِخَلْقِهِ ، وما يصُحُّ أنْ يوصفَ به سبحانَهُ ويُنْسَبُ إليه ، وما لا يَصُحُّ ولا تجوزُ نسبتُهُ إلى الله سبحانَهُ : كالتشبيه والتجسيم ، والمماثلة ... إلخ . كما تصدّوا لكثير من الافكار الفلسفية والكلامية المنحرفة عن عقيدة التوحيد ، فأسقَطوا حُجَجَها الواهية ، وكشفوا زيفَها لتصحيح الاعتقاد وتثبيتِ أركان التوحيد بنقائه وأصالته، فأخذَهُ عنهم المسلمون الملتزمون بصورة عامّة ، وأتباعُهُم وتلامذتُهم بصورة خاصّة . وها هو الامامُ عليّ بن موسى الرضا (ع) يتحدّث لنا عن التوحيد ، ويصفُ لنا الباري جلّ شأنه . قال (ع) : « إنّ محضَ الاسلام شهادة أنْ لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شريكَ له ، إلهاً واحداً أحداً فرداً صَمَداً قيّوماً سميعاً بصيراً قديراً قديماً قائماً باقياً عالِماً لا يجهلُ ، قادِراً لا يعجَزُ ، غنيّاً لا يحتاجُ ، عَدْلاً لا يجورُ ، وأنّه خالقُ كلّ شيء ، وليسَ كمثلِهِ شيء ، لا شِبْهَ له ولا ضدّ له ولا نِدَّ له ولا كُفْءَ له ، وأنّه المقصودُ بالعبادةِ والدُّعاءِ والرّغبةِ والرّهبة ، وأنّ محمّداً عبدُهُ ورسولُهُ وأمينُهُ وصفيُّهُ وصَفوتُهُ مِن خلقِهِ وسيِّد المُرسَلين وخاتم النّبيِّين وأفضل العالمـين ، لا نبيّ بعده ، ولا تبديلَ لملّته ولا تغيير لشريعته ، وأنّ جميع ما جاء به محمّد بن عبدالله (ص) هو الحقُّ المُبين ، والتصديقُ به وبجميع مَن مضى قبلَهُ مِن رسل الله وأنبيائِهِ وحُجَجِهِ ، والتصديقُ بكتابه الصّـادق العزيز الّذي : (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد (64)(65) » . « مَن شبّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ فهوَ مُشرِكٌ ، ومَن نَسَبَ إليهِ ما نهى عنه فهو كافر »(66). « وفسّر قوله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة ) ، فقال : يعـني مُشرقةً تنتظرُ ثوابَ ربّها » (67) . « وسُئِلَ عن معنى قوله : (تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتِ لاَ يُبْصِرُونَ ) ، فقال : إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصَفُ بالتّرْكِ كما يوصَفُ خلقُهُ ، ولكنّه متى عَلِمَ أنّهم لا يَرجعونَ عن الكفر والضّلال منعَهُمُ المعاونَةَ واللُّطْفَ ، وخَلّى بينَهُمُ وبينَ اختيارهم » (68) . « وسُئِلَ عن معنى قوله : (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) ، فقال : الختمُ هو الطّبعُ على قلوبِ الكفّار ، عقوبةً على كفرهم ، كما قال عزّ وجلّ : (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) » (69) . هذه كانت قضيّة التوحيد وصفات الباري جلّ شأنه : من العلم والقدرة والارادة والسمع والتكلّم . وتفسير الظواهر القرآنية الّتي تحدّثت عن هذه الصفات وأمثالها ، كانت مثارَ جدل ونقاش وصَلَتْ بالبعض إلى حدِّ تكفير البعض الآخر ، كما انزلقَ كثيرٌ مِنَ المسلمين في هاوية التشبيه والتجسيم ـ تشبيه الله بالخلق ـ وإضافة بعض صفات البشر إليه، تنزّه عن ذلك وعلا علوّاً كبيراً - كاليد والعين والعرش والكرسي، وتفسيرُ ذلك تفسيراً تجسيميّاً ـ كما توحي به ظواهرُ الالفاظ ـ، إلاّ أنّ أئمّة أهل البيت (ع) نبّهوا وأوضحوا حقيقةَ ما تعنيـهِ هذه الآيات ، عن طريق تفسير القرآن بعضه ببعض، أو بالاعتماد على ما لديهم مِن سنّة متوارثة مرويّة عن رسول الله (ص)، فكانوا يردّون على مذاهب التجسيم والتشبيه ، كما كانوا يردّون على الغُلاة الّذين تستّروا بالولاء لاهل البيت (ع) ووصفوا الائمّةَ مِن أهل البيت (ع) بصفات الاُلوهية ، وكان الامام الرضا (ع) وقبلَهُ آباؤه (ع) يَردّونَ على مذهبِ الغُلاةِ المنحرفين ، ويُدافعون عن عقيدة التوحيد .
|
|