سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)


الانسان بين الجبر والاختيار :

وثمة قضيّةٌ عقائديةٌ اُخرى شغلت بال العلماء والفلاسفة والمتكلّمين ، فقد وقع فيها الخلافُ بين المسلمين الظاهريين الّذين يأخذون بظاهر الالفاظ دون تأويل أو تعمّق في فهم ما تشير إليه الآية أو ربطها بسواها من الآيات وبين المُعْتَزِلة والمجَبِّرة (70) ، وبين مدرسة أهل البيت الّتي قادها بشكل خاصٍّ الامامُ الباقرُ والصّادقُ والكاظمُ والرضا وبقية الائمّة (ع) مِن بعدهم هي قضيّة الجبر والتفويض والاختيار ، ووقع الخلاف والجدل فيها عنيفاً ، وكانت هذه المدارس تريدُ تفسيرَ السّلوك الانساني وتحدِّد العلاقة بينه وبين مشيئة الله وإرادته ، فانقسمَ المسلمون في تفسير هذه القضيّة إلى ثلاث مدارس :
مدرسة تُنادي بانعدام الاختيار الانساني وترى الانسانَ مُجْبَراً على أفعاله ، وأنّ الانسانَ ليسَ إلاّ المحلَّ الّذي تجري عليه أفعالُ الله سبحانه وإرادتُهُ ، كما يجري الماء في النهر ، وليس له دور ولا تأثير في مجرى الافعال .
وسُمِّيت هذه المدرسـة بالمُجَبِّرَةِ ، لانّها تنتهي إلى القول بالجَبْرِ ومُصادَرةِ إرادة الانسان واختياره .
ونادت مدرسة ثانية (المعتزلة) بالقول المعاكس تماماً لرأي هذه المدرسة ، فقالت بتفويض الامر إلى الانسان ، وأنّ اللهَ خَلَقَ العبادَ ، وفوّضَ أمرَ أفعالهم إليهم دون أنْ يستطيعَ التدخُّلَ في أفعالِهِم ومنعِهِم أو إرغامِهِم على شيء، وسُمِّي هذا الرّأيُ ( بالتفويض ).
وقد رفض أئمّةُ أهل البيت (ع) هذين الرأيين ، وأوضحوا كما أسلفنا في أقوال الامام الرضا (ع) التفسيرَ الصحيحَ للعلاقة بين إرادة الله سبحانه وإرادة العباد ، فقد قرأنا جوابه لمن سأله عن الجبر والتفويض :
«انّ الله لم يُطَعْ بإكراه ، ولم يُعْصَ بِغَلَبَة ، ولم يُهْمِلِ العبادَ في مُلْكِه» .
ورُوي عن أهل البيت (ع) : «لا جَبْرَ ولا تفويضَ ، ولكنْ أمرٌ بينَ أمرين ، ومنزلةٌ بينَ منزلتين» .
فالله سبحانه لم يُهْمِلْ عبادَهُ، ولم يُرْغمْهُم، ولم يُفوِّضْ الامرَ إليهم، بل منحهم الارادةَ والاختيارَ، وأوضحَ لهم نظامَ الحياة والطّريقَ والمنهجَ المُوصِل إلى الله سبحانه وأحاطَهُ بلُطفِهِ وعَوْنِهِ ، فإنِ اختاروا طريقَ الضّلال والانحراف حَرَمَهُم لُطْفَهُ وعَوْنَهُ وخلّى بينهم وبين أنفسهم ، كما فسّر ذلك الامامُ الرضا (ع) بقوله : «ولكن متى علمَ أنّهم لا يَرجعونَ عن الكفر والضّلال منعهُمُ المعاونة واللُّطفَ وخلّى بينهم وبين اختيارهم» .
سأله الحسن بن عليّ الوشّاء فقال له : «اللهُ فوّضَ الامرَ إلى العباد ؟ فقال : هو أعزّ من ذلك ، فقلت : أجَبَرَهُم على المعاصي ؟ ، قال : اللهُ أعدلُ وأحكمُ مِن ذلك ، ثمّ قال : قال الله عزّ وجلّ ، يا ابن آدم ! أنا أَوْلى بِحَسناتِكَ مِنْكَ وأنْتَ أولى بسـيِّئاتِكَ مِنِّي ، عملتَ المعاصي بقوّتي الّتي جعلتُها فيك » (71) .
وذُكِرَ عنده الجبر والتفويض فقال : «ألا اُعطيكم في هذا أصلاً لا يختلفون فيه ولا يُخاصِمُكُم عليه أحدٌ إلاّ كَسَرْتُموه ؟ قلنا : إنْ رأيتَ ذلك ، فقال : إنّ اللهَ تعالى لم يُطَعْ بإكراه ، ولم يُعْصَ بغلبة ، ولم يُهْمِلِ العِبادَ في مُلْكِهِ ، هو المالِكُ لما مَلَّكَهُم والقادِرُ على ما أقدَرَهُم عليه ، فإنِ ائْتَمَرَ العِبادُ بطاعَتِهِ لم يكُنِ اللهُ عنها صادّاً ، ولا منها مانِعاً ، وإنِ ائتمروا بمعصيتِهِ فشاءَ أن يحولَ بينهم وبين ذلك فَعَلَ ، وإنْ لم يَحُلْ ففعلوا فليس هو الّذي أدخلَهُم فيه ، ثمّ قال (ع) : مَنْ يضبطْ حدودَ هذا الكلام فقد خَصَمَ مَنْ خالفه » (72) .
وهكذا يُوضِّحُ الامام ويُفسِّر السّلوكَ الانسانيَّ ، ويُحدِّدُ علاقةَ الارادة البشرية بإرادة الله سبحانه .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com