قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)
الوضع الاجتماعي للحكم العبّاسي
إنّ دراسة الاوضاع السياسية والاجتماعية لمرحلة الحكم العباسي الّتي أحاطت بحياة الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) وبحياة أبيه الامام موسى بن جعفر (الفترة المشتركة) تجسِّد أمامنا المحنة والمشكلة السياسية الّتي عاناها أهل البيت (ع) في ظلّ الحكم العباسي ، عدا فترة انفراج عايشها الامام الرضا (ع) أيّام المأمون ، وجاءت نتيجةً لضغوط الرّأي العام وتوتّر الاوضاع السياسية، وكثرة الاضطرابات والصِّراعات والثّورات ... إلخ . إنّ الّذي يدرس حياةَ المهدي والهادي والرّشيد والامين والمأمون الّتي عاصرها الامام الرضا وتمتدّ من عام (158 هـ ) حتّى عام (203 هـ ) ، ويُحلِّل اُسلوبَ الحكم وكيفية إدارة شؤون الاُمّة وعلاقة الحكّام بالاُمّة واتجاه الرأي العام ، ويَدرسُ حياةَ الخلفاء في القصور بين الجواري والمغنين والشعراء وكؤوس الخمر ، ويشاهد تبذيرَ آلاف الملايين من الدنانير الذهبيّة والدراهم الفضيّة ، وسياسةَ التجويع والارهاب لمختلف طبقات الاُمّة ليدرك بوضوح الفارق الكبير بين اتّجاه بني العباس وقيادة أهل البيت (ع) ودعوتهم إلى الاصلاح والتغيير باتّجاه المبادئ والقيم الاسلامية الّتي دعوا إليها واُوذوا وعُذِّبوا وشُرِّدوا وسُجِنوا واستُشْهِدوا مِن أجلِها ، ولا أدلّ على ذلك من شهادة محمّد بن الحسـن (النفس الزكية) ، والحسين بن عليّ صاحب فخ ، والامام موسى بن جعفر (ع) ، وتوالي ثورات آل عليّ (ع) الواحدة تِلوَ الآخرى . إنّ دراسةَ الوضع السلوكي لقصور الخلفاء العباسيين، كما دوّنته كتب التاريخ وحفظه الرّواة وسجّله الشّعراء في شعرهم ، يكشفُ لنا مِحنةَ الاُمّة ودرجةَ المفارقة الّتي وقع فيها اُولئك الحكّام . فقد بُذِّرَت الاموالُ لشراء الجواري وبناء القصور وهدايا الشّعراء واقتناء الجواهر، وكسب الاعـوان ، وإقامة مجالس اللّهو والبذخ ، وسُلِّطت السّيوف على آل البيت النبويّ (ع) وأعوانهم، واُدخلوا السجون وحُرِموا من الامن والعيش المطمئن، وقُطِعَتْ أرزاقُهُم ، وهُدِمَتْ دورُهم ، وصُودِرَتْ أموالُهُم . ولكي تكون أمامنا تلك المرحلة شاخصة بواقعها وصورها الحيّة فلننظرْ في كتب التاريخ ، ولْنَسْتَمِعْ للمؤرِّخين وهم يَصِفونَ ويتحدّثون بلُغةِ الارقام والوقائع عن تلك الاوضاع والحياة . قال ابنُ الاثير يصفُ جانباً مِن حياة الامين : « لمّا مَلَكَ وكاتبَهُ المأمونُ وأعطاه بيعتَهُ ، طلبَ الخِصيانَ وابتاعهم وغالى فيهم ، فصيّرهم لِخَلْوَتِهِ ، ليلَهُ ونهاره ، وقوّام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه، وفرض لهم فرضاً، سمّاهم الجرادية، وفرضاً مِنَ الحبشان سمّاهم الغرابية ، ورفضَ النِّساءَ الحرائر والاماء، حتّى رُميَ بهنّ، وقيل فيه الاشعار . ثمّ وجّه إلى جميع البلدان في طلب المُلَهِّين ، وضمَّهُم إليه ، وأجرى عليهم الارزاقَ ، واحتجبَ عن أخويه وأهل بيته ، واستخفّ بهم وبقواده ، وقسّم ما في بيوت الاموال، وما بحضرته من الجواهر في خصيانه وجلسائه ومحدِّثيه، وأمر ببناء مجالس لمتنزّهاته، ومواضع خلواته ولهوه ولعبه ، وعمل خمسَ حَرّاقات في دجلة على صورة الاسد والفيل والعقاب والحيّة والفرس ، وأنفق في عملها مالاً عظيماً »(78) . « وأمرَ الامين أنْ يُفْرَشَ على دُكّان في الخلد يوماً ، فَفُرِشَ عليها بساطٌ زرعيٌّ ، ونمارقُ وفرشُ مثله ، وهُيِّئ مِن آنيةِ الذّهب والفضّةِ والجواهرِ أمر عظيم ، وأمر قَيِّمة جواريه أن تهيِّئ له مائةَ جاريةِ صانعة ، فتصعدُ إليه عشراً عشراً بأيديهنّ العيدان ، يُغنِّين بصوت واحد » (79) . ثمّ جاء عن ابن الاثير أيضاً : « وذكر محمّد الامين عند الفضل بن سهل بخراسان ، فقال : كيف لا يستحل قتل محمّد وشاعره يقول في مجلسه : ألا فاسقِني خمراً وقُلْ لي هي الخمرُ *** ولا تَسقِني سرّاً إذا أمكنَ الجهـرُ فبلغت القصّة الامين ، فحبس أبا نؤاس » . ثمّ عقّب ابن الاثير قائلاً : « ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حلم ، أو معدلة ، أو تجربة حتّى نذكرها » (80) . وتحدّث المؤرِّخون عن الرّشيد وبذخه وإسرافه وتضييعه لاموال الاُمّة وانشغاله باللّهو والعبث، فذكروا أرقاماً وأحداثاً وحقائق نذكر منها: ما رواه السيوطي في تاريخ الخلفاء: «أعطى الرّشيد مرّة سفيان بن عيينة مائة ألف(81)، وأجاز إسحاق الموصلي(82) مرّة بمائتي ألف ، وأجاز مروان بن أبي حفصة(83) مرّة على قصيدة خمسة آلاف دينار». واستمرّ السيوطي يتحدّث عن الرّشيد فقال: «ومغنِّيه إبراهيمُ الموصلي، وله أخبار في اللّهو واللّذّات المحظورة والغناء » (84) . وذكر السيوطي : « لما أفْضَتْ الخلافة إلى الرّشيد ، وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي (أبيه) فراودها عن نفسها ، فقالت : لا أصلح لك ، إنّ أباك قد طافَ بي ، فَشَغُفَ بها ، فأرسلَ إلى أبي يوسف(85)، فسأله : أعندكَ في هذا شيء ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ! أوَكُلّما ادّعتْ أمةٌ شيئاً يَنبغي أن تُصدَّقَ ؟ لا تُصدِّقْها فإنّها ليست بمأمونة ، قال ابن المبارك : فلم أدرِ ممّن أعجب ، من هذا الّذي قد وضع يَدَهُ في دماءِ المسلمين وأموالهم يتحرّجُ عن حُرمة أبيه ، أو مِن هذه الامة الّتي رغبتْ بنفسِها عن أمير المؤمنين ، أو مِن هذا فقيه الارض وقاضيها ! قال : اهتُكْ حُرمةَ أبيك ، واقضِ شهوتَكَ وصيِّرهُ في رقبتي » (86) . واستمرّ السـيوطي يصفُ أحوالَ الرّشيد فقال : قال الرّشـيدُ لابي يوسف «إنِّي اشتريتُ جاريةً واُريدُ أن أطأَها الآن قبل الاستبراء(87)، فهل عندك حيلة ؟ قال : نعم ، تَهَبَها لبعضِ ولدِكَ ثمّ تتزوّجها»(88) . «وسجّل السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء أنّ الرشيد أوّل خليفة لَعِبَ بالصّولجةِ والكرةِ ورمى النشاب في البرجاس، وأوّل خليفة لعبَ بالشّطرنج مِن بني العباس»(89). «وحينَ مات الرّشيد خلّفَ مائة ألف ألف دينار ، ومِنَ الاثاث والجواهر والوَرق والدوابّ ما قيمتُهُ مائة ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار» (90) . وتحدّث السيوطي عن الهادي بن المهدي بن المنصور فقال : وكان يتناول المسكر، ويلعب (91) . وذكر المسعودي أنّ المهدي وهب أبا العتاهية (الشّاعر المعروف) خمسينَ ألفَ درهم ففرّقها أبو العتاهية على مَن كان بباب المهدي ، فبلغ المهدي ذلك ، فوهب له خمسين ألف درهم اُخرى (92) . وذكر السيوطي : «أنّ المأمونَ كان يشربُ النبيذ» (93) . ونقل روايةً تصوِّرُ طبيعةَ الحياة وتردّي الاوضاع داخل القصور العباسية فقال : «كان محمّد بن حامد واقفاً على رأس المأمون وهو يشربُ ، فاندفعتْ غريبُ ، فغنّتْ بشعر النابغة الجعدي : (كحاشيةِ البُرْدِ اليَـماني المُسهّم(94) ) . فأنكرَ المأمون أن لا تكونَ ابتدأتْ بشيء ، فأمْسَكَ القومُ ، فقال : نُفيتُ مِن الرّشيد لئن لم أصدقْ عن هذا لاُقرِرَنَّ بالضّربِ الوجيع عليه ، ثمّ لاُ عاقِبَنَّ عليه أشدّ العقـوبة ، ولئن صُدقتُ لاُبلغنّ الصّادقَ أملَه . فقال محمّد بن حامد : أنا يا سيِّدي أومأتُ إليها بِقُبْلَة ، فقال : الآن جاءَ الحقُّ صدقتَ ، أتحبّ أنْ اُزوِّجكَ بها ؟ قال : نعم ، فقال المأمون : الحمدُ لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيِّدنا محمّد وآله الطيِّبين ، لقد زوّجتُ محمّدَ بن حامد غريبَاً مولاتي ، ومهرتُها عنهُ أربعمائة درهم على بركة الله وسنّة نبيِّه ، صلّى الله عليه وآله وسلّم ، خُذْ بِيَدِها ، فقامَتْ معه ، فصارَ المعتصم إلى الدهليز ، فقال له : الدلالة ، قال : لكَ ذاك ، قال ، دلالتي أنْ تُغنِّيَني اللّيلةَ ، فلم تزل تُغنِّيه إلى السّحر، وابنُ حامد على الباب، ثمّ خرجَتْ فأخذتْ بيده، ومضتْ عليه»(95). وذكر السيوطي : « إنّ محمّد بن حفص الانماطي قال : تَغَدَّيْنا مع المأمون في يوم عيد فَوُضِعَ على مائدتِهِ أكثرَ مِن ثلاثمائةِ لون » (96) . تلك صورةٌ لا تمثِّل إلاّ النزرَ اليسيرَ ِمن أوضاع الحياة الاجتماعية والاخلاقية للقصور العباسية وطبيعتها في هذا الجو من الانغماس باللّهو والملذّات والتّرف والاسراف وجمع المال الّذي عاشته الخلافة العباسية، وعاشت جماهير الاُمّة حياةَ الفقر والمعاناة، وعاش أئمّة أهل البيت (ع) وطلائِعُهُم حياةَ الرّفض والمعارضة لهذه الاوضاع المؤلمة .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|