سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)


الوضع السياسي

أمّا الوضع السياسي للمرحلة الّتي عاشها الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) فيمكن أن نُقَسِّمَهُ إلى مرحلتين :
مرحلة حكم المهدي والهادي والرّشيد ، وكانت مرحلة قاسـية صعبة على أهل البيت (ع) وعلى عميدهم وإمامهم موسى بن جعفر أبي الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) ، فقد عاش الامام الرضا (ع) هذه المرحلة الصعبة تحت كَنَفِ أبيه ، وكان يشاهد باُمِّ عينيه محنةَ أبيه الكاظم وهو يُنقَل من سجن إلى سجن ويُلاحَقُ مِن قِبَلِ حكومة الرّشيد وموسى الهادي ويُضيّقُ عليه ، حتّى شَهِدَ نهايةَ المحنة (في واقعة فخ) ، ومذبحةَ أهل البيت فيها ، واستشهادَ الحسين بن عليّ بن الحسن ، ومطاردةَ العلويين ، وهدمَ دورهم ، ومصادرةَ أموالهم ، وإدخالَهم السّجونَ والمحابِسَ من قِبَل موسى الهادي ، كلّ ذلك كان يجري والامام عليّ بن موسى الرضا (ع) يعيشه ويكابده وهو تحت كنف أبيه وفي ظلِّ إمامته ، ولمّا استُشْهِدَ أبوهُ وانتهتِ الامامة إليه ، لم يتعرّض له الرّشيد بسوء ، وذكر ابن الصّبّاغ المالكي عن صفوان بن يحيى قال :
« مضى موسى الكاظم (ع) وقام ولده من بعده أبو الحسن الرضا وتكلّم ، خفنا عليه من قبلك، وقلنا له إنّك أظهرت أمراً عظيماً، وإنّا نخاف عليك من ذلك الطاغية، يعني هارون الرّشيد ، قال :
ليجهدنّ جهده ، فلا سبيل له عليَّ .
قال صفوان فحدّثني الثِّقة أن خالد بن يحيى البرمكي قال لهارون الرشيد : هذا عليّ بن موسى الرضا قد تقدّم وادّعى الامرَ لنفسِهِ ، فقال هارون : يكفينا ما صنعنا بأبيه ، تريدُ أن نقتلَهُم جميعاً » (97) .
ومع ذلك فإنّ الامام الرضـا (ع) لم يكن ليحيا بعيداً عن الصِّراع العلوي مع العباسـيِّين دون أن يُصيبَهُ الاذى وتحلّ به الكروبُ والمِحَن ، فكما انعكست ثورة الحسين صاحب «فخ» على أبيه الكاظم انعكست كذلك ثورة محمّد بن جعفر على الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) ، فبعد أن اُعلِنَت هذه الثورة على الرّشيد وظفرَ بهم وانتصر عليهم على يد أحد قوّاده (الجلودي) أمره أنْ ينتقِمَ مِن آل أبي طالب وأن يقتل محمّد بن جعفر إن ظفر به .
نفّذ الجلودي أوامر الرّشيد ، وأغار على بيوت الطالبيين والاسر العلوية الكريمة ، وكان في طليعة من أصابته المحنة والاذى هو الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) ، فقد ذكر الشيخ الصدوق هذه الحوادث المؤلمة ونقلها بقوله :
« وكان الجلودي في خلافة الرّشيد لمّا خرج (98) محمّدُ بن جعفر بن محمّد بالمدينة بعثَهُ الرّشيدُ، وأمرهُ إنْ ظفر به أن يَضرِبَ عنقَهُ وأن يَغيرَ على دورِ آل أبي طالب وأنْ يسلب نساءهُم ولا يدعَ على واحدة منهنّ ثوباً واحداً ، ففعل الجلودي ذلك ، وقد كان مضى أبو الحسن موسى بن جعفر فصار الجلودي إلى باب دار أبي الحسن الرضا، هجمَ على دارِهِ مع خيله فلمّا نظر إليه الرضا (ع) جعلَ النِّساءَ كلهنّ في بيت ووقفَ على بابِ البيت ، فقال الجلودي لابي الحسن : لا بُدّ مِن أن أدخلَ البيت فأسلبَهُنّ كما أمر أميرُ المؤمنين ، فقال الرضا (ع) :
أنا أسلبهنّ لك ، وأحلِفُ أنِّي لا أدعْ عليهنَّ شيئاً إلاّ أخذتُهُ ، فلم يزلْ يطلبُ إليه ويحلِفُ له حتّى سكنَ ، فدخلَ أبو الحسن الرضا (ع) ، فلم يدع عليهنّ شيئاً حتّى أقراطَهُنّ وخلاخيلَهُنّ وأزرارَهُنّ إلاّ أخذَهُ مِنهُنّ وجميعَ ما كانَ في الدار من قليل وكثير » (99) .
تلك صورة من صور المحنة والاذى الّذي لقيه الامام الرضا (ع) كما لقي آباؤه من قبل ، وأبناؤه من بعد .
فقد حدّثنا التاريخ ، ودوّنَ محنةَ ومعاناة أهل البيت (ع) مع خصومهم من الحكّام والمتسلِّطين عبرَ أجيال ومراحل من الحكمين الاموي والعباسي .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com