سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)


الرأي العام والولاء لاهل البيت (عليهم السلام) :

إنّ تردِّي الوضع السياسي والاخلاقي للحاكمين في تلك الفترة انعكس على طبقات الاُمّة كافّة، فلم يسلمْ منه أحدٌ سواءٌ العامّة والجمهور أو قادة الرأي وأقطاب المجتمع والعلماء ، لذا كان الرأي العام قد اتّجه بشكل قوي وواضح باتّجاه أهل البيت (ع) حيث إنّ قادة أهل البيت (ع) وأئمتهم، أمثال الصادق والكاظم والرضا (ع) كانوا هم المفزعَ للاُمّة، وملجَأَ الاستغاثة، ومحورَ التجمُّع والمعارضة، فقد كانوا يُمثِّلون موقعَ القيادة ومقام الامامة في البيت النبوي الكريم في تلك الفترة ، وكانتِ القلوبُ تَفيضُ بحبِّهم والولاءِ لهم، وتثق بما ترى منهم من ورع وعلم وتقوىً وصدق في القول والعمل.
وعليه كانت ثورات العـلويين تمتدّ في بلاد الدّيلم وخراسان والاهواز والبصرة والكوفة والمدينة ومكّة وأفريقية واليمن وغيرها من البلدان الاسلامية، وتلقى التأييد والنصرة وينضم إليها الاتباع والانصار، حتّى دامت عبر المرحلتين الاموية والعباسية نحو قرن من الزمان ـ ابتداء من ثورة زيد ـ الثورة تلو الثورة ، والحركة إثر الحركة ، والمجتمع الاسلامي يعيش في شدّ وصراع وتوتر سياسي وأمني مستمر ومحوره وعقله الثوري وطلائعه في الجهاد هم العناصر العلوية وأتباعهم وقادتهم ، وكان الكل يشاطرهم الاحساس والموقف ، ولكن يصعب عليهم أو تحول أوضاع وظروف دون المقاومة المسلّحة وإعلان الثورة والجهاد .
لذلك نُشاهد الاُمّة بمختلف طبقاتها تفزع للتأييد ، وتُعلِنُ الولاءَ سرّاً وعلناً لمجرّد سماعهم بتحرّك العلويين .
كما وزادت المظالمُ والقسوةُ الّتي عاناها أبناء الامام عليّ بن أبي طالب من الحكم الاموي والعباسي مِن التفاف الناس وزيادة عطفهم وميلهم إلى العلويين وثوراتهم .
وقد تحدّدت تلك المواقف واضحة جليّة لدى أئمّة المذاهب ووجوه المجتمع ورجال السياسة ، نذكر من ذلك موقف الامام أبي حنيفة ، والامام مالك ، وتعرّضهما للاذى والاضطهاد بسبب تأييدهما للثوار العلويين ، وإفتائهما سرّاً تارة وعلناً اُخرى بأحقية أهل البيت (ع) وضرورة تأييدهم ورفضهم للحكم الاموي والعباسي .
« فقد افتى أبو حنيفة بتأييد ثورة زيد بن عليّ بن الحسـين سنة 121 هـ ضدّ الحكم الاموي وبصرف الزكاة لتأييد هذه الثورة ، كما رفض أن يتولّى قضاء الكوفة للامويين حينما عرضه عليه يزيد بن عمر بن هبيرة والي العراق في عهد مروان بن محمّد آخر الخلفاء الامويين فضربه يزيد مائة وعشرة سياط » (100) .
وحين زالت الدولة الاموية واستولى العباسيون على السلطة، أعلن تأييده بصراحة لابراهيم بن عبد الله بن الحسن العلوي أيّام المنصور العباسي ، فقد ذكر أبو الفرج الاصفهاني: «وكان أبو حنيفة يجهر في أمر إبراهيم جهراً شديداً ويُفتي الناسَ بالخروج معه» (101) .
وقد كتب أبو حنيفة إلى إبراهيم بالتوجّه إلى الكوفة والاستفادة من التأييد الشعبي فيها لآل البيت (ع): «ائتها سرّاً فإن من هاهنا من شيعتكم يُبَيِّتون أبا جعفر فيقتلونه ، أو يأخذونَ برقَبَتِهِ فيأتونَك به» (102) .
«واستدعى المنصور أبا حنيفة من الكوفة إلى بغداد ، وطلب منه أن يلي القضاء ، فرفضَ، فأقسم المنصور عليه أن يتولاّه ، فأقسم أبو حنيفة ألا يفعل، وطلب الحاجب الربيع ابن يونس من أبي حنيفة العدول عن قسمه ، فقال أبو حنيفة له : أمير المؤمنين على كفّارة أيْمانه أقدرُ منِّي على كفّارة أيْماني .
وأرادَ المنصور أن يرغمه على نكث قسمه بألا يتولّى ذلك المنصب ، فعهدَ إليه ببعضِ أعمال بناء بغداد فكلّفَهُ بضربِ اللّبنات وإحصائها ومراقبة العمّال ، وابتكر أبو حنيفة طريقةً جديدةً في إحصاء الآجر ، فكان يحصيها بالقصبة بدلاً من طريقة العد المعتادة» (103) .
وكان للامام مالك بن أنس تأييد لآل عليّ (ع) وإسناد واضح في ثوراتهم ضدّ العباسيين ، فقد اتّجه جمهور من أهالي المدينة يسألون الامامَ مالكاً رأيه في تأييد محمّد بن الحسن (النفس الزكية) فقالوا له : «إنّ في أعناقنا بيعةً لابي جعفر ، فقال مالك لهم : إنّما بايعتم مكرهين ، وليس على كلِّ مُكرَه يمينٌ» (104) .
وكان لسفيان الثوري موقف رفض واحتجاج على حكومة بني العباس .
فقد ذكر المسعودي أنّ سفيان الثوري كانَ يتهرّبُ مِن تقبُّل القضاء ويرفضُ قبولَهُ مِنَ المهدي العباسي ، وأنّ المهدي قال له : «يا سفيان ! تفرّ منّا هاهنا وهاهنا وتظنّ أنّا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك ؟ ثمّ أمرَ أن يُكتَبَ لهُ كتابٌ يُعيّن فيه قاضياً على الكوفة ، فكتب عهدَهُ ودفعَهُ إليه فأخذَهُ وخرجَ ورمى به في (دجلة) وهرب ، فطُلِبَ في كلِّ بلد فلم يوجد» (105) .
ومالك بن أنس الّذي مات أيّام الرشيد ، قال الواقدي في تعريفه : «إنّ مالكاً كانَ يأتي المسجدَ ، ويشهدُ الصّلواتِ والجُمعَ والجنائز ، ويعودُ المرضى ، ويقضي الحقوقَ ، ثمّ تركَ ذلك كلّه ، ثمّ قيلَ له فيه ، فقال : ليسَ كلُّ إنسان يقدرُ أن يتكلّم بعذره .
وسُعِيَ به إلى جعفر بن سليمان وقيل له : إنّه لا يرى أيمان بيعتكم شيئاً ، فضربه بالسِّياط ، ومُدّ لذلك حتّى انخلعَتْ كتفاه» (106) .
وكان الامام مالك يعرفُ قدرَ العلويين ومكانَتَهم ، «فقد جاءه محمّد بن جعفر العلوي يشكو المحنةَ والاضطهادَ ، فقال له مالك : اصبرْ حتّى يجيءَ تأويلُ تفسير هذه
الآية (وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْـتُضْعِفُوا فِي ا لاَْرْضِي وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ا لْوَارِثِينَ ) وقد اضطهد المنصور الامام مالكاً، وضربه والي المدينة سبعين سوطاً»(107).
وقد اشتدّ الميل لاهل البيت (ع) والتعاطف معهم وبلغ شأوه أيّام الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) ، فكانت الثورات العلوية تتفجّر ، وجماهير الاُمّة ، وبعض الوزراء والقادة يميلون، لآل البيت (ع) ، والدولة العباسية تمر بمرحلة صراع داخلي حادٍّ بين الامين والمأمون وشخصيّة الامام الرضا (ع) تقوى وتتركّز باعتباره الامام من أهل البيت (ع) ، فكانت الانظارُ تتّجه نحوه ، والقلوبُ تهفو إليه ، واضطرب الموقف على الخليفة العباسي (المأمون) وخشي من قوّة التيار الموالي للعلويين ، فقرّر أن يتعامل مع الرأي العام بدبلوماسية وحنكة ، بعد أن رأى فشل السّيف والسّجون والدِّماء في مكافحة الانتفاضات وثورات آل عليّ (ع) ، وأنْ يعقد ولايةَ العهد، للامام الرضا (ع) ويجعله أحد أركان السلطة لتهدِئَة الخواطر ، وامتصاص روح النقمة والثورة ، وقد أدركَ الامام الرضا (ع) ذلك ورفض ولاية العهد إلاّ انّه قبلها مضطرّاً ، وسنناقش ذلك فيما هو آت من هذا الكتاب إن شاء الله .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com