سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)


الثّورات والانتفاضات

كان طبيعياً أن تدفعَ السياسةُ العباسيةُ وظروفُ المطاردة والاضطهادِ العلويين إلى التحرّك المسـلّح،وإعلان الثـورات،والدفـاع عن الحـقِّ بالقـوّة؛لذلك لم يَرَ العلويون في هذه الفترة بالذات غير السيف مفزعاً،وغير الجهاد لغة للخطاب والتعامل مع الخصم.
وكان طبيعياً أن يستثمر الثوّار العلويون فرصة ارتباك السّلطة واضطراب الاوضاع، لذا فقد حدثت ثورات أيّام المأمون وانتفاضات قام بها العلويون ضدّ الحكم العباسي؛ مستغلِّين الاوضاع والظّروف السياسية المتردِّية ، فكان من أبرز هذه الثورات في عهد الامام الرضا (ع) هي ثورة ( ابن طباطبا ) عام 199 هـ وهو محمّد بن إبراهيم ابن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، وابتدأ ثورته في العاشر من جمادى الآخرة من هذه السنة ، وقد فجّر ثورته في العراق في مدينة الكوفة ، حيث أنصاره وأتباعه ، وكان قائده الّذي تولّى شؤون الجيش ، وإدارة المعـركة هو ( أبو السّرايا ) السري بن منصـور ، وكان يُذكر أنّه من ولد هانئ بن مسعود الشّيباني (109) .
وما أن اُعلِنَت الثورة في الكوفة ، حتّى انضمّ إليها أهالي الكوفة ومن حولها من أعراب وقرىً ، فأصبحت الكوفة بيد ابن طباطبا ، ومنطلق ثورته ، فوجّه العباسيون إليه جيشاً كبيراً قوامه عشرة آلاف مقاتل فاشتبك في معركة ضارية هو وصاحبه أبو السّرايا مع هذا الجيش فانتصرا عليه وحطّماه .
إلاّ أنّ ابن طباطبا كان قد توفِّي بعد هذه المعركة(110) ، وحلّ محلّه محمّد بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع) ، وكان هذا العلوي شابّاً حَدِثَ السِّنِّ ضعيفَ السّيطرة ، فكانت الاُمور ومقاليد الحكم بيد أبي السّرايا .
وعاوَدَ العباسيون الكرّة ، فأرسلوا أربعة آلاف مقاتل فاشتبك معهم أبو السّرايا في معركة طاحنة لم يفلت منها أحد منهم ، فوقعوا بين قتيل وأسير بِيَدِ أبي السّرايا
تحت سيطرةِ الثوّار، وقَوِيَ مركزُهم، فأصدروا عُملَتَهُم بشكل مُستقلٍّ بالكوفة، وكتبوا عليها : (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَـبِيلِهِ صَفّاً كَأنّهم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ )(111). وتعاظمت قوّاتهم العسكرية فأرسل أبو السّرايا الجيوش إلى البصرة وواسط ونواحيها
فاحتلّ البصرةَ بقيادة زيد بن موسى بن جعفر وصار زيدٌ والياً عليها ، وقد كان والياً على مدينة الاهواز فانطلق للزحف منها على البـصرة (112) ، وولّى مكّةَ الحسـينَ بن الحسن ابن عليّ بن الحسين بن عليّ الافطس، وولّى اليمنَ إبراهيم بن موسى بن جعفر، وولّى الاهوازَ زيدَ بن موسى بن جعفر ، ووجّه محمّد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن ابن عليّ إلى المـدائن ؛ وأمره أن يأتيَ بغـدادَ مِنَ الجانب الشرقي ، فأتى المدائنَ وأقامَ فيها ، وسيّر عسكره إلى ديالى .
كما هَزَمَتْ جيوشُهُ جيشَ العباسيين في واسط ، واستمرّت المعارك والمناوشات سجالاً بين أبي السرايا والعباسيين حتّى انهزم أمامهم وهرب من الكوفة في السادس عشر من المحرّم سنة (200 هـ ) ، وكانت نهايته في عام (200 هـ ) .
حيث قُتِلَ وحُمِلَ رأسُهُ إلى المأمون ونُصِبَت جثّتُهُ على جسرِ بغداد بعد أن دامَتْ حركتُهُ مدّةَ عشرة أشهر فقط .
وهكذا فشلت حركة ابن طباطبا وأبي السّرايا، وبانتهائها وفشلها بدأت حركة علوية اُخرى امتـداداً لها ، أو تأثّراً بها؛ وهي حركة إبراهيم ابن الامام موسى بن جعفر (ع) ، وقد انفجرت هذه الثورة إثر قيام ثورة أبي السرايا وابن طباطبا ، فقد شجّعتْ هذه الثورة إبراهيمَ على التحرّك نحو اليمن والانطلاق منها .
لقد كان إبراهيم في مكّة وحين بلغه خبر ثورة أبي السّرايا اتّجه إلى اليمن لتفجير الثورة وقيادة الاتباع والانصار هناك ، فاستولى على اليمن بعد قتال يسير ، وأذعنتْ للسّلطةِ العلوية وخضعتْ لقيادته (113) .
ومِنَ الثورات المهمّة الّتي وقعت في عهد الامام الرضا (ع) ، ثورة محمّد ابن الامام جعفر الصادق ابن الامام محمّد الباقر (ع) بالمدينة المنوّرة، فقد قاد الثورة وبايعه أهل المدينة بإمرة المؤمنين (114) .
ويُذكر أنّ سبب ثورة محمّد بن جعفر الصادق : «كان رجلٌ قد كتبَ كتاباً في أيّام أبي السّرايا يسبُّ فيه فاطمةَ الزّهراء بنت رسول الله (ص) وأهل البيت (ع) ، وكان محمّد بن جعفر معتزلاً تلك الاُمور لم يَدخُلْ في شيء منها ، فجاء الطّالبيّون فقرأوهُ عليه ، فلم يَرُدّ عليهم جواباً حتّى دخل بيتَهُ ، فخرجَ عليهم وقد لَبِسَ الدّرعَ وتقلّدَ السّيف ، ودعا إلى نفسه ، وتسمّى بالخلافة ، وهو يتمثّل :
لم أكُنْ مِن جناتِها عِلِمَ اللهُ ، وإنِّي بِحَرِّها اليومَ صالي» (115) .
ويذكر ان محمّد بن جعفر ـ كما مرّ علينا ـ قال : «شكوتُ إلى مالكِ بن أنس ما
نحنُ فيه وما نَلقى ، فقال : اصبر حتّى يجيء تأويل هذه الآية : (وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِي وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) » (116) .
وقد تعاطفَ العلويوَن مع محمّد بن جعفر وساندوا حركتَهُ في مكّة ، فقد ذكر أبو الفرج : «أنّ جماعة من الطالبيِّين اجتمعوا مع محمّد بن جعفر ، فقـاتلوا هارونَ بنَ المسيب بمكّة قتالاً شديداً وفيهم الحسينُ بنُ الحسن الافطس ، ومحمّد بن سليمان بن داود ابن الحسن بن الحسن ، ومحمّد بن الحسن المعروف بالسّيلق ، وعليّ بن الحسين بن عيسى بن زيد ، وعليّ بن الحسين بن زيد ، وعليّ بن جعفر بن محمّد ، فقتلوا مِن أصحابه مقتلةً عظيمةً ، وطعنَهُ خَصِيٌّ كان مع محمّد بن جعفر فصرعه .
وكرّ أصحابه فخلّصوه ، ثمّ رجعوا فأقاموا بثبير في جَبَلِهِ مدّةً ، وأرسل هارون «الرّشيد» إلى محمّد بن جعفر ، وبعث إليه ابنَ أخيه عليّ بن موسى الرضا فلم يُصغِ إلى رسالته» (117) .
واستمرّ في معركتِهِ حتّى حوصِرَ ونفد ما كان معه من طعام وماء، وتفرّق أصحابه وانكسرَ جيشه .
وقد حُمِلَ محمّد بن جعفر مع أصحابه إلى المأمون في أيّام خلافته ، ويُذكَرُ أنّه توفِّي في خراسان (118) .
وهكذا يُحدِّثنا التاريخ أنّ العلـويِّين قد ألهبوا أرجاء الدولة العباسـية بالثورات والانتفاضات ، ورفعوا رايات الجهاد ومعهم الطليعة من العلماء والمحدِّثين والطّلائع السياسية .
ولم يتحرّك الامام الرضا (ع) ولم يشارك بواحدة منها ، مع ما له من مقام سياسي ومكانة اجتماعية مرموقة ، ورغم أنّه سيِّد أهل البيت (ع) وعالمهم وعميدهم ، فقد كان يعلم ما ستنتهي إليه هذه الحركات ، كما كان موقف آبائه الصادق والكاظم ، فقد كانوا على يقين من فشل الثورات العلـوية ، وما مِن ثورة إلاّ وقد نبّه الائمّة (ع) أصحابَها وقادَتَها ، وأوضحوا لهم الفشل .
وهذا لا يعني أنّ الائمّـة (ع) ما كانوا يعمـلون باتّجاه المقـاومة والوقوف بوجه الحكومات العباسية المتتالية ، بل ما كانت الاجواء الاجتماعية والسياسية تتهيّأ وتنضج إلاّ بقيادتهم وتوجيههم الفكري والسياسي ، ولكن كان لهم رأي آخر في مسار الاحداث وكيفية معالجتها ، وكانوا ينظرون إلى الاُمور والاحداث والمحنة بمنظار يختلف عن منظار الثوار الّذين كانوا يعاصرونهم ، لذا كان الخلفاء العباسيون يخافونهم ويرهبونهم ويحمِّلونهم أسبابَ الثورات العلوية ونتائجها الّتي كانت تحدث في زمانهم ، فقد حُمِّلَ الامامُ الصادق والامام الكاظم (ع) مسؤوليةَ الثوّار العلويين في عصريهما .
وكان المأمون يفهم نفسَ الفهم الّذي كان يحمله آباؤه عن أئمّة أهل البيت (ع) ، فقد عاشَ وضعاً مُضْـطَرِباً ، عاشَ صراعاً مريراً بينه وبين أخيه الامين ، وعاشَ ثورات وانتفاضات علويةً ، كما رأينا في طول البلاد الاسلامية وعرضها ، ولم يَجِد من المناسب استعمالَ العنف والتصدِّي للامام الرضا (ع) بنفس الوسائل الّتي تصدّى بها الرّشيد للامام موسى بن جعفر ، فقد انتهى إلى نتيجة سياسية لم يجد مناصاً منها؛ وهي مهادنة العلويين والاعتراف لهم بحقِّ الولاية لامتصاص النقمة واقناع الرأي العام بالاعتدال وكسب الانصار وتخفيف الضّغط الّذي ينوء به ضمير الاُمّة جراء المعاملات الظالمة لحكّام بني العباس للعلويين ، والوقوف بوجه التيّار الثوري العلوي الّذي راح يشتدُّ ويتعاظَم بسبب الخلافات والاضطرابات داخل البيت العباسي ، وبسبب الارهاب وسفك الدِّماء وتضييع الاموال وفساد الادارة واضطراب الامن بشكل مُروِّع .
فاخترعَ المأمون مشروعاً سياسياً لتطويق الامام عليّ بن موسى (ع) ، وهو المُبايعة للامام الرضا بالخلافة وولاية العهد من بعد المأمون ، باعتباره الامام من أهل بيت النبوّة (ع) ، والقائد البارز والسيِّد العَلَم في عصره .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com