اسم الكتاب: الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)
المسير إلى خراسان
وجّه المأمون دعوته إلى الامام الرضا (ع) ، وطلب منه الحضور إلى خراسـان للتشاور معه في نقل ولاية العهد ثمّ الخلافة إليه . فاستجابَ الامام إلى ذلك مُكْرَهاً ، وقد ذكر أبو الفرج الاصفهاني : «أنّ المأمون وجّه إلى جماعة من آل أبي طالب فحملهم إليه من المدينة ، وفيهم عليّ بن موسى الرضا ، فأخذ بهم على طريق البصرة حتّى جاؤوه بهم» (119) . والجدير بالذِّكر أنّ هذه الدعوة جاءت متزامنة مع ثورة محمّد بن جعفر الصادق عمّ الامام الرضا (ع) في المدينة المنوّرة ، وقد حدّد المأمونُ الطّريقَ والمسارَ للقافلة العلوية وقد وكّل بها من رجال المأمون من يرافقها ويراقبها طوال الطريق . بدأت القافلة في المسير من المدينة المنوّرة ، وراحتْ تغذُّ السّير متّجهةً نحو العراق على طريق البصرة فالاهواز ، ثمّ فارس (شيراز) ، فمدينة مرو . ويذكر أن تفصيل سيره كان من المدينة المنوّرة ثمّ عرج على بيت الله الحرام فحجَّهُ وودّعه(120)، ثمّ واصلَ الرِّحلة واتّجه عبر الصحراء إلى أرض العراق مارّاً بالقادسية ، على بعد خمسة عشر ميلاً من الكوفة على جانب البَرّ ، ثمّ اتّجه الرّكبُ إلى البصرة سالكاً طريق الصحراء ، (مارّاً بقرية بناج بني عامر بن كريز وهي من البصرة على بعد عشرة مراحل) . واستمرّ الرّكب يواصل المسـير ، ويعـبر أرض البصرة إلى الاهواز مارّاً بقرية ( قنطرة أربعة ) ، ويُقال لها ( أربك ) ، متّجهاً نحو بلاد فارس . وكان الامام الرضا (ع) يُستقبَل حيثما حلّ ، ويُشيَّع كُلّما رحلَ مِن قِبَلِ جماهير الاُمّة ووجوه العلماء ومشاهير المحدِّثين ، يسـتضيئونَ بنورِ علمه ، ويقتبسـونَ مِن جليل معالمه . ذكر المؤرِّخون أنّ الامام عندما وصل إلى (قنطرة أربعة) ، وهي (قرية برامهرمز) من نواحي خوزسـتان ، ويقال لها ( أربك ) ، سأله جعفر بن محمّد النوفلي مسألةً عقائدية كان لها في ذلك الوقت دورٌ وأهميّة بالغة ، حيث إنّ جماعة من أصحاب الامام موسى الكاظم (ع) ادّعوا أنّ الامام الكاظم (ع) لم يمت إنّما هو حيٌّ ورُفِعَ كما رُفِعَ عيسى ، وسُمّوا بالواقفيّة ، وقد ردّ عليهم الامام الرضا وأئمّة أهل البيت الّذين تلوه وكذّبوهم وفضحوا ادعاءاتهم، وكشفوا أنّ أوّل الّذين قالوا بالوقف من أصحاب الكاظم (ع) هم أشخاص كانت لديهم أموالٌ للامام الكاظم (ع) كان قد ادّخَرها عندهم لتسيير شؤون عمله ودعوته وجهاده وحوائجه فامتنعوا عن تسليمها للامام الرضا بعد وفاة أبيه الكاظم ، بزعم أنّ الامام الكاظم (ع) لم يَمُتْ ، وهو حيٌّ ، والحيُّ لا يجوز اقتسام أمواله بوصفها ميراثاً . وقد انتشرَ خبر هذه الفرقة وبلبلَ الافكار ، فكان الناس يأتون الامام الرضا ويسألونه عن ذلك . لذلك نجد أهل خوزستان يسألونه عن هذه الدعوى الزائفة والادّعاء المضلّل . قال جعفر بن محمّد النوفلي : « أتيتُ الرضا (ع) وهو بقنطرةِ ( أربك ) فسلّمتُ عليه ، ثمّ جلستُ وقلتُ : جُعِلْتُ فداك ، إنّ اُناساً يزعمون أنّ أباك حيّ ، فقال : كذبوا لعنهم الله ، ولو كان حيّاً ما قُسِمَ ميراثُهُ، ولا نُكِحَ نِساؤُهُ؛ ولكنّهُ والله ذاقَ الموتَ كما ذاقه عليّ بن أبي طالب (ع) »(121). وواصلَ الامامُ السّيرَ مُتّجهاً إلى ( مرو ) عاصمة المأمون العباسي ، باتجـاه بلاد فارس ، حتّى وصل نيسابور . سارَ وقلوبُ الناس تشيِّعُهُ وتسيرُ معه وتتعلّق به أينما حلّ ، وحيثما ارتحل ، فقد ذكر المؤرِّخون أنّ الامام كان يُحتفى به ويُستقبَل في الاهواز وفي نيشابور؛ فقد حدّث عبدالسّلام بن صالح أبو الصّلت الهروي ، قال : « كنتُ مع عليّ بن موسى الرضا (ع) حين رحل من نيسابور وهو راكب بغلةً شهباء ، فاذا محمّد بن رافع وأحمد بن الحرث ويحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وعدّة من أهل العلم قد تعلّقوا بلجام بغلته في المربعة ، فقالوا : بحق آبائك الطاهرين حدّثنا بحديث سمعته من أبيـك ، فأخرجَ رأسَهُ مِنَ العمارية وعليه مطرفُ خزٍّ ذو وجهين، وقال: حدّثنا أبي ، العبد الصالح ، موسى بن جعفر ، قال : حدّثني أبي الصادق جعفر محمد بن محمّد قال : حدّثني أبي أبو جعفر بن عليّ باقر علوم الانبياء ، قال : حدّثني أبي عليّ بن الحسين سيِّد العابدين ، قال : حدّثني أبي سيِّد شباب أهل الجنّة الحسين (ع)، قال: حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب (ع) قال : سمعت النبيّ يقول : سمعت جبرئيل يقول : قال الله جلّ جلاله: (إنِّي أنا الله لا إله إلاّ أنا فَاعْبُدوني، مَنْ جاءَ منكم بشهادةِ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ بالاخلاصِ دَخَلَ في حصني، ومَن دَخَلَ في حصني أمِنَ عذابي) »(122).
|
|