سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)


ولاية العهد

لقد كان المخرج من الازمة السياسية الّتي أحاطت بالمأمـون حسب تصوّره هو مخاطبة الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) بقبول ولاية العهد والمشاركة في إدارة شؤون الدولة،ليضُمَّ إليه قُوَى المعارضة ويجمع جناحي القوّة ـ العلوية والعباسية ـ بيده كما تصوّر.
ولبعضِ الكتّابِ والمؤرّخين آراءٌ اُخرى في تفسير البيعة ونقل المأمون للخلافة من بني العباس إلى آل عليّ بن أبي طالب (ع) ، وهو تشيّع المأمون لاهل البيت (ع) وتأثّره بشخصية الامام الرضا (ع) ، لأنّه كان أعلمَ وأورعَ وأكفأَ أهل عصره ... إلخ ، كما بيّن ذلك في نصّ العهد .
إلاّ أنّ الدلائل تشير إلى رجحان الرأي الاوّل ، أي أنّ ما فعله المأمون كان خطّةَ عمل سياسي تستهدفُ تهدئةَ الاوضاعِ ، وامتصاص روح الثورة والنقمة .
ذكر المؤرِّخون أنّ المأمون لمّا أراد أن ينفّذ خطته هذه : «أحضر الفضلَ بن سهل وأخبرهُ بما عزم عليه ، وأمر بمشاورة أخيه الحسن في ذلك ، فاجتمعا وحضرا عند المأمون فجعل الحسن يُعَظِّم ذلك ويُعرِّفه ما في إخراج الامر عن أهل بيته ، فقال المأمون : عاهدتُ اللهَ أنِّي إنْ ظفرتُ بالمخلوع سلّمتُ الخلافة إلى ذي فضل من بني آل أبي طالب ، وهو أفضل ، ولا بدّ من ذلك ، فلمّا رأيا تصميمَهُ وعزيمَتَهُ على ذلك أمسكا عن مُعارضته ، فقال : تذهبان الآن إليه ، وتُخْبِرانِهِ بذلك عنِّي وتُلْزِمانِهِ به،فذهبا إلى الرضا(ع)،وأخبراه بذلك،وإلزام المأمون له بذلك فامتنع،فلم يزالا به حتّى أجابَ على أنّه لا يأمرُ ولا ينهى ولا يولِّي ولا يعزِلُ ولا يتكلّمُ بين اثنين في حكم ولا يُغيِّرُ شيئاً هو قائمٌ على اُصولِهِ،فأجابه المأمون إلى ذلك»(126).
وذكر أبو الفرج الاصفهاني مثل هذا القول وأضاف عليه : « أنّ المأمون وجّه إلى جماعة مِن آل أبي طالب ، فحملهم إليه من المدينة وفيهم عليُّ بن موسى الرضا (ع) فأخذَ بهم على طريق البصرة حتّى جاؤوه بهم ، وكان المتولي لاشخاصهم المعروف بالجلودي ، من أهل خراسان فقدم بهم على المأمون ، فأنزَلَهُم داراً ، وأنزلَ عليّ بن موسى الرضا (ع) داراً ، ووجّه إلى الفضل بن سهل ، فأعلمه أنّه يُريدُ العقدَ له ، وأمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك، ففعل واجتمعا بحضرته، فجعل الحسن يُعظِّم ذلك عليه ، ويُعرِّفه ما في إخراجِ الامرِ مِن أهلِهِ إليه .
فقال له: إنِّي عاهدتُ اللهَ أنْ اُخرِجَها إلى أفضل آل أبي طالب إنْ ظفرتُ بالمخلوع، وما أعلم أحداً أفضل مِن هذا الرّجل ، فاجتمعا معه على ما أراد فأرسلهما إلى عليّ بن موسى الرضا (ع) ، فعرضا ذلك عليه فأبى ، فلم يزالا به وهو يأبى ذلك ويمتنع منه إلى أن قال له أحدهما : إنْ فعلتَ وإلاّ فعلنا بِكَ وصنعنا ، وتهـدّده ، ثمّ قال له أحدهما : والله أمرني بضربِ عُنُقِكَ إذا خالَفتَ ما يُريد .
ثمّ دعا به المأمون فخاطبه في ذلك فامتنع ، فقال له قولاً شبيهاً بالتهديد ، ثمّ قال له : إنّ عمر جعل الشورى في ستّة أحدهم جدّك ، وقال : مَنْ خالف فاضربوا عنقه ، ولا بُدّ مِن قبول ذلك ، فأجابه عليّ بن موسى إلى ما التمس» (127) .
إنّ المتأمِّل في هذه النصوص التاريخية وفي الظّروف والاوضاع السياسية يُدرِكُ أنّ الامام الرضا (ع) كان يُدرِكُ الخطّة السياسية للمأمون ، وأنّه لم يكن مطمئناً إليها ، لذلك ثبّت في الشّرط : «أنّه لا يأمرُ ولا ينهى ، ولا يُولِّي ولا يعزل ، ولا يتكلّم بين اثنين في حكم ، ولا يُغيّر شيئاً هو قائم على اُصوله» .
وكان يعرف ما تؤول إليه الاُمور وينتهي إليه تفكير المأمون ، وأوضح ذلك لاحد خاصّته .
فقد ذكر الشيخ المفيد عن المدائني : «لمّا جلس الامام الرضا عليّ بن موسى (ع) في الخلعِ بولاية العهد قام بين يديه الخطباءُ والشّعراءُ ، وخفقتِ الالويةُ على رأسه ، فذكرَ عن بعض من حضر ممّن كان يختص بالرضا (ع) أنّه قال : كنتُ بين يديه في ذلكَ اليوم ، فنظرَ إليَّ وأنا مُستبشِر بما جرى ، فأومأ إليَّ أنْ اُدنُ ، فدنوتُ منه ، فقال لي مِنْ حيث لا يسمعه غيري : لا تشغلْ قلبك بهذا الامر ولا تستبشرْ له ، فإنّه شيء لا يتمّ» (128) .
وهكذا نجد أنّ الامام اضطرّ تحت التهديد لقبول البيعة ، ولكي لا يتحمّل شيئاً مِن تبعات الحكم ، ويشترط القبول الرّمزي دون التدخّل في شيء أو تحمّل أيّة مسؤولية في الدولة .
وحين قبل الامام الرضـا (ع) ولاية العهد في وضعها الرّمزي الّذي حدّده هو بنفسه راحَ المأمونُ يُعلِنُ هذا النّبأ العظيم ، ويَنشرُهُ في أرجاءِ البلاد الاسلامية .
وجلس المأمون يوم الخميس في ديوان الخلافة ، وأمر وزيره الفضل بن سهل أن يخرج للناس يعلنُ لهم عن قرار المأمون ورأيه في الامام الرضا (ع) وعزمه على البيعة بولاية العهد من بعده ، وأنّه سمّاه « الرضا » .
وأبلغهم أنّ المأمون يأمر بإبدال الشعار العباسي ـ لباس السّواد ـ بالشّعار الاخضر ولبس الثِّياب الخضر .
وأعلنَ لهم عن عزمِ الخليفة عن صرفِ مرتّب سنوي كامل بهذه المناسبة السعيدة، ثمّ طلب منهم أن يعودوا في الخميس القادم ليُبايعوا الامام الرضا (ع)، وجلس المأمون وإلى جانبه الامام الرضـا (ع) في الموعدِ المُحدّد للبيعـة ، وأقبلَ القوّادُ والوجهاء والقضاة وهم يلبسونَ الملابسَ الخُضر .
فأمر المأمونُ ولدهُ العباس ليكون أوّلَ المُبايعين ، فقامَ وبايعَ الامامَ الرضا (ع) بولايةِ العهد .
فرفعَ الرضا (ع) يده وقد جعل باطِنَها إلى الناس وظاهرها مقابل وجهه ، فقال له المأمون ابسط يَدَكَ للبيعةِ ، فقالَ له : إنّ رسول الله (ص) هكذا كان يُبايَعُ ، فبايعه الناس(129) .
وهكذا كانت مراسيم البيعة حافلة بالاجلال والعناية واهتمامات المأمون ، فتوافدَ الشّـعراء والخُطـباء والمتكلِّمون والمهنِّـئون ، وبُذِلَتِ الامـوالُ والهدايا والاُعطيات والمرتبات .
وتمّت البيعة في رمضان سنة إحدى ومائتين للهجرة .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com