قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)
الامام (عليه السلام) وصلاة العيد
تقبّل الامام الرضا (ع) ولاية العهد بالشروط والرُّؤَى الّتي اشترطها وكان يراها ، واستقرّ في (مرو) وتسلّم ولاية العهد على أن لا يتدخّل في شؤون السلطة ، محدِّداً دوره أنّه لا يمكن أن يقرّ مثل سلطة المأمون لئلاّ يشاركه في سياستها ، ثمّ أنّه يعلم أنّ الامر لا يمكن أن يتمّ له فعلاً ليتوقّع انتقال الخلافة من بعد المأمون إلى أهل البيت (ع) ليمارس دوره إماماً وخليفةً شرعيّاً للمسلمين . كما انّه يؤمن ويعلم انّه هو صاحب الحق بالامامة والخلافة فلا يمكن أن يرضى بتعيين المأمون وتنصيبه ، إلاّ أنّ هذا الايمان لا يمنعُهُ مِن تسلّم زمام الاُمور لو استطاع أن يتسلّمها فعلاً ويُجري السياسةَ كما ينبغي لها أن تجري على يدِهِ وفقَ كتاب الله وسنّة نبيِّه ـ كما حدّد ذلك بنصّ ولاية العهد ـ، على أنّ مَوْقِعَهُ الّذي لم يتجاوَب معه كان يؤهِّلُهُ لصدِّ بعضِ المظالم وتحقيق بعض المصالح ، فهو موقعٌ سياسيٌّ مُناسِب لممارسةِ الامرِ بالمعروفِ والنهي عن المُنكرِ بصورة تُحقِّقُ قدراً من المصلحة لابناء الاُمّة ، وهو بعد ذلك مجال للتعريف بشكل واضح ومكشوف بمقام أهل البيت (ع) ، وإيصال الصّوت إلى مَن كانتِ السِّياسةُ تحولُ دونَ إيصال الصّوت إليه . ولقد حدّثنا التاريخ أنّ موقفاً إعلامياً ضخماً حدث لمصلحة الامام أيّام تولِّيه لولاية العهد ولصالح أهل البيت (ع) الميامين ، ولقد كشف هذا الموقف عن النوايا الحقيقية للمأمون وتخوّفه من الامام الرضا (ع)، وبينَ حقيقةَ ما يستهدف المأمونُ مِن عمليّةِ البيعةِ وتقريبِ الامام الرضا (ع) ، وهي استقطاب الرأي العام الموالي لاهل البيت وسدّ بُركان الثورات العلوية الّذي ما برحَ يَقذِفُ بِحِمَمِ الدّم والصِّراع بشكل أصبح يُشكِّل خطراً حقيقيّاً على الخلافة العباسية، ويُسبِّب لها إرهاقاً واضطراباً سياسيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً حادّاً ، والحديثُ كما يرويه المؤرِّخون هو أنّ المأمون بعد أن ثبّت للنّاسِ وأبلغَ الآفاقَ والاقطارَ بالبيعة ، أرادَ مِنَ الامام أنْ يُمارِسَ عملاً فعليّاً يتعرّف الناس مِن خلاله إلى مباشرة الامام لبعضِ مهام الدولة ، فطلبَ مِنَ الامام أنْ يقيم في النّاس صلاة العيد ، فاعتذرَ الامام عن إقامةِ الصّلاةِ وذكّر المأمون بنصِّ العهد الّذي وردَ فيه اعتذار الامام عن ممارسة أيّ شأن من شؤون الدولة ، فرفضَ المأمون ذلك وأصرّ على رأيه وشدّد في الطلب على الامام في إقامة صلاة العيد ، فوجدَ الامام نفسَهُ مُحرَجاً أمامَ هذا الالحاح والاصرار فاستجاب للطّلب وخرج ، ولذا كان خروجه مفاجأةً لجماهير الاُمّة ووجهائها وعلمائها ورجال الدولة المحتشدين في موكب الصّلاة . كما أنّ الامام كانَ قد خرجَ بهيئةِ الخاشِعِ المُتَبتِّلِ ، المُتّجهِ إلى الله سبحانه ، بعيداً عن مظاهر الاُبّهةِ والمُلْكِ والسّلطان ، خلافاً لما ألِفَهُ النّاسُ وعرفوه في مثل هذه المناسبات ، فكان عليه جلالُ الامامة وهيبةُ الاولياء ، وقدسيّة الانتساب إلى رسول الله (ص) ، فأثّرَ الموقفُ في جموع المصلِّين المحتشدة ، وأثارَ عواطفهم وذكّرهم بهيئتِهِ هذه برسولِ اللهِ (ص) وسيرتِهِ في المُسلمين ، فاضطربَ الموقفُ وتفاعلَ المُصلّون معَ الحدث الكبير تفاعلاً شديداً ، وانشدُّوا إلى الامام (ع) ، وتعلّقت به القلوبُ واشرأبّت نحوه الاعناقُ ، وتحوّلت (مرو) إلى تظاهرة صاخبة تُعْلِنُ عن الولاءِ لاهلِ البيتِ (ع) وتزخرُ بالحبِّ والوفاءِ لهم . فأثارَ هذا الموقف مخاوف البلاط وأركان السلطة ، وفي مقدّمتهم الفضل بن سهل ذو الرئاستين أحد وزراء المأمون ، فتوجّه خائفاً فزعاً ممّا رأى بالمشورة إلى الخليفة العباسي ، وطلب منه أن يعيد الامام ، وأنْ يحولَ بينه وبين إقامة الصّلاة ، فقد أرعَبَهُ الموقفُ ، وتجسّدت أمامهُ بدايةُ تمركز شخصيّة الامام وتألّق نجمه السياسي . والجدير بالذِّكر أنّ ذا الرئاستين كان ممّن يناوئون الامام الرضا (ع) ومِنَ الكارهين لنقلِ ولايةِ الامرِ إليه . فتقبّل المأمون نصيحة ذي الرئاستين وطلبَ مِنَ الامام الرضا (ع) العودة والرّجوعَ، فتركَ الامامُ النّاسَ وعادَ قبل أنَ تُقامَ الصّلاةُ. ولكي ننقل صورة حيّة للقارئ الكريم عن الموقف والمشهد كما وصفه المؤرّخون وذكره أرباب السير والرواية فلنسجِّلِ النصَّ التاريخيَّ الّذي رواهُ الشّيخ الصّدوق، قال رضوان الله عليه : « فلمّا حضر العيد ، بعث المأمون إلى الرضا (ع) يسأله أنْ يركبَ ويحضُرَ العيدَ ، ويخطبَ ليُطَمْئِنَ قلوبَ الناس ، ويعرفوا فضله وتقرّ قلوبهم على هذه الدولة المباركة ، فبعث إليه الرضا (ع) وقال : قد علمتَ ما كان بيني وبينك مِنَ الشّروطِ في دخولي في هذا الامر ، فقال المأمون : إنّما أريدُ بهذا أن يرسخَ في قلوب العامّة والجند والشّاكريّة هذا الامر فتطمئنّ قلوبهم ويقرّوا بما فضّلك الله به ، فلم يزل يردِّد الكلام في ذلك ، فلمّا ألحَّ عليه قال : يا أمير المؤمنين ! إنْ أعْفَيْتَني مِن ذلك فهو أحبُّ إليَّ ، وإنْ لم تعفني خرجتُ كما كان يخرجُ رسولُ الله (ص) وكما خرجَ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) فقال المأمون : اُخرج كما تحبّ . وأمرَ المأمون القوّادَ والنّاسَ أنْ يُبكِّروا إلى بابِ أبي الحسن الرضا (ع) ، فقعد الناسُ لابي الحسن الرضا (ع) في الطّرقات والسّطوح مِنَ الرِّجال والنِّساء والصِّبيان واجتمعَ القوّاد على بابِ الرضا (ع) ، فلمّا طلعتِ الشّمسُ قامَ الرضا (ع) فاغتسلَ وتعمّمَ بعمامة بيضاء مِن قطن وألقى طرفاً منها على صدرِهِ وطرفاً بين كتفيهِ وتشمّرَ ثمّ قال لجميع مواليه : افعلوا مثلَ ما فعلتُ ، ثمّ أخذَ بيدِهِ عكّازةً وخرجَ ونحنُ بينَ يديهِ وهو حاف قد شمّرَ سراويلَهُ إلى نصفِ السّاقِ وعليهِ ثيابٌ مُشمّرة . فلمّا قام ومشينا بينَ يديهِ رفعَ رأسَهُ إلى السّماءِ وكبّر أربعَ تكبيرات ، فخُيِّلَ إلينا أنّ الهواءَ والحيطانَ تُجاوِبُهُ ، والقوّاد والنّاس على البابِ قد تزيّنوا ولبسوا السِّلاح وتهيّأوا بأحسنِ هيئة ، فلمّا طلعنا عليهم بهذه الصّورة حُفاة قد تشمّرنا وطلعَ الرضا (ع) ووقفَ وقفةً على الباب قال : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبرُ على ما هدانا ، الله أكبرُ على ما رزقَنا مِن بهيمةِ الانعام ، والحمدُ للهِِ على ما ابتَلانا ، ورفعَ بذلك صوتهُ ورفعنا أصواتنا فتزعزعتْ مرو مِنَ البكاء والصِّياح فقالها ثلاثَ مرّات ، فسقطَ القوّادُ عن دوابِّهم ورموا بِخِفافِهِم لمّا نظروا إلى أبي الحسن (ع) ، وصارَتْ مرو ضجّةً واحدة ، ولم يتمالَكِ الناسُ مِنَ البُكاءِ والضّجيج ، وكان أبو الحسن (ع) يمشي ويقف في كلِّ عشر خطوات وقفة ، فكبّر الله أربع مرّات فتُخيّل إلينا أنّ السّماء والارض والحيطان تُجاوبه ، وبلغَ المأمون ذلك ، فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين : يا أمير المؤمنين ! إنْ بلغَ الرضا المُصلّى على هذا السّبيل افتَتَنَ بهِ النّاس ، فالرّأي أنْ تسألَهُ أنْ يرجِعَ ، فبعثَ إليه المأمون ، فسألَهُ الرّجوعَ ، فدعا أبو الحسن (ع) بِخُفِّهِ فَلبسَهُ ورَجَع » (135) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|