سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)


بين يدي الامام (عليه السلام)

الامام محمّد (الجواد) بن عليّ (الرضا) بن موسى (الكاظم) بن جعفر (الصادق) بن محمّد (الباقر) بن عليّ (زين العابدين) بن الحسين السبط الشهيد ، بن عليّ بن أبي طالب (ع) وأُمّ الامام الحسين هي فاطمة الزّهراء بنت رسول الله (ص).
فالامام الجواد (ع) فرع من تلك الشجرة المحمّدية المباركة ، وامتداد لسلسلة أهل البيت (ع) المطهّرة : ولد في شهر رمضان سنة (195 هـ ) في المدينة المنوّرة . وأُمّه نُوبية (من بلاد النوبة)، اسمها (سبيكة) . وذكر آخرون رواية اُخرى في ولادة الامام الجواد، جاء فيها أنّه ولد في شهر رمضان من سنة خمس وتسعين ومائة ، لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر ، وقيل للنصف من ليلة الجمعة .
وروى الخطيب البغدادي :
« مضى محمّد بن عليّ ، وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وثلاثة أشهر ، واثني عشر يوماً ، و كان مولده سنة مائة وخمس وتسعين من الهجرة » (1) .
لقد أورد كثير من المؤرّخين والرواة ولادته ، انّه ولد في شهر رمضان ، من سنة (195 هـ ) كما أورد آخرون أنّ ولادته كانت في شهر رجب ، من تلك السنة .
أمّا الشيخ الكليني ، فيتحدّث عن ولادة الجواد (ع) بقوله :
« وُلِدَ (ع) في شهر رمضان من سنة خمس وتسعين ومائة ، وقبضَ سنة عشرين ومائتين في آخر ذي القعدة ، وهو ابن خمس وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوماً ، ودُفِنَ ببغداد في مقابر قريش ، عند قبر جدّه موسى (ع) ، وقد كان المعتصمُ أشخصَهُ إلى بغداد في أوّل هذه السنة الّتي توفي فيها (ع) ، واُمّه اُم ولد يقال لها سبيكة، نوبية ، وقيل إنّ اسمها كان خيزران ، وروي أنّها كانت من أهل بيت مارية ، أُم إبراهيم بن الرسول (ص) » (2) .
ولد الامام الجواد (ع) في المدينة المنوّرة ، مدينة جدّه رسول الله (ص) ، في كنف أبيه الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) ، الّذي كان يتمتع بأخلاق الامامة ، وعلوّ المقام ، وموقع القيادة في الاُمّة ، وطول الباع في علوم الشريعة وأحكامها . وكانت أُمّ الجواد ـ كما تجمع الروايات ـ جارية لأبيه الامام الرضا (ع) .
كانت ولادته في فترة حافلة بالأحداث والظروف السياسية ، في مرحلة الصراع وتوتر الأحداث في الخلافة العباسية ، بين الامين والمأمون ، ابني هارون الرشيد ، فكانت ولادته سنة (195 هـ ) ، في السنة الّتي بويع فيها المأمون ، وخلع أخاه الامين ، ولمّا يزلِِ الامينُ ماسكاً ببعض أطراف السلطة .
ولم تكن تلك الأحداث السياسية وظروف الصراع بين الأخوين الحاكمين العباسيين ، لتنتهي دون أن تنعكس آثارها على حياة الامام الرضا (ع) والد الامام الجواد (ع) ، وبالتالي على حياة الجواد نفسه ، فقد كان الامام الرضا في مدينة جدّه رسول الله (ص) محط أنظار المسلمين ، من علماء وفقهاء وساسة وجماهير شعبية ، لذلك توجّه نظر المأمون السياسي إليه ، فاستدعاه إلى عاصمة خلافته (مرو) سنة (200 هـ ) ، وجعله ولياً للعهد ، لتنتقل الخلافة إليه بعد حياة المأمون .
فاضطرّ الامام الرضا (ع) أن يترك المدينة المنوّرة ، ويتوجّه إلى مرو ويتقبّل العرضَ ، بعد رفض وامتناع ، إلاّ أنّه قَّبْلَ أنْ يتوجّه إلى مرو اصطحبَ معه وَلَدَهُ الامام الجواد (ع) وانطلق من المدينة إلى مكّة ، ليزورَ معه البيتَ الحرام ويودِّعَهُ .
ولقد طاف الامام الرضا (ع) حول البيت ، وطاف معه ولده الجواد ، الّذي كان عمرُهُ الشريفُ نحو أربعِ سنوات آنذاك ، يحملُهُ الخادمُ على كتفه ، لصغر سنه ، وفي هذا الموضوع تحدّث أبو الفتح الاربلي في كتاب كشف الغمة في معرفة الائمّة فقال :
« من دلائل الحميري ، عن اُميّة بن عليّ قال : كنت مع أبي الحسن ـ أي الرضا (ع) ـ بمكّة ، في السنة الّتي حجّ فيها ، ثمّ صارَ إلى خراسان ، ومعه أبو جعفر (الجواد) ، وأبو الحسن يودِّع البيتَ ، فلمّا قضى طوافهُ ، عَدَلَ إلى المقام ، فصلّى عنده ، فصار أبو جعفر على عُنق مُوَفّق يطوف به، فصار أبو جعفر إلى الحجر ، فجلس فيه ، فأطال ، فقال له موفق : قم جُعلتُ فداك ، فقال : (ما أريدُ أنْ أبرحَ من مكاني هذا ، إلاّ أنْ يشاء الله) ، واستبانَ في وجهِهِ الغمَُ . فأتى موفقُ أبا الحسن ، فقال له : جُعلتُ فداك ، قد جلس أبو جعفر في الحِجر ، وهو يأبى أنْ يقومَ . فقام أبو الحسن ، فأتى أبا جعفر ، فقال : (قم يا حبيبي) . فقال : (ما أريدُ أنْ أبرحَ مِن مكاني هذا) . فقال : (بلى ، يا حبيبي) . ثمّ قال : (كيف أقومُ وقد ودّعْتَ البيتَ وداعاً لا ترجعُ إليه ؟ ) . فقال له : (قمْ يا حبيبي) . فقام معه » (3) .
لقد أحسّ الجواد بعقله الكبير وروحه اليقظة ، لوعَهَّ الفراق ومرارةَ البُعد عن أبيه ، وأدرك أنْ لا لقاء بعد اليوم بينهما .
فتجسّدت أحاسيسُ اللوعة والفراق غمّاً يحكي على وجهه الطلق تلكَ المشاعر والاحاسيس ، وقد ارتسمت أمام ناظريه غيبة أبيه الّتي لا لقاء بعدها ، ساعة رآه يودع البيت الحرام ، وداعَ مَن لا يعود .
لقد عبَّر الامام الصبي عن تعلّقه بأبيه ، بإصراره على البقاء في أحضان الحِجر المقدّس ، وهو يقول لأبيه : « كيف أقومُ ، وقد ودّعتَ البيتَ وداعاً لا ترجعُ إليه » ، شقّ عليه أن يعودَ وحيداً إلى المدينة ، ويفارق أباه الّذي قرأ في رسالة وداعه للبيت الحرام أنّه لن يَعودَ .
انتهت لحظاتُ الوداع ، وحانت ساعة الفراق ، وعاد الامامُ الصبي إلى المدينة ، يحملُ أشواقَ الحُبّ ، وتَعلُّقَ الابنِ بأبيه ، وتوجّه أبوه إلى مَرو وقلبُهُ يتلفَّتُ نحو المدينة ، ويتابعُ ركبَ الجواد الحبيب .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com