سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)


إمامة محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)

إنّ خط الامامة الّذي ترسخت معالمه وأبعاده ، واتّضحت جزئياته وتفصيلاته ، حتّى غدا نظريةً ومنهجاً سياسياً في مدرسة أهل البيت (ع) وتيارهم الفكري والسياسي ـ الّذي يشمل أوساط أتباعهم بصورة خاصّة ، وسائر فئات الاُمّة بصورة عامّة ـ قد أحاطت به أثناءَ انتقال الامامة إلى الامام محمّد الجواد (ع) مشكلةٌ خطيرة ، فقد ثار الجدل والحوار حول شخصية الامام (الجواد) محمّد بن عليّ الرضا (ع) ، بسبب صغر سنه وعدم بلوغه ، فقد كان صبياً ، عمره نحو سبع سنوات يومَ توفِّي أبوه ، وقد سجّلت لنا كتب التاريخ والسير جانباً من تلك المناظرات حول شخصية الامام ، ولياقته في هذه السن للامامة ، وذكرتْ تفرُّقَ بعض أتباع أهل البيت (ع) عن الامام الجواد (ع) . وفيما يأتي نتناولُ جانباً من هذه النصوص الوثائقية ، لننتهي معها إلى ما انتهت إليه مِن تثبيت إمامةِ الامام محمّد الجواد (ع) ، فقد كتبَ الشيخُ المفيد ، وهو من أعاظم علماء أهل البيت (ع) في القرن الرابع للهجرة تحليلاً لذلك بقوله :
« ثمّ أنّ الامامة استمرّت على القول بأُصول الامامة طوال أيّام أبي الحسن الرضا (ع) ، فلمّا توفِّي ، وخَلَّفَ ابنَهُ أبا جعفر (ع) ، وله عند وفاة أبيه سبع سنين ، اختلفوا وتفرّقوا ثلاث فرق : فرقة مضت على سنن القول في الامامة ، ودانت بإمامة أبي جعفر (ع) ، ونَقَلَتِ النصَّ عليه ، وهي أكثر الفرق عدداً ، وفرقة ارتدت إلى قول الواقفة ، رجعوا عمّا كانوا عليه من إمامة الرضا (ع) ، وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى(17) وزعموا أنّ الرضا (ع) وَصّى إليه ، ونصَّ بالامامة عليه . واعتل الفريقان الشاذان عن أصل الامامة بصغر سن أبي جعفر (ع) ، وقالوا ليس يجوز أن يكون إمامُ الزمان صبياً ، لم يبلُغِ الحلمَ ، فيقال لهم ما سوى الراجعة إلى التوقيف ، كما قيل للواقفة ، ولو بأيّ دليل شئتُم على إمامة الرضا (ع) ، حتّى نُريكم بمثلِهِ إمامةَ أبي جعفر (ع)، فإنّ الواقفةَ قطعتْ بمثله في نقل النص على أبي الحسن الرضا (ع) ، ولا فصل في ذلك . على أنّ ما اشتبهَ عليهم من جهة سنّ أبي جعفر (ع) ، فإنّه بيّنُ الفساد ، وذلك أنّ كمال العقل لا يستنكر لحججِ الله تعالى مع صغر السن . قال الله سبحانه : (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ) فخبّر عن المسيح (ع) بالكلام بالمهد ، وقال في قصّة يحيى (ع) : (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ) . وقد أجمعَ جمهورُ الشيعة مع سائر مَن خالفهم على أنّ رسول الله(ص) دعا عليّاً (ع)(18)، وهو صغير السن، ولم يَدْعُ الصبيانَ غيره ، وباهَل (19) بالحسن والحسين (ع) ، وهما طفلانِ ، ولم يُرَ مُباهِلٌ قبلَهُ ، ولا بعدَهُ ، باهَلَ بالاطفال ، وإذا كان الامر على ما ذكرناه من تخصيص الله تعالى حُجَجَهُ على ما شرحناه ، بطُلَ ما تعلّق به هؤلاء القوم ، على أنّهم إن أقرّوا بظهور المعجزات على الائمّة (ع) وخرق العادة لهم ، وفيهم بَطُلَ أصلُهُمُ الّذي اعتمدوا عليه في إنكار إمامة أبي جعفر (ع) » (20) .
إنّ المتأمّل في النص الّذي أوردناه آنفاً ، يرى بوضوح الاضطراب الّذي حصل في المرحلة الانتقالية ، مرحلة انتقال الامامة من الامام الرضا (ع) إلى ولده أبي جعفر محمّد الجواد (ع) .
وقد اهتمّت قطاعات واسعة من العلماء والمحدِّثين والجماهير بهذه القضيّة الخطيرة، فالمسلمون جميعاً يعلمونَ أنَّ خطّ الامامة جارٍ في أهل البيت (ع) ، وأنّ الامام عليّ أبن موسى الرضا (ع) الّذي كان من أشهر العلماء والقادة السياسيين في عصره ، وهو ولي عهد الخلافة مِن بعد المأمون العباسي قد توفِّي ، فمن هو الامام من بعده ؟ فكان الجميع يتساءل ، والكلُّ يشعرُ بالفراغ ، لِصَغرِ سنّ ولده محمّد الجواد (ع) ، إلاّ قلّة من خُلّص أهل البيت (ع) والعارفين بحقائق الامور.
لذا كان اتباع اهل البيت(ع) بمختلف مستوياتهم وفئاتهم ، يجتمعون ويتحاورون في شؤون الامامة ، وشخصية الامام من بعد عليّ بن موسى الرضا (ع) .
نقل لنا الشيخ المجلسي عن كتاب (عيون المعجزات) وصفاً لبعض ما كان يجري في تلك الفترة الحرجة من عمر الامامة ، ضمن النص الآتي :
« وكان وقتُ الموسم ، فاجتمعَ مِن فقهاء بغداد والامصار وعلمائهم ثمانون رجلاً ، فخرجوا إلى الحجّ ، وقَصدوا المدينةَ ، ليشاهدوا أبا جعفر (ع) ، فلمّا وفدوا أتوا دار جعفر الصادق (ع)، لأنّها كانت فارغة، ودخلوها، وجلسوا على بساط كبير، وخرج إليهم عبدالله بن موسى ، فجلس في صدر المجلس ، وقام مناد وقال : هذا ابن رسول الله (ص) ، فمن أراد السؤالَ فليسأله ، فَسُئِلَ عن أشياء أجابَ عنها بغير الواجب ، فورد على الشيعة ما حيّرهم وغمّهم، واضطربتِ الفقهاء ، وقاموا ، وهمّوا بالانصراف، وقالوا في أنفسهم ، لو كان أبو جعفر (ع) يكملُ لجوابه المسائل لما كان من عبدالله ما كان ، ومن الجواب بغير الواجب .
فَفُتِحَ عليهم بابٌ مِن صدر المجلس ، ودخلَ موفّق ، وقال هذا أبو جعفر (ع) ، فقاموا إليه بأجمعهم ، واستقبلوه ، وسلّموا عليه ، فدخلَ صلوات الله عليه ، وعليه قميصان وعمامة بذؤابتين ، وفي رجليه نعلان ، وجلسَ ، وأمسكَ الناسُ كلّهم ، فقام صاحب المسألة ، فسأله عن مسائله ، فأجاب عنها بالحقِّ ، ففرحوا ودعوا له ، وأثنَوا عليه ، وقالوا له : إنّ عمّك عبدالله أفتى بكيت وكيت ، فقال : (لا إله إلاّ الله ، يا عمّ ! إنّه عظيمٌ عند الله أن تقفَ غداً بين يديه ، فيقول لك : لِمَ تُفْتي عبادي بما لم تعلم ، وفي الاُمّة مَن هو أعلم منك؟ ) »(21) .
وفي حديث عليّ بن جعفر عمّ الامام الرضا تصوير لتلك المعضلة ، وإثبات إمامة الجواد (ع) ، خصوصاً وأنّ عليّ بن جعفر قد عاصر أخاه الامام موسى بن جعفر (ع)، وابن أخيه الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) ، وعاصر الجواد بن الرضا ، فقد رُوي عنه قوله :
« لقد نصر الله أبا الحسن الرضا (ع) لمّا بغى إليه إخوته وعمومته ، وذكر حديثاً حتّى انتهى إلى قوله : فقمت وقبضت على يد أبي جعفر محمّد بن عليّ الرضا (ع) وقلت : أشهد أنّك إمامي عند الله » (22) .
إنّ هذه الوثيقة ، والاُخرى الّتي سبقتها ، وكثيراً أمثالها ، تبيّن لنا بوضوح الاهتمام الشديد والاضطراب الّذي حصل في موضوع الامامة بعد وفاة الامام الرضا (ع) ، وكما هو واضح من السن الّتي كان فيها الامام محمّد الجواد (ع) ، فإن أباه الامام عليّ بن موسى الرضا (ع) لم يُرزقه إلاّ في السنين الاخيرة من حياته ، وقد شكّل ذلك قلقاً لبعض أتباع أهل البيت (ع) على مصير الامامة بعد الامام الرضا (ع) ، وكانوا يسألونه في كل مناسبة يلتقون فيها بالامام الرضا (ع) ، فكان يطمئنهم أنّ الامام من بعده هو ولده ، وأنّه سيُرزق ذلك الولد ، وحين ولد الامام محمّد الجواد (ع) ، كانت الاسئلة ذاتها تنصب بين يدي الامام الرضا لمعرفة مَن هو الامام بعد الرضا (ع) ؟ أليس محمّد الجواد (ع) صبياً ؟ فكيف يتحمّل أعباء الامامة وشؤونها مَن كان في هذه السن ؟ فكان الامام الرضا (ع) يؤكِّد أنّ الامام من بعده هو ولده محمّد الجواد (ع) ، وأنّه المؤهّل لذلك .
فقد روى عليّ بن اسباط عن يحيى الصنعائي قال :
« دخلت على أبي الحسن الرضا (ع) ، وهو بمكّة ، وهو يقشّر موزاً ، ويطعم أبا جعفر (ع) ، فقلت له : جُعِلتُ فداك ، هو المولود المبارك ؟ قال : (نعم ، يا يحيى ! هذا المولود الّذي لم يولدْ في الاسلام مثلُهُ مولود أعظمُ بركة على شيعتنا منه) » (23) .
وروى الحاكم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي قال :
« حدّثني محمّد بن يحيى الصولي ، قال : حدّثنا عون بن محمّد قال : حدّثنا أبو الحسين بن محمّد بن أبي عبّاد ، وكان يكتب للرضا (ع) ضمّهُ إليه الفضلُ بنُ سهل ، قال : ما كان (ع) يذكر محمّداً ابنه إلاّ بكنيته ، يقول : (كتب إليَّ أبو جعفر (ع) وكنت أكتب إلى أبي جعفر (ع) ) وهو صبي بالمدينة ، فيخاطبه بالتعظيم ، وتردُ كتبُ أبي جعفر (ع) في نهاية البلاغة والحسن ، فسَمعتُهُ يقول : (أبو جعفر وصيّي وخليفتي في أهلي من بعدي) » (24) .
وروى ابن قولويه ، عن الكليني ، عن الحسين بن محمّد ، عن الخيراني ، عن أبيه ، قال :
« كنتُ واقفاً عند أبي الحسن الرضا (ع) بخراسان ، فقال قائل : يا سيِّدي ! إن كان كونٌ، فإلى مَن(25) ؟ قال : (إلى أبي جعفر ، ابني) ، وكأنّ القائل استصغر سن أبي جعفر، فقال أبو الحسن (ع): (إنّ الله سبحانه بعثَ عيسى رسولاً نبيّاً ، صاحب شريعة مبتدأه في أصغرَ مِن السن الّذي فيه أبو جعفر) » (26) .
وعن معمّر بن خلاّد ، قال : سمعت الرضا (ع) يقول :
« وذكر شيئاً فقال : (ما حاجتُكُم إلى ذلك ، هذا أبو جعفر ، قد أجلستُهُ مجلسي ، وصيّرتُهُ مكاني)، وقال : (إنّا أهلُ بيت يتوارثُ أصاغُرنا عن أكابرِنا القُذّةَ بالقُذّةِ)»(27).
وإذا كانت هذه شهادات بإمامة الجواد من أبيه الامام الرضا (ع) الّذي أجمع العلماءُ والقادةُ والساسةُ وجمهور الاُمّة على فضله وتقدمه في العلم والفضل والتقوى والامامة والسياسة ، حتّى اضطرّ المأمون ، الخليفة العباسي إلى الاعتراف بذلك ، وأن يعقد له البيعة والخلافة من بعده ، فهذا عليّ (28) بن جعفر الصادق ـ عمّ الامام الرضا (ع) ـ ، وأحد الرواة الثقات والعلماء الابرار الّذي شهد رجال العلم والرواية والرجال من مختلف المذاهب ، بنزاهته ووثاقته ، يُقِرُّ بالامامة لابي جعفر ـ محمّد بن عليّ ـ الجواد (ع) .
فعن الحسين بن محمّد ، عن محمّد بن أحمد النهدي ، عن محمّد بن خلاّد الصيقل ، عن محمّد بن الحسن بن عمار قال :
« كنت عند عليّ بن جعفر بن محمّد جالساً بالمدينة ، وكنتُ أقمتُ عنده سنتين ، أكتب عنه ما سمع من أخيه ، يعني أبا الحسن ، إذ دخل عليه أبو جعفر ، محمّد بن عليّ الرضا المسجدَ ، مسجدَ رسول الله (ص) ، فوثب عليّ بن جعفر بلا حِذاء ولا رداء ، فقبّل يدَهُ ، وعظّمَهُ ، فقال له أبو جعفر (ع) : (يا عمّ ! إجلسْ رَحمَكَ اللهُ) . فقال : يا سيِّدي ! كيف أجلس وأنت قائم .
فلمّا رجع عليّ بن جعفر إلى مجلسه ، جعل أصحابُهُ يوبّخونه ، ويقولون : أنت عمُّ أبيه ، وأنت تفعل به هذا الفعل ؟ فقال : اسكتوا ، إذا كان الله عزّ وجلّ ـ وقبض على لحيته ـ لم يؤهّلْ هذه الشيبة ، وأهّلَ هذا الفتى ، ووضعَهُ حيث وضعَهُ ، اُنكِرُ فضلَهُ ؟ نعوذُ بالله ممّا تقولون ، بل أنا له عبدٌ » (29) .
وكما قرأنا مواقف العلماء والفقهاء في اجتماعهم بالامام الصبي في المدينة المنوّرة ، في موسم الحجّ، وإقرارهم بأهليّته للامامة، ونص الامام الرضا (ع) على إمامته، واعتراف العالم المحدِّث عليّ بن جعفر بذلك ، فلنقرأ الآن اعتراف المأمون العباسي بإمامة الجواد (ع) ، حين أقدم على تزويجه من ابنته اُمّ الفضل ، واعتراف قاضي الدولة العباسي في ذلك العصر يحيى بن أكثم، واضطرار وجوه بني العبّاس إلى التسليم له بالتفوّق العلمي، ولياقته للامامة، بعد حضور مجلس المناظرة، بينه وبين يحيى بن أكثم في مجلس المأمون العباسي .
وفيما يلي ننقل نصوصَ الحوار بين المأمون والّذين احتجوا على تزويج المأمون ابنتَهُ(30) من الامام الجواد (ع) :
قال المأمون مخاطباً بني العباس :
« وأمّا ابنه محمّد فاخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والحلم والمعرفة والادب ، مع صغر سنه ، فقالوا : إنّ هذا صبيٌّ صغيرُ السن ، وأيُّ علم له اليوم ، أو معرفة أو أدب، دَعْهُ يتفقّه يا أمير المؤمنين! ثمّ اصنعْ به ما شئتَ. قال: كأنّكم تشكّون في قولي إن شئتُم فاختَبِروه أو ادعوا مَنْ يختبِرُهُ ، ثمّ بعد ذلك لوموا فيه أو اعذروا ، قالوا : وتتركنا وذلك ؟ قال : نعم ، قالوا : فيكون ذلك بين يديك يُتركُ مَن يسألُهُ عن شيء من اُمور الشريعة ، فإنْ أصاب لم يكن في أمره لنا اعتراضٌ ، وظهر للخاصّة والعامّة سديد رأي أمير المؤمنين ، وإنْ عجزَ عن ذلك ، كُفيْنا خطبهُ ، ولم يكن لأمير المؤمنين عذرٌ في ذلك ، فقال لهم المأمون : شأنكم وذلك ، متى أردتم .
فخرجوا من عنده ، واجتمع رأيهم على القاضي يحيى ، ووعدوه بأشياء كثيرة متى قطعَهُ وأخجَلَهُ ، ثمّ عادوا إلى المأمون وسألوه أن يُعيّن لهم يوماً يجتمعونَ فيه بين يديه لِمُساءلته ، فعيّن لهم يوماً ، فاجتمعوا في ذلك اليوم بين يدي أمير المؤمنين المأمون وحضر العباسيون ومعهم القاضي يحيى بن أكثم ، وحضر خواصُّ الدولة وأعيانُها من أمرائها وحجّابها وقوّادها ، وأمر المأمون بأنْ يُفرَشَ لابي جعفر محمّد الجواد فرشٌ حسنٌ ، وأن يُجعَلَ عليه مصوّرتان ، فَفُعِلَ ذلك وخرج أبو جعفر فجلس بين المصوّرتين، وجلس القاضي يحيى مقابله، وجلس الناس في مراتبهم على قدر طبقاتهم ومنازلهم، فأقبل يحيى بن أكثم على أبي جعفر، فسأله عن مسائل أعدّها له، فأجاب بأحسن جواب ، وأبان فيها عن وجه الصـواب ، بلسانٌ ذَلِقٌ ، ووجهٌ طَلِقٌ ، وقلبٌ جسورٌ ، ومنطقٌ ليس بِعَيٍّ ولا حَصور ، فعجِبَ القومُ مِن فصاحة لسانه ، وحسن اتّساق منطقه ونظامه ، فقال له المأمون : أجدتَ يا أبا جعفر » (31) .
وهكذا تُسلِّم المرحلةُ التاريخية ، بما فيها من علماء ، وفقهاء ، وأُمراء ، بالاعتراف بإمامة الامام الجواد (ع)، ليستمِرَّ في مواصلة خط آبائه ، ومسيرته الرسالية ، فيتحمّل أعباء الامامة العلمية والسياسية .
وكما رأينا آنفاً أنّ جمعاً من الفقهاء والعلماء قصدوا الامام (ع) في المدينة المنوّرة بعد وفاة أبيه لمناقشته وهو صبي ، للتأكّد من استحقاقه لمقام الامامة ، وكيف كان يجيب على أسئلة العلماء ، ويتفوّق على الحاضرين ، فيشهدون له بالامامة الّتي قوام استحقاقها العلم والاحاطة بالشريعة .
وقد رأينا أيضاً في باب إمامة الجواد (ع) ، كيف أنّ أباه الامام الرضا (ع) وهو إمام الفقهاء ومرجعهم ، كان يشهد له بالعلم والمعرفة ، كما شهد له بعد ذلك بالتفوّق العلمي الراوي والمحدّث الجليل عليّ بن جعفر .
وذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أنّ الامام روى عنه بطرق مختلفة جملة من الاحاديث ، قال :
« وقد أسند محمّد بن عليّ الحديث عن أبيه » (32) .
وقد اتّسم منهج أئمّة أهل البيت (ع) بالحوار العلمي والنقد الموضوعي النزيه ، وإقامة الحجّة والدليل من كتاب الله ، أو سنّة رسول الله (ص) ، أو الاعتماد على التفكير العقلي السليم .
وقد رأينا كيف أنّ الخليفة المأمون العباسي الّذي عُرِفَ بشغفه بالعلم والفلسفة والكلام ، وبروزه بذلك ، كيف كان معجباً بشخصية الامام العلمية ، ومتأثراً بها ، ممّا دفعه إلى تعظيمه واحترامه، وتزويجه ابنته اُمّ الفضل، وكيف كان يجمع مجلساً من العلماء والمفكِّرين والفقهاء ، أمثال قاضي الدولة العباسي يحيى بن أكثم للحوار والمناظرة العلمية، ويدوم مجلس المناظرة ساعات وأيّاماً ، وتُطرح على الامام المسائل الفكرية والشرعية الخطـيرة ، فيجيب عليها بعلم ومعرفة وبداهة تأخذ بألباب الحاضرين ، وتفرض التسليم لمقامه العلمي .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com