قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)
مقامه العلمي
انّ من يستقرئ سيرة الائمّة من أهل البيت (ع) يجد أنّ كل إمام منهم كان هو البارز من علماء عصره في علوم الشريعة والحياة ، لذا يكون مفزع العلماء ، ومرجع المفكِّرين والفقهاء . فكانت مدرسة أئمّة أهل البيت (ع) من لدن فقيه الاُمّة ، وإمام العلماء(33) ، ومرجع الصحابة ، أبيهم عليّ بن أبي طالب (ع) وحتّى آخر إمام من الائمّة الاثني عشر ، من تلك الذرّية المباركة ، والبيت المطهّر ، فهي إذن مدرسة واضحة المعالم ، محدّدة الاُسس والاركان والمنهج . ساهم الائمّة الاثنا عشر المطهّرون ، والعلماء الّذين تربّوا في مدرستهم ، وحلقات درسهم ، وأخذوا عنهم علوم الاسلام ، ساهموا في إنشاء تلك المدرسة ، وتثبيت أركانها العلمية ، وتوسيع آفاقها ، في التوحيد والتفسير والفقه والحديث وعلوم الفلسفة والكلام واُصول الفقه وغيرها من العلوم والمعارف الاسلامية ، حتّى تميّزت تلك المدرسة العلمية على مرّ العصور،من بين مدارس المذاهب والفرق الاسلامية الاُخرى،بثراء عطائها واستمرار روافدها،في علم التوحيد والفقه والاُصول والحديث ومنهج البحث والتفكير والاستنباط ... إلخ. وهي اليوم أبرز مدرسة ، وأغنى منهج وعطاء علمي في معارف الاسلام ، وعلوم الشريعة قاطبة . وقد ساهم الامام الجواد (ع) طيلة مدّة إمامته الّتي دامت نحو سبعة عشر عاماً في إغناء هذه المدرسة العلمية ، وحفظ تراثها ، والّتي امتازت في تلك المرحلة بالاعتماد على النصّ والرواية عن رسول الله (ص) ، وعلى الفهم والاستنباط من الكتاب والسنّة ، استنباطاً مُلتزِماً دقيقاً ، يكشفُ حقيقةَ المحتوى العلمي لهذين المصدرين ، ويعبِّر عن الحكم الواقعي فيهما ، بالاضافة إلى اهتمامها بالعلوم والمعارف العقلية ، الّتي ساهم الائمّة وتلامذتهم في إنمائها ، وإغنائها ، وتوسيع مداراتها ، حتّى غدتْ صرحاً شامخاً ، وحصناً منيعاً للفكر الاسلامي وللشريعة الاسلامية . ومن الاسس العلمية الّتي قامت عليها هذه المدرسةُ هي : 1 ـ المحافظةُ على تراث النبوّة ، وما حوى مِن رواية وسيرة ، ونقلُهُ أميناً كاملاً ، عبر سلسلة الائمّة من لدن الامام عليّ (ع) وولديه السبطين الشهيدين الحسن والحسين (ع) ، وحتّى آخر إمام منهم ، ونشره بين المسلمين جميعاً ، خصوصاً وأنّ المسلمين مُجمِعون على أمانة أهل البيت ووثاقتهم ، وصدق ما يصدر عنهم . 2 ـ احترام دور العقل في الفهم والتفسير ، وتوظيفه في مجال الفهم والاستنباط الملتزم بالكتاب والسنّة وفي مجال العلوم العقلية ، كعلم الكلام والفلسفة ، للدفاع عن الاسلام ، والرد على خصومه ، والعابثين بنقائه وأصالته . وقد اعتمدوا لتنفيذ منهجهم هذا عدّةَ أساليب من أشهرها : أ ـ أسلوب التدريس وتعليم التلامذة والعلماء ، القادرين على استيعاب علوم الشريعة ومعارفها ، وحثهم على الكتابة والتدوين ، وحفظ ما يصدر عن أئمّة أهل البيت (ع) ، أو أمرهم بالتأليف والتصنيف ونشر ما يحفظون لبيان علوم الشريعة ، وتعليم المسلمين وتفقيههم ، أو للرد على الافكار المنحرفة ، والفهم الخاطئ الّذي وقع فيه الكثيرون . وقد تكوّن من حول كل إمام من أئمّة أهل البيت (ع) تلامذة ورواة ينقلون عنهم ويروون ويؤلّفون ويكتبون . وقد مارس الامام الجواد (ع) هذا الدور ، كما مارسه آباؤه . ويذكر علماء الرجال والحديث عدداً من أصحاب الامام الجواد (ع) الّذين تربّوا على يده ، وأخذوا عنه ، أو عن آبائه ، العلوم والمعارف الاسلامية ، فصاروا حلقة وصل بين الاُمّة والامام . وقد عدّ الشيخُ الطوسي في كتابه الرجالي أصحابَ الامام الجواد (ع) ورواتَهُ الّذين تلقوا عنه ورَوَوْا وتتلمذوا عليه نحو مائة من الرواة الثقات ، منهم امرأتان . وقد روى هؤلاء العلماء عن الامام الجواد (ع) ، وألّفوا كتباً ، وصنّفوا في مختلف العلوم والمعارف الاسلامية ، فأغنوا تلك المجالات ، وأخصبوا يقظة الفكر ، وأثروا المدرسة الاسلامية . وفيما يلي نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض ما روى علماء الرجال والمحققون عنهم : 1 ـ من أصحاب الامام الجواد (ع) أحمد بن محمّد بن خالد البرقي ، فقد تحدّث عنه علماء الرجال ، بأنّه : « صنف كتباً كثيرة ، ثمّ ذكر جملة منها ، وذكره النجاشي في رجاله ، وعدّ من تصانيفه ، نيّفاً وتسعين كتاباً » (34) . 2 ـ عليّ بن مهزيار الاهوازي الّذي تحدّث عنه الشيخ الطوسي بقوله : « عليّ بن مهزيار الاهوازي (ره) ، جليل القدر ، واسع الرواية ، ثقة ، له ثلاثة وثلاثون كتاباً ، مثل كتب : الحسين بن سعيد ، وزيادة كتاب حروف القرآن ، وكتاب الانبياء ، وكتاب البشارات » (35) . 3 ـ ومنهم صفوان بن يحيى ، الّذي وصفه الشيخ الطوسي بقوله : « أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث وأعبدهم . وكان يصلِّي كل يوم خمسين ومائة ركعة ، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ويخرج زكاة ماله في السنة ثلاث مرّات . وروى(36) عن الرضا والجواد ، وروى عن أربعين رجلاً من أصحاب أبي عبدالله الصادق (ع) ، وله كتب كثيرة مثل كتب : الحسين بن سعيد ، وله مسائل عن أبي الحسن موسى الكاظم (ع) وروايات » (37) . 4 ـ ومن أصحاب الامام الجواد (ع) عليّ بن موسى ، وهو عم أبيه عليّ بن جعفر الصادق ، بن محمّد الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع) ، قال الحافظ الرازي في كتابه الرجالي ، الّذي عرّف فيه الرواة في باب حديثه عن الامام موسى بن جعفر ، جدّ الامام الجواد (ع) ، قال : « موسى بن جعفر بن محمدّ بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، روى عن أبيه ، روى عنه ابنه عليّ بن موسى وأخوه عليّ بن جعفر ، سمعت أبي يقول ذلك ، إنّ عبد الرّحمان ، قال : سئل أبي عنه فقال : ثقة صدوق ، إمام من أئمّة المسلمين » (38) . 5 ـ أحمد بن محمّد بن أبي نصر زيد ، مولى السكوني أبو جعفر ، وقيل أبو عليّ ، المعروف بالبزنطي ، كوفي ثقة لقي الرضا (ع) ، وكان عظيم المنزلة عنده ، وروى عنه كتاباً ، وله من الكتب : كتاب الجامع ، وكتاب النوادر (39) . وهكذا نجد مدرسة الامام تخرج العلماء والتلامذة ويأخذ عنها الرواة والعلماء ليساهموا في بناء صرح الفكر والمعرفة الاسلامية . ب ـ أمّا الاسلوب الثاني من الاساليب الّتي اعتمدها الامام الجواد (ع) ، فهو أسلوب نشر العلم والمعرفة ، وتوسيع دائرة الدعوة إلى الاسلام ، والتعريف بالفكر الاسلامي ، وتثبيت أركان العقيدة والشريعة على ضوء مدرسة أهل البيت (ع) ، وما أثر وروي وأخذ عنهم . فقد اعتمد الائمّة أسلوب تعيين الوكلاء ، ونشرهم في أنحاء مختلفة من العالم الاسلامي ، ليكونوا دعاة إلى الاسلام ، والعمل به ، وتبليغ أحكامه . وكثيراً ما كانوا يمارسون مسؤولياتهم العلمية والسياسية والاجتماعية بشكل سرّي نظراً لرقابة السلطات الحاكمة ، وللدور المعارض الّذي قام به أهل البيت (ع) ، ومن التحق بمسيرتهم لمواجهة الجور والفساد السياسي والاجتماعي ، وتعطيل أحكام الشريعة . وقد رأينا من خلال مراسـلات الامام أبي جعفر الثاني (محمّد الجـواد (ع) ) ، واستعراض بعض أسماء تلامذته ، وعددهم ، كيف أنّه كان يعتمد الوكلاء ، وينشرهم في بقاع مختلفة من العالم الاسلامي ، بعد أن يُتِمّوا تفقههم وتعليمهم على يده ، أو الّذين تتلمذوا على يد آبائه الائمّة الهداة، ليؤدّوا دور الدعاة والمبلِّغين لاحكام الشريعة وفكرها الاصيل . وبذا أصبح لمدرسة أهل البيت (ع) جهاز علمي منظّم ، ومدارس منتشرة في كل أرجاء العالم الاسلامي . وكثيرون هم تلامذة الامام (ع) وأصحابه الّذين تربّوا في مدرسته ، وأخذوا عنه . كما امتدت حياة بعضهم فحظي بصحبة آبائه وصحبة ولده وحفيده . ج ـ ومن الاساليب المهمّة والمؤثِّرة الّتي اتبعها أهل البيت (ع) لنشر الفكر الاسلامي، وتفقيه الاُمّة وتثقيفها والحفاظ على أصالة ونقاء الشريعة الاسلامية ، أسلوب المناظرة والحوار العلمي . وقد حفظت لنا كتب الحديث والرواية أنماطاً غنيّة من الاحتجاج والمناظرة والحوار في شتى صنوف العلم والمعرفة ، والدفاع عن الاسلام ، وتثبيت أركانه في مجال التوحيد والفقه والتفسير والرواية وأمثال ذلك . ويمكننا أن نصنّف هذه المناظرات العلمية الّتي صدرت ورويت عن أئمّة أهل البيت (ع) أصنافاً هي : 1 ـ صنف منها قد خاضه الائمّة دفاعاً عن الاسلام ، وردّاً على الالحاد والزندقة ، وأصحاب الديانات المحرّفة ، والافكار الضالّة ، والفلسفات والنظريات الغريبة على روح الاسلام . 2 ـ وقسم منه قد خاضه الائمّة للرد على الانحراف الفكري والعقائدي الّذي نشأ بين بعض المسلمين ، كالغلو والتجسيم والتفويض ، وشطحات بعض فرق المتصوّفة والفلاسفة والمتكلّمين . 3 ـ وصنف منه مناظرات خاضوها لكشف الدسّ والتزييف الّذي اُدخِلَ على الاسلام، وبيان الخطأ العلمي والقصور الفكري عن اكتشاف الحقيقة العلمية وتشخيص المنهج الصواب . 4 ـ المناظرات الّتي كانت تجري بينهم وبين علماء عصرهم على شكل أسئلة تُطرح عليهم، أو إشكال يورد على ما يصدر عنهم أو محاولة منهم لمناقشة الاخرين ، والدخول في حوار معهم في مجال التوحيد والفقه والاُصول والتفسير ... إلخ . د ـ الكتابة والتأليف من قِبَل أصحابهم، وقد رأينا الدورَ العلميَّ للكتابة والتأليف من خلال التعريف ببعض أصحاب الامام ، وكم هو حجم ونوع الانتاج العلمي الّذي أغنَى الفكر والمكتبة والحياة الاسلامية إلى يومنا هذا .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|