سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)


الثورات العَلويّة في عهد الامام الجواد (عليه السلام)

وعلى الرغم من مواقف المأمون هذه ، فقد حدثت في عهده انتفاضات علوية كثيرة (42) ، نتيجة للسياسة غير المستقيمة ، الّتي اتبعها المأمون في تعامله مع الاُمّة .
وكان طبيعياً أنّ مفزع الاُمّة هم أهلُ البيت (ع) وحزبهم وأنصارهم ، فقد كان الامتداد العلوي السياسي ، المنضوي تحت قيادة أئمّة أهل البيت (ع) يشمل جانباً ظاهراً وآخر سرِّيّاً. وسنرى في دراستنا للمرحلة السياسية الّتي عايشها الامام محمّد الجواد (ع) إماماً للاُمّة ومحطّاً لانظارها ، كيف أنّه كان يدير حركة سرّية ، وكياناً سياسياً وفكرياً ، يمارس نشاطه في السرّ ، فلم يكن الائمّة لَيُخْدَعوا بالمناورات والخطط السياسية الّتي مارسها المأمون أو غيره ، فيكشفوا نشاطهم وعملهم الّذي تحمّل مسؤولية المعارضة ، وحتّى مع صدق تلك المواقف السياسية الّتي أبداها المأمون ، فإنّ خصوم أهل البيت (ع) ومناوئيهم ، ما زالوا يتربصون بهم الدوائر ، ويتابعون نشاطهم ، ويخشون عمقهم الجماهيري وقوّة مكانتهم العلمية والسياسية والولائية .
ولنستعرض بإيجاز ما حدث من أحداث سياسية علوية ، كانت تدعو إلى الرضى من آل محمّد (ص) في تلك الفترة .
وكان معلوماً أنّ مصطلح الرضى من آل محمّد (ص) كان يُقصَدُ به دائماً ، سيِّد أهل البيت (ع) والمُبرّز منهم في عصره .
لقد حدثت في عهد الامام الجواد (ع) ثورتان علويتان ، لم ينعكس لهما أثر سلبي على الامام ، ولعلّ السبب في ذلك هو مكانة الامام القويّة باعتباره زوجاً لابنة المأمون من جهة ، ولكون ميل الرأي العام في تلك الفترة كان قويّاً لاهل البيت (ع) ، وإمّا لعدم وضوح العلاقة بين الثوّار والامام (ع) .
لقد تحرّك عبد الرّحمن (43) بن أحمد بن عبدالله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب وأعلنَ الثورةَ في عك (من بلاد اليمن) بسبب سوء المعاملة الّتي كان يبديها عمّال الخليفة هناك وراح يدعو إلى الرضى من آل محمّد (ص) ، فبايعه الناس والتفوا حوله واستجابوا لدعوته ، فاضطرّ المأمون إلى إرسال جيش كثيف بقيادة دينار بن عبدالله ، لمواجهة الثورة وإخمادها . وأرسل مع هذا القائد أماناً للثائر العلوي ، فقبل ذلك الثائرُ الامانَ، وسالَمَ السلطةَ العباسية، ولم يذكر المؤرّخون السبب في هذا الموقف.
أمّا الثورة الثانية الّتي فجّرها الثّوار العلويون ، فهي ثورة محمّد بن القاسم بن عليّ بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع) ، فقد انطلق هذا الثائر العلوي في مدينة الطالقان في بلاد فارس ، وقد تحدّث المؤرّخون وكتّاب السير عن هذه الثورة ، وعن شخصية هذا الثائر العلوي ، فوصفه أبو الفرج الاصفهاني بقوله :
« وكانت العامّة تلقِّبُهُ الصوفي ، لانّه كان يُدمنُ لبسَ الثِّياب من الصوف الابيض ، وكان من أهل العلم والفقه والدِّين والزُّهد وحسن المذهب » (44) .
وكتب الطبري في تأريخه الشهير عن هذه الثورة قائلاً :
« فمن ذلك ما كان من ظهور محمّد بن القاسم بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب بالطالقان من خراسان ، يدعو إلى الرضى من آل محمّد (ص) ، فاجتمع إليه بها ناس كثير ، وكانت بينه وبين قواد عبدالله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان ، في جبالها ، فهُزِم هو وأصحابه ، فخرج هارباً يريدُ بعضَ كور خراسان ، كان أهلُهُ كاتبوه » (45) .
وقد تحدّث الطبري بعد ذلك عن وشاية أحد الاشخاص، الّذين اطّلعوا على مكانه وتسريبه الاخبار عن مكان اختفائه إلى عامل تلك المدينة ، المسمّـاة ( نسا ) فقُبِضَ عليه، وحُمِلَ إلى عبدالله بن طاهر، ثمّ إلى المعتصم الخليفة العباسي، فحُبِسَ في سامرّاء في سجن ضيّق رهيب طوله ثلاثة أذرع وعرضه ذراعان ، ثمّ نُقِلَ بعد ثلاثة أيّام إلى سجن أوسع من ذلك السـجن الانفرادي الرهيب ، وهناك استطاع أن يتسلّق من داخل السجن إلى فتحة كانت في أعلاه ، يدخل منها الضوء ، فخرج من هذا الحبس ونجا من هذه المحنة القاسية (46) .
وبالتأمّل في دعوة الثائرين العلويين ، نجد أنّهما كانا يدعوان إلى الرضى من آل محمّد (ص) ، أي إلى إمام أهل البيت (ع) المُبرّز في عصره ، ولم يدع أحدهما إلى إمامة نفسه، والتأريخ وانْ لم يُصرِّح بالعلاقة بين الامام وهذين الثائرين، إلاّ أنّه من الواضح لدى الاُمّة آنذاك ما المقصود بهذا المصطلح ( الرضى من آل محمّد (ص) ) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com