سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)


2 ـ الاحاديث والوصايا :

ومن الوثائق التاريخيـة الّتي توضِّح لنا دور الامـام الجـواد (ع) ، هي أحاديثـه ووصاياه والنصائح الّتي كان يصدرها لاصـحابه ، في اتقان العمل والتزام السِّريّة والتكتّم ، والاعداد المدروس للاعمال ، وعدم الوقوع في الاخطاء الّتي وقع فيها من كان قبلهم من أتباع أهل البيت (ع) وثوارهم .
فمن دراسة عدد من هذه الوصايا والاحاديث وتحليلها ، نكتشف عدّة عناصر أساسية في العمل السياسي المحظور(63) من قبل السلطة آنذاك .
نذكر من تلك الاحاديث والوصايا الّتي عالجت مشاكلَ من تابعوا أهل البيت ، وعناصر الضعف في بنيتهم ، وطريقة تحرّكهم ما يأتي :
1 ـ ما رواه الامام محمّد الجواد بن عليّ الرضا ، عن آبائه ، عن جدّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) ، من وصيته لقيس بن سعد بن عُبادة ، حين قدم من مصر :
« يا قيس ! إنّ للمحن اُخْرَيات ، لا بدّ أن يُنتهى إليها ، فيجب على العاقل أنْ ينام لها ، إلى إدبارها ، فإنّ مكابدتها بالحيلة عند إقبالها ، زيادة فيها » (64) .
2 ـ وكقوله(ع): «مَن أمَّل إنساناً هابَهُ، ومن جهل شيئاً عابَهُ، والفرصةُ خلسة»(65).
3 ـ وكقوله (ع) : « العاِملُ بالظلمِ ، والمعينُ عليه ، والراضي به ، شركاءُ » (66) .
4 ـ وكقوله : « يومُ العدلِ على الظالم ، أشدُّ مِن يومِ الجور على المظلوم » (67) .
5 ـ وكقوله : « مَن أخطأ وجوهَ المطالب ، خذلَتْهُ وجوهُ الحيل » (68) .
6 ـ وكقوله:«ثلاث مَن كنّ فيه لم يندم:ترك العجلة،والمشورة،والتوكّل على الله»(69).
7 ـ وكقوله : « لو سكتَ الجاهل ، ما اختلف الناسُ » (70) .
8 ـ وكقوله : « مقتل الرجل بين فكّيه ، والرأي مع الأناءة ، وبئس الظَّهر وبئس الظهير الرأي القصير ، الرأي الفطير » (71) .
9 ـ وكقوله (ع) : « لا تُعالجوا الامرَ قبلَ بلوغه ، فتندموا » (72) .
10 ـ وكقوله (ع) : « إظهارُ الشيء قبلَ أن يستحكِمَ مفسدةٌ له » (73) .
11 ـ وكقوله (ع) : « المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله ، وواعظ من نفسه ، وقبول ممّن ينصحه » (74) .
إنّ الامام الجواد كان يستهدف من وراء تلك الوصايا والتوجيهات ، تشخيص الاخطاء ، وعناصر الضعف في عمل أصحابه ، والثوار العلويين ، وسبب فشلهم ، وعدم نجاح حركاتهم ، لئلاّ تتكرّر عند أصحابه .
وإنّ هذه الوصايا والتوجيهات والرسائل الّتي قرأناها ، تكشف لنا أنّ الامام كان يعدّ أصحابه وأتباعه لعمل رسالي كبير ، لذلك فهو يؤكّد في جملة هذه الاحاديث ضرورة الانتباه إلى ما يأتي :
1 ـ التعامل مع الاحداث والمحن بحذر وتعقّل وعدم الانسياق وراء الانفعال وردّ الفعل، وعدم الوقوف بوجه التيّار العنيف من قِبَل المقاومة الضعيفة ، لئلاّ يخسر الموقف، ويتمكّن الخصم من كسبه ، كما ورد في روايته لوصيّة الامام عليّ (ع) لقيس بن سعد ، وتكرارها على أذهان أتباعه وأصحابه ليتعظوا بها ولا يقعوا في الخطأ الّذي وقع فيه كثير من أصحابهم .
2 ـ تأكيده (ع) لاصحابه أنّ الفرصة (خلسة) ولا بدّ أن يغتنموا الفرص ، لنشر أفكارهم وتعميق مسارهم السياسي ، وتعزيز موقعهم في الاُمّة ، إضافة إلى الجانب التربوي العام في هذه الوصية ، والحثّ على الاستفادة من الفرص والمناسبات .
3 ـ يوجِّه الامام أصحابه، لِيُحْسِنوا التعامل مع الحدثِ السياسي، ويحدِّدوا المداخلَ الطبيعية للنشاط والتحرّك ، حيث جاء ذلك واضحاً في الحديث رقم (5) .
4 ـ وفي الاحاديث (6) و (8) و (9) و (10) يعالج الامام مشكلة وقع فيها الثوّار العلويون وأتباعهم ، وهي مشكلة العجلة والاندفاع نحو الاحداث قبل أن تستكمل ظروفها ومستلزماتها الموضوعية ، ويحذِّر أتباعه من الوقوع في هذا الخطأ المضيع للجهد والعمل .
5 ـ وفي الحديثين رقم (8) و (10) يؤكّد على السرِّية والكتمان والتحفّظ وعدم الثرثرة ، عندما يقول لاصحابه: «مقتل الرجل بين فكّيه»، وعندما يقول لهم: «إظهار الامر قبل أن يستحكم مفسدة له»، لمعرفته بخبث الاساليب الّتي تلجأ إليها السلطات الجائرة ، الّتي بثّت جواسيسها في كل مكان .
6 ـ وفي الاحاديث رقم (3) و (4) و (11) يُربِّي أتبـاعَهُ على مقاومة الظلم والظالمين ، ومعـاداتِهِم وموالاةِ أوليـاء الله الداعين إلى الحقّ والعدل، لِيُثَبِّتَ فيهم هذه النزعةَ ، ويَرسمَ خطّاً عمليّاً لحركتهم ودعوتهم .
7 ـ ويؤكّد الامام لاصحابه أهميّة الشورى وفحص الآراء ، وتحصيل الخبرات ، وقبول النصيحة ، لَيَسْلَموا مِن أخطاء غيرهم ، ويستفيدوا من تجاربهم ، ويبحثوا الاُمورَ بحثاً علميّاً وواقعيّاً دقيقاً ، كما في الاحاديث رقم (6) و (8) و (12) .
إنّ دراسة تاريخ الثورات العلوية ، وحركة أتباع أهل البيت (ع) ، من بداية نشاطهم ، وعلى امتداد خط عملهم السياسي ، تُظهِرُ أنّهم كانوا يعانون من تلك الامراض والمشاكل السياسية ، وكان أئمّة أهل البيت (ع) يبذلون جهوداً مُضنِيَةً ، لمعالجة تلك الظواهر الّتي ضيّعت الكثير عليهم ، فنجد تلك الشكاوي على لسان الامام عليّ والحسن والحسين وعليّ ابن الحسين والباقر والصادق والكاظم والرضا ، كما نجدها على لسان الجواد (ع) وبقيّة الائمّة ، فقد كانت تلك الظواهر المَرَضيّةُ تختلف في نوعها ودرجة ظهورها ، من مرحلة إلى مرحلة .
لذلك نجد الامام الجواد يتحدّث عن كامل التجربة العلوية ، ويربِّي أصحابه ، ويصحِّح مسارهم ، لئلاّ تتكرّر الاخطاء لديهم .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com