قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)
3 ـ موقف المأمون والمعتصم من الامام الجواد (عليه السلام) :
إنّ دراسة وتحليل موقف الخليفتين العباسيين، المأمون والمعتصم الّذي تولّى الخلافة من بعده ، من الامام محمّد بن عليّ (ع) ليشير بوضوح كامل إلى أهميّة شخصية الامام (ع) القياديّة وموقعه الرفيع في النفوس ، وميل الاُمّة إليه باعتباره الرمز الممثل لامامة أهل البيت في تلك المرحلة والخلف لآبائه الهداة . لذلك نجد المأمون يستقدم الامام من المدينة سنة (211 هـ ) ، ويقوم بتزويجه من ابنته اُمّ الفضل ، ويدخل في نزاع مع أعمامه بني العباس ، بسبب ذلك التزويج ؛ في محاولة منه لاستيعاب موقف الامام الجواد (ع)، وضمّه إلى حاشيته ، واحتواء حركته الجماهيريّة، ولكن ، كما رأينا أنّ الامامَ كان على العكس من ذلك ، فقد كان يمارسُ نشاطه بدقّة وإتقان ، ويتحرّك في كل مجال تتوفر له فرصة الحركة فيه ، ثمّ يرفض البقاء في بغداد، ليكون بعيداً عن حصار السلطة ومراقبتها، ويعود إلى المدينة المنوّرة ، مَسقطِ رأسه ، ودار إقامة آبائه ، ومركز العلم والاشعاع الفكري ، ومأوى الافئدة والقلوب ، لِيُسْقِطَ الخطّةَ ، ويُحقِّقَ الاهدافَ المرتبطة به ، كإمام للاُمّة ورائد من روّاد الشريعة . وقد سجّلت لنا كتبُ التاريخِ الخوفَ العباسي من شخصية الامام القيادية ، من خلال حوار أعمدة الاُسرة العباسية الحاكمة مع المأمون العباسي ، حين أقدم على تزويج ابنته اُمّ الفضل للامام محمّد بن عليّ الجواد (ع) ، فقد روى الشيخ المفيد الحوار العباسي هذا كالآتي : « وكان المأمونُ قد شَغُفَ بأبي جعفر (ع) لِما رأى مِن فضله مع صغر سنّه ، وبلوغه في العلم والحكمة والادب وكمال العقل ما لم يساوِهِ فيه أحدٌ مِن مشايخ أهل الزمان ، فزوّجه ابنته أُمّ الفضل ، وحملها معه إلى المدينة ، وكان متوفراً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره » (75) . ثمّ تحدّث في مورد آخر : « ولمّا توجّه أبو جعفر (ع) من بغداد ، منصرفاً من عند المأمون ، ومعه اُمّ الفضل قاصداً بها المدينة ، صار إلى شارع باب الكوفة ، ومعه الناسُ يُشيّعونَهُ » (76) . وفي هذا النص نلاحظ مقام الامام ، ومكانته عند الخليفة العباسي وعند جماهير الاُمّة الّتي تُشيّعُهُ وتسير خلفه ، فواضح أنّ الخليفة بموقفه السياسي، واختياره للامام زوجاً لابنته ـ رغم اختلافه مع أعمامه ، بني العباس ـ ليؤكّد عظمةَ شخصيةِ الامام (ع) ، وأهميّتها السياسية والاجتماعية ، في تلك الفترة من حياة الاُمّة . ولولا ذلك لما أصرّ المأمون ـ وهو الخليفة المغتر بموقعه ومكانته ـ على هذه المصاهرة ، والدخول في جَدَل وحوار مع أعمامه ، وقبول التحدِّي والاستياء من وجوه بني العبّاس. وقد لاحظنا من خلال الحوار الدائر بين المأمون ووجوه العباسيين - ص 505 - مدى الخوف المستحكم في الذهنية العباسية من شخصية الامام الجواد (ع) القياديّة والسياسيّة . وقد تركّزت المخاوف العباسية في مسألة انتهاء أمر القيادة والخلافة للامام الجواد ، وما كان هذا الخوف ليكون لولا القوّة القيادية لشخصية الامام ، والولاء الجماهيري له . ويذكر المستشرق دونالدسون جانباً من هذه المخاوف العباسية بقوله : « وبعد مرور سنة على زواج الامام سمح له الخليفة ولزوجته الشابّة بالذهاب إلى المدينة المنوّرة والاقامة فيها ، وقد كان هذا التدبير موضعَ قبول العباسيين بأجمعهم لا نّهم كانوا يكرهون ما كان يتمتع به الامام من أرجحية ورعاية في بغداد » (77) . وبعد انتهاء حياة المأمون بدأت حياة المعتصم ، فكان كسلفه العباسيين على خوفه من إمامة أهل البيت (ع) ومكانتهم ، فاستدعى الامام الجواد من المدينة المنوّرة إلى بغداد عام (219) خوفاً من تألّق نجمه ، واتساع تأثيره ، وليكون على مقربة من مركز السلطة والرقابة ، ولعزله عن ممارسة دوره العلمي والسياسي والشعبي . وفعلاً تمّ استقدام الامام الجواد (ع) من المدينة إلى بغداد ، ولم يبق في بغداد إلاّ مدّة قصيرة حتّى توفِّي سنة (220 هـ ) ، وفي ذلك يقول ابن شهرآشوب : « لمّا بويع المعتصم جعل يتفقد أحواله ، فكتب إلى عبدالملك الزيّات أن ينفذ إليه التقي ، وأُمّ الفضل ، فأنفذ الزيات عليّ بن يَقطين إليه ، فتجهّز ، وخرج إلى بغداد ، فأكرمَهُ ، وعظّمَهُ ، وأنفذَ أشناسَ بالتحف إليه ، وإلى أُمّ الفضل » (78) . ويروي بعض المؤرِّخين أنّ المعتصم اقترف جناية قتل الامام الجـواد (ع) عن طريق دسّه السم إليه ، وفي ذلك يقول ابن بابويه : « سمّ المعتصم محمّد بن عليّ » (79) . وأمّا الشيخ المفيد فيتوقف عن قبول هذه الرواية ، ويقول : « وقيل إنّه مضى مسموماً ، ولم يثبت بذلك عندي خبر فأشهدُ به » (80) . وهكذا تسجل لنا تلك الوثائق التاريخية بمجموعها شواهد وإمارات ، ذات دلالة واضحة على أهميّة دور الامام الجواد السياسي ، ومكانته القيادية في تلك الفترة ، رغم قِصَر حياته الشريفة، وقد شكّل هذا الدور دليلاً شرعياً على مسؤوليات الامام القائد الاسلامي ، وما ينبغي أنْ يضطلع به من عمل سياسي ، في مختلف الظروف والاوضاع وبشتى الوسائل والاساليب الشرعية المتاحة ، كتلك الّتي سلكها الامام في حياته ، وأمثالها ، وهي بدورها توضح لنا خطّ العمل عند أئمّة أهل البيت (ع) وما اضطلعوا به من مهام ، وما سلكوه مِنْ وسائل شتى ، لاقامة الاسلام والدفاع عنه ، فتضع بين أيدي المسلمين الدروسَ والعِبرَ كافة ، والموقفَ الشرعي الّذي ينبغي أن يقفوه .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|