قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام)
النصّ على إمامته (عليه السلام)
« إنّا أهل بيت يتوارث أصاغِرُنا عن أكابِرِنا القُذّةَ بالقُذّةِ » (1) . للامامة وولاية الامر دور بارز وأساس في حفظ الشريعة وقيادة الاُمّة ، ومواصلة المسيرة الحضارية ، وبناء التاريخ . ومَن يدرس تاريخ أهل البيت (ع) ، ويتفحّص بدقّة وتجرّد وموضوعية مهمّتهم التأريخية الكبرى ودورهم الرسالي في حفظ الشريعة والدفاع عن أصالتها ونقائها بالفكر والعلم والكلمة تارة ، وبالسيف والجهاد المقدّس ومقاومة الظلم والتحريف تارة اُخرى ، يُدركُ أنّ امتداد الامامة في أهل البيت كان ضرورة حضارية ورسالية لا مناص منها،ولا غنى للمسلمين عنها. ويمكن للدارس والباحث في حياة أهل البيت (ع) أنْ يكتشفَ الدورَ المركزي لحياتهم في تاريخ الاسلام وحركة التيّار العلمي والفكري والسياسي في الاُمّة . كما يمكنه أنْ يتبيّنَ الاهميّةَ الرساليةَ والحضارية لائمّة أهل البيت (ع) من دراسة شخصية كل إمام والظروف والاوضاع السياسية والتيّارات الفكريّة والعقائديّة في عصره ودور هذا الامام ومهمّته الّتي اضطلع بها تارة ، وبدراسة خط الامامة وتناوله كوحدة رسالية متكاملة تارة اُخرى . فمن خلال ذلك يستطيعُ أنْ يشخِّصَ أنّ وجودَ كلّ إمام بمفرده ، ووجود خطّ الامامة وامتداد أهل البيت ، لم يكن أمراً عفويّاً ، ولا قضيّةً يصنعها الاتباعُ كما يصنع أفراد القبيلة الزعامة المتوارثة ، بل كان امتدادُ أهل البيت (ع) ، وتتابعُ الائمّة منهم ، أمراً يرتبط باللطف الالهي وبقضيّة الشريعة والاُمّة . وإذا نحن سايرْنا مسارَ أهل البيت (ع) ، نجد كلَّ إمام منهم من لدن الامام عليّ بن أبي طالب (ع) وحتّى مهدي آل محمّد (ص) ، قد نصّ على شخصية الامام الّذي يليه بشكل واضح ودقيق ، حتّى أنّ الاُمّة بأسرها لتعرف الامام من أهل البيت الّذي يخلف أباه ، كما يعرفه الحكّام المعاصرون له . لذلك نجد كلَّ إمام يمثِّلُ محورَ الصِّراع ومركز الصدارة ويحتل موقع المرجعية والامامة العلمية ، بشكل لا يسمح لاحد مع معاصريه تجاهله ، سواء من الحكّام أو من العلماء والفقهاء أو من عامّة الاُمّة . لذا نجد : صراعَ معاوية مع الامامين عليّ والحسن (ع) ، وصراعَ يزيد مع الامامين الحسين وعليّ ابن الحسين (ع) ، وصراعَ هشام بن عبدالملك مع الامامين الباقر والصادق (ع) ، وصراعَ أبي جعفر المنصور مع الامام الصادق (ع) ، وصراعَ الرشيد مع الامام الكاظم (ع) ، وصراعَ المأمون مع الامام الرضا (ع) ، وصراعَ المعتصم مع الامام الجواد (ع) ، وصراعَ المتوكِّل العباسي مع الامام عليّ الهادي (ع) ; وهكذا امتدّ صراعُ الامام الحسن العسكري بن الامام عليّ الهادي ، وتواصل صراعُ أهل البيت (ع) حتّى ورث الامامةَ قائمُ آل محمّد (ص) المهدي ابن الحسن (عج) . لذاك نجد الامام محمّداً الجواد (ع) ينص ويشخِّص شخصية الامامَ من بعده كما نصّ آباؤه الواحدُ على الاخر في موارد كثيرة نذكر منها : روى إسماعيل بن مهران قال : « لمّا خرج أبو جعفر محمّد الجواد من المدينة إلى بغداد بطلبة المعتصم ، قلت له عند خروجه : جُعلتُ فِداك إنِّي أخافُ عليك من هذا الوجه ، فإلى مَن الامر بعدك ، فبكى حتّى بلَّ لحيتَهُ ثمّ التفت إليَّ فقال : (الامر من بعدي لولدي علي) » (2) . قال الشيخ المفيد (رض) : أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمّد ، عن الخيراني ، عن أبيه أ نّه قال : « كنت ألزمُ بابَ أبي جعفر (ع) للخدمة الّتي وكلت بها ، وكان أحمد بن محمّد بن عيسى الاشعري يجيء في السحر من آخر كلّ ليلة ، ليعرف خبر علّة أبي جعفر (ع) ، وكان الرسول الّذي يختلف بين أبي جعفر وبين الخيراني إذا حضر قام أحمد وخلا به الرسول ، قال الخيراني : فخرج ذات ليلة ، وقام أحمد بن عيسى عن المجلس وخلا بي الرسول ، واستدار أحمد فوقف حيث يسمع الكلام فقال الرسول : إنّ مولاك يقرأُ عليك السلامَ ويقول لك إنِّي ماض ، والامر صائرٌ إلى ابني علي ، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي ، ثمّ مضى ورجع أحمد إلى موضعه ، فقال لي : ما الّذي قال لك ؟ قلت : خيراً ، قال : قد سمعت ما قال ، وأعاد عليَّ ما سمع ، فقلت له : قد حرّم اللهُ عليكَ ما فعلتَ لانّ الله يقول : (وَلاَ تَجسَّسُوا ) ، فإذا سمعتَ فاحفظِ الشهادةَ لعلّنا نحتاج إليها يوماً ، وإيّاك أنْ تظهرَ إلى وقتها . قال : وأصبحتُ وكتبتُ نسخة الرسـالة في عشر رقاع ، وختمتُها ودفعتُها إلى عشرة من وجوه أصحابنا ، وقلت : إنْ حدثَ الموتُ قبل أنْ اُطالبَكم بها فافتحوها ، واعملوا بما فيها ، فلمّا مضى أبو جعفر (ع) ، لم أخرج من منزلي حتّى عرفتُ أنّ رؤساء العصابة قد اجتمعوا عند محمّد بن الفرج ، يتفاوضون في الامر ، فكتبَ إليَّ محمّدُ بن الفرج يُعلِمُني باجتماعهم عنده ويقول : لولا مخافةُ الشهرة لصرتُ معهم إليك فأحبّ أنْ تركبَ إليَّ ، فركبتُ ، وصرتُ إليه ، فوجدتُ القومَ مجتمعين عنده فتجارينا في الباب فوجدتُ أكثرَهُم قد شَكّوا ، فقلت لمن عنده الرقاع وهم حضور : أخرجوا تلك الرقاعَ ، فأخرجوها ، فقلت لهم : هذا ما أمرتُ به ، فقال بعضهم : قد كنّا نحبّ أنْ يكونَ معك في هذا الامر آخرُ ليتأكّد هذا القول ، فقلتُ لهم : قد أتاكم الله بما تحبّون ، هذا أبو جعفر الاشعري يشهدُ لي بسماع هذه الرسالة ، فاسألوه ، فسأله القوم فتوقف عن الشهادة ، فدعوه إلى المباهلة فخاف منها ، وقال : قد سمعتُ ذلك وهي مكرمةٌ كنتُ اُحِبُّ أن تكونَ لرجل من العرب ، فأمّا مع المباهلة فلا طريق إلى كتمان الشهادة ، فلم يبرحِ القومُ حتّى سلّموا لابي الحسن (ع) » (3) . إنّ لهذه الوثيقة التاريخية قيمةً شرعية وحضارية كُبرى، خصوصاً إذا أخذنا قضيّة تسلسل الامامة في أهل البيت (ع) بنظر الاعتبار ، فمقامُ كلّ إمام واعترافه وتعيينه للامام الّذي يليـه ، هي عملية تشخيص وبيـان يُعرِّفُ بصلاحيّة الامام المعتَرَفِ له بالامامة وبقيمتِهِ ومقامِهِ . فمحصلة النص الوارد من كل إمام على الامام الّذي يليه تقودُنا إلى قطع الشك والريب في مقام الائمّة من أهل البيت (ع) ، ذلك لانّ التسلسلَ مُنتَه إلى كتاب الله ورسوله (ص) ، كما أفاض المفسِّرون ورواة الحديث بذلك . وهكذا يكون نصّ الامام الجـواد (ع) على ولده عليّ مستمسكاً ، ودليلاً على مكانة شخصية الامام عليّ الهادي (ع) وعظمته ، وشاهداً له بالعلم والورع والكفاءة لاحتلال موقع الامامة والقيادة والمرجعية العلمية .
|
|
|
قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|