قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام)
خصائصه الذاتيّة (عليه السلام)
تستهدف الرسالة الاسلامية ـ في مقدّمة ما تستهدف ـ بناء الشخصية الرسالية ، وتكوين الانسان الفاضل والمجتمع المتكامل ، وفق رؤية ومنهج رسالي واضح . والامام في نظر الشريعة هو مَن يُؤتمُّ به ويُقتدى بسلوكه ويُستنارُ بهديه ، فهو القائدُ والمخطّطُ والموجّهُ والنموذجُ المطبّق للرسالة ولقيمها ، ونعرف أهميّة وعظمة موقع الامامة والقيادة في الاسلام من قوله تعالى : (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّيْ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَتِيْ قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) . (البقرة / 124) وقوله وهو يتحدّث عن عباد الرّحمان ويصفهم ويَعرضهم نموذجاً وقدوة للبشرية: (وَا لَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّـاً وَعُمْيَاناً * وَا لَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) . (الفرقان / 73 ، 74) فَمِنْ أولى خصائص الامامة والقيادة في الاسلام : العلم والتقوى ، وهي مقام الانبياء والصالحين والسائرين بهديهم والملتزمين بمنهج القرآن ، لذلك حين دعا إبراهيمُ ربَّهُ أنْ يجعل الامامةَ في ذرِّيَّته بعد أنْ وهبه الله الامامة وجعله إماماً هادياً للناس ، قال : (وَمِنْ ذُرِّيَتِيْ ) فكان الجواب الالهي : أنّ الامامة لا تكون لظالم ، ظالم لنفسه ولغيره ، لذلك خاطب إبراهيم (ع) بقوله : (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) . وهكذا يوصلنا القرآن إلى تحديد المواصفات النوعية للامام الّذي يرتضي اللهُ إمامتَهُ وقيادتَهُ للبشرية ، وهي التقوى والعلم والقدرة على قيادة الانسان في طريق الهدى ، وإيصاله إلى شاطئ الخير والسلام . ففي قوله تعالى: (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّـاً وَعُمْيَاناً ) تشخيصٌ إلى صفة العلم والوعي والفهم السليم لفهم الحياة والوجود واستيعاب الشريعة وأحكامها وكيفيّة العمل بها وبناء الحياة على أساسها . وفي قوله تعالى : (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) . (يونس / 35) تشخيصٌ إلى منْ يَتَّبِعُ ويخضعُ لقيادة الحق وإمامَتِهِ ويسير معها في طريق الخير والصلاح . وفي قوله تعالى : ربّنا (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) تشخيصٌ إلى صفة التقوى والاتصاف بالاستقامة الّتي يَقتدي بها المتّقون ، وليس الاتصاف بالتقوى فقط . فمن يكون قائداً وإماماً ووليَ أمر للمسلمين عليه أن يكون قَدوةً لهم في الالتزام الرسالي والعمل به والتطبيق له ، والكفاءة العلمية والعملية في شؤون القيادة والسياسة . فللامام حقوقٌ ، وعليه واجباتٌ ، وما لم يُؤَدِّ للاُمّة حقَّها ، فليس له أن يطالبها بحقّه عليها ، فلا يكفي في شؤون القيادة توفّرُ الكفاءة النظرية وحسب ، بل لا بدّ من توفّر الكفاءة العملية ، وإجراء الشريعة وتنفيذ مقرراتها . (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) . (يونس / 35) فالهديُ العملي للحقِّ يَستتبِعُ الاتباعَ ، ويقودُ إلى الالتزام ، وهكذا أراد الاسلام من أئمّة المسلمين وولاة اُمورهم أن يتصفوا بالكفاءة والتأهيل النظري والعملي ، ولهذا أمرنا بالالتزام بأهل البيت (ع) واتباعهم كأئمّة للمتقين هداة للخير والصلاح . ولذا ترك رسول الله (ص) وصيتَهُ الخالدة : « إنِّي تاركٌ فيكم الثقلين : كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي ، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا »(4) . ولذا أوضحَ لنا وعرّفنا في موقع آخر سببَ هذا التوجيه والارشاد إلى أهل بيته (ع) بقوله : « نحن أهل بيت لا يُقاس بنا أحد » . والامام عليّ الهادي (ع) هو واحد من أئمّة الهدى ، وفي طليعة أهل العلم والصلاح والتقوى ، لذا نجدُهُ محورَ الحركة العلمية ، وقُطبَ التوجيه السياسي ، ومَصدرَ القلق والخوف للحاكم المتسلِّط . فقد كان قدوة في الاخلاق والزُّهد والعبادة ، ومواجهة الظلم ورفض الظالمين ، ومناراً للعلم والعمل والالتزام . لذا فقد وصفه العلماء ورجال السياسة وأصحاب السير بما يستحق من صفات العلم والفضل والادب . فقد وصفه أبو عبدالله الجنيد بقوله : « والله ـ تعالى ـ لهو خيرُ أهل الارض، وأفضل مَن برأَهُ اللهُ تعالى ـ في عصره ـ »(5). قال ابن الصباغ المالكي يصف الامام عليّاً الهادي (ع) مستشهداً بكمال الدين بن طلحة الشافعي : «وأمّا مناقبه ، فقال الشيخ كمال الدين بنُ طلحة : فمنها ما حلّ في الاذان محلّ جلالها باتصافها ، واكتناف اللالئ اليتيمة بأصدافها ، وشهدَ لابي الحسن عليّ الرابع (6) أنّ نفسه موصـوفة بنفائس أوصافها ، وانّه نازل في الدرجة النبـويّة في دار أشرافها ، وشرفات أغرافها » (7) . وفي رسالة المتوكِّل العباسي ـ وهو من خصوم الامام الهادي (ع) ـ الّتي وجّهها للامام نقرأ الاعتراف الكامل بعظمة الامام ، وجلالة قدره ، وعظيم مكانته الّتي لم يستطع المتوكِّلُ إخفاءها ، فعندما نقلت الوشايات والتقارير للمتوكل العباسي عن طريق عبدالله بن محمّد نائبه في المدينة لشؤون الحرب والصلاة ، تُحذّرُ مِن الامام الهادي (ع) ومن نشاطه السياسي، علمَ الامام بذلك وكتبَ إلى المتوكِّل رسالة يكشف فيها زيفَ هذا الادّعاء وكذب التهم الموجّهة إليه ، فردّ المتوكِّل العباسي برسالة يُثني فيها على الامام الثناء الجميل ، ويدعوه إلى الحضور إلى سامرّاء . وجاء في نص الرسالة : « بسم الله الرّحمن الرّحيم . أمّا بعد ، إنّ أمير المؤمنين عارفٌ بقدرك ، راع لقرابَتِكَ ، موجبٌ لحقك ، مؤثر من الاُمور فيك وفي أهل بيتك لما فيه صلاحُ حالِك وحالِهم ويثبّت عزّك وعزّهم وإدخال الامر عليك وعليهم ... إلى أنْ قال : وقد وَلّى أمير المؤمنين ما كان يليه عبدالله بن محمّد من الحرب والصلاة بمدينة الرسول (ص) لمحمّد ابن فضل، وأمرَهُ بإكرامِكَ واحترامكوتوقيرك وتجليلك، والانتهاءِ إلى أمرك ورأيك ، وعدم مخالفتك ، والتقرّب إلى الله تعالى وإلى أمير المؤمنين بذلك ، وأميرُ المؤمنين مشتاقٌ إليك ، ويُحبُّ إحداثَ العهد بِقُربِكَ والتيمّن بالنظر إلى ميمون طلعتك المباركة » (8) . وتحدّث ابن العماد الحنبلي عن صفات الامام الهادي (ع) ، فقال : «أبو الحسن عليّ بن محمّد بن الرضا ابن الكاظم موسى بن جعفر الصادق ، العلوي الحسيني ، المعروف بالهادي ، كان فقيهاً ، إماماً ، متعبِّداً» (9) . ووصفه الطبرسي بقوله : « ولقبه النقي والعالِم والفقيه والامين والطيِّب» (10) . وتحدّث سعيد الحاجب ، الّذي كلّفه المتوكِّل بالهجوم على دار الامام عليّ الهادي (ع) بعد استقراره بسامراء وتفتيشها للتأكّد من الاخبار الواردة إليه بأنّ الامام الهادي (ع) لديه نشاطٌ سياسي، ويجمعُ في بيته الاموالَ والسلاحَ، قال سعيد الحاجب: «صرتُ إلى دار أبي الحسن باللّيل ومعي سُلّم فصعدتُ منه على السطح ونزلتُ من الدرجة إلى بعضها في الظلمة ، فلم أدر كيف أصل إلى الدار ، فناداني أبو الحسن من الدار : (يا سعيدُ ! مكانَكَ حتّى يأتوك بشمعة) ، فلم ألبثْ أنْ أتوني بشمعة ، فنزلتُ فوجدتُ عليه جبّةَ صوف وقلنسوة منها وسجادة على حصير بين يديه وهو مقبلٌ على القبلة» (11) . وتحدّث سبط ابن الجوزي الحنفي عن الامام الهادي (ع) فسجّل لنا أحداث استدعاء الامام الهادي من المدينة إلى سامرّاء ((12)) ، قال : « قال يحيى بن هرثمة : فذهبتُ إلى المدينـة ، فلمّا دخلتُها ضجّ أهلُها ضجيجاً عظيماً ، ما سمع الناس بمثله خوفاً على عليّ ، وقامتِ الدُّنيا على ساق ، لا نّه كان محسناً إليهم ، ملازماً للمسجد ، لم يكن عنده ميلٌ إلى الدُّنيا ، قال يحيى : فجعلتُ اُسكّنُهم ، وأحلِفُ لهم أنِّي لم أؤمرْ فيه بمكروه وأ نّه لا بأس عليه ، ثمّ فتّشتُ منزلَهُ فلم أجد فيه إلاّ مصاحفَ وأدعيةً وكتبَ العلم ، فعظُمَ في عيني وتولّيتُ خدمتَهُ بنفسي، وأحسنت عِشرتَهُ ، فلمّا قدمتُ به بغداد بدأتُ بإسحاق بن إبراهيم الطاهري ، وكان والياً على بغداد فقال لي : يا يحيى ! إنّ هذا الرجل قد وَلَدَهُ رسول الله ، والمتوكِّلُ من تعلمُ ، فإنْ حرّضتَهُ عليه قَتَلَهُ ، وكان رسولُ الله خصمَكَ يوم القيامة ، فقلت له : واللهِ ما وقعتُ منه إلاّ على كلِّ أمر جميل ، ثمّ صرتُ به إلى سرّ من رأى فبدأتُ بوصيف التركي ، فأخبرتُهُ بوصوله ، فقال : واللهِ لئن سقطتْ منه شعرةٌ لا يُطالَبُ بها سواك ، قال : فعجبتُ كيف وافَق قولُهُ قولَ إسحاق ، فلمّا دخلتُ على المتوكِّل ، سألني عنه ، فأخبرتُهُ بِحُسن سيرته وسلامة طريقته وورعه وزهادته ، وأنِّي فتّشت داره فلم أجد فيها غيرَ المصاحف وكتب العلم ، وأنّ أهل المدينة خافوا عليه ، فأكرمَهُ المتوكِّلُ وأحسن جائزتَهُ ، وأجزل بِرَّهُ ، وأنزلَهُ معه سرّ من رأى » (13) . وفي سامرّاء هُوجمت دار الامام عليّ الهادي (ع) وفُتِّشت ، فوصف أصحاب السِّيَر حال الامام حين هوجم ليلاً : «فهاجموا داره ، فلم يجدوا فيها شيئاً ، ووجدوهُ في بيت مُغلَق عليه ، وعليه مدرعةٌ مِن صوف ، وهو جالس على الرمل والحصى وهو متوجِّهٌ إلى الله تعالى يتلو آياً من القرآن » (14) . « وعلى هذه الحال حُمل إلى المتوكِّل العباسي ، واُدخل عليه ، وكان المتوكِّل في مجلس شراب ، وبيده كأسُ الخمر فناول الامامَ الهادي (ع) ، فردّ الامام : (والله ما خامَرَ لحمي ولا دمي قطُّ ، فاعْفِني) فأعفاه ، فقال له : أنشدني شعراً ، فقال عليّ : (أنا قليل الرواية للشعر) ، فقال : لا بدّ ، فأنشده : باتوا على قُللِ الاَجْبال تحرسُهُم غُلبُ الرجال فما أغنَتْهُمُ القُلَلُ واستُنْزِلوا بعدَ عزٍّ مِن معاقِلِهِم وأُسكنوا حُفَراً يا بئسَ ما نزلوا ناداهُمُ صارخٌ مِن بعد دفنِهِمُ أينَ الاساورُ والتيجانُ والحللُ أينَ الوجوهُ الّتي كانت مُنَعَّمةً مِن دونها تُضرَبُ الاستارُ والكِلَلُ فأفصحَ القبرُ عنهم حين ساءلهم تلكَ الوجوهُ عليها الدودُ يَقتَتلُ قد طالَ ما أكلوا دهراً وما شربوا فأصبحوا بعدَ طولِ الاكل قد اُكِلُوا فبكَى المتوكِّلُ حتّى بلّتْ لِحيَتَهُ دموعُهُ ، وبكى الحاضرون » (15) . إنّ الناظر المتأمل في هذه الوثائق التاريخية ، يستطيع أنْ يعرفَ مقامَ الامام الهادي (ع) وعبادته وورعه ، وتعلّق الناس به ، واحترام الجميع له ، فهو على كلّ حال ملازم للعبادة ، حليف للقرآن ، مُعرِض عن الدُّنيا ، يعرف ذلك منه خاصّةُ الناس وعامّتهم ، ويشهد به أحبّاؤه وخصومه . وسيرته وما روي عنه من أخبار وفقه وأحاديث ومعارف ، توضِّح مقام الامام وموقعه ، وتعرِّفُ بشخصيّته .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|