قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام)
الامام (عليه السلام) والمتوكِّل العبّاسي
تولّى المتوكِّل (جعفر بن المعتصم) الخلافة بعد موت الواثق سنة (232 هـ ) ، وكان المتوكِّل شديدَ الحقد والكراهية لعليّ بن أبي طالب وأهل بيته (ع) ، فلقي الطالبيون ـ وخصوصاً أبناء عليّ وفاطمة ـ منه الاذى والاضطهاد ، فقد كان يعاملهم بقسوة وكراهية شديدة ، وكان يُضيِّقُ عليهم ، ويمنع عنهم المساعدات المالية ، ويحرِّم على الاخرين أنْ يُعينوهم ، أو يُخَفّفوا عنهم ، فكان كآبائه في معاملته لال أبي طالب وقسوته عليهم . ويمكننا أنْ ندوِّنَ أبرزَ مظاهِر العداء والصراع بين المتوكِّل العباسي وأهل البيت (ع) بما يأتي : 1 ـ كراهيّته للامام عليّ بن أبي طالب (ع) ، ومحاولة الحطِّ من سمعته والاستهانة به . 2 ـ هدمه لقبر السبط الشهيد الحسين بن عليّ (ع) ، وتنكيله بزوّار القبر الشريف ، ومعاقبتُهُ لكلّ مَن يقصدُهُ أو يزوره . 3 ـ فرض الحصار الاقتصادي على العلويين ، وقطع أرزاقهم ومنع الناس من مساعدتهم ، ليموتوا جوعاً . 4 ـ التضييق على إمام أهل البيت ـ عليّ الهادي ـ وجلبه من المدينة المنوّرة ، ووضعه تحت الرقابة ، وفرض الحصار السياسي عليه . 5 ـ محاولة إيجـاد بديل هزيل لزعامة أهل البيـت (ع) ، وترشيح موسى أخي الامام الهادي لهذه المهمّة ، وفشل هذه المحاولة . 6 ـ محاولة قتل الامام الهادي (ع) والقضاء عليه . 7 ـ قتل الثوّار العلويين، والتنكيل بهم بعد أن ضجّ العلويون من ظلمه وسياسته، فلجأوا إلى الجهاد والكفاح المسلح . وفيما يلي نعرض جانباً من هذه الحقائق كما دوّنها المؤرّخون وأصحاب السير : ذكر ابن الاثير جانباً من مواقف المتوكِّل وعدائه لشخصية أمير المؤمنين وإمام المتقين عليّ بن أبي طالب (ع) فقال : « وكان المتوكِّل شديد البغض لعليّ بن أبي طالب (ع) ولاهل بيته ، وكان يقصد من يبلغه أ نّه يتولّى عليّاً وأهله بأخذ المال والدم ، وكان من جملة ندمائه عبادةُ المخنَّث ، وكان يشدّ على بطنه تحت ثيابه مِخَدَّةً ، ويكشف رأسه وهو أصلع ، ويرقصُ بين يدي المتوكِّل، والمغنّون يُغنّون: (قد أقبلَ الاصلعُ البطين، خليفةُ المسلمين) يحاكي بذلك عليّاً (ع)، والمتوكِّلُ يشربُ الخمرَ ويضحكُ ، ففعل ذلك يوماً والمنتصرُ حاضرٌ، فأومأ إلى عبادة يتهدّده ، فسكتَ خوفاً منه ، فقال المتوكِّل : ما حالُكَ ؟ فقام وأخبره، فقال المنتصر : يا أمير المؤمنين ! إنّ الّذي يَحكيه هذا الكلبُ ، ويضحكُ منه الناسُ ، هو ابنُ عمّك ، وهو فخرُكَ ، فكُلْ أنت لحمَهُ إذا شِئتَ ، ولا تُطعمْ هذا الكلبَ وأمثاله منه ، فقال المتوكِّل للمغنين : غنوا جميعاً : غارَ الفتى لاِبْنِ عَمِّه رأسُ الفتى في حِرِّ اُمِّه فكان هذا من الاسباب الّتي استحل بها المنتصر قتل والده المتوكِّل . وقيل إنّ المتوكِّل كان يبغضُ مَن تقدّمه من الخلفاء ، المأمون والمعتصم والواثق في محبّة عليّ وأهل بيته (ع) ، وإنّما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشـتهروا بالنصب والبغض لعليّ (ع) ، منهم : عليّ بن الجهم الشاعرُ الشاميِّ مِن بني شامة بن لؤي ، وعمر بن فرج الرُّخَجي ، وأبو السِّمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني اُميّة ، وعبدالله بن محمّد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة ، وكانوا يخوّفونه من العلويين ، ويشيرون عليه بإبعادهم والاعراض عنهم والاساءة إليهم ، ثمّ حسّنوا له الوقيعةَ في أسلافهم الّذين يعتقد الناسُ علوَّ منزلتهم في الدِّين ، ولم يَبرَحوا به حتّى ظهر منه ما كان ، فغطت هذه السيِّئة جميع حسناته » (35) . وقد حملته هذه الكراهية وهذا الحقد على علي وأهل بيته (ع) أنْ يبطِشَ بالعالم النحوي يعقوب بن إسحاق ، المعروف بـ (ابن السِّكّيت) ، فأمر الاتراكَ فداسوا بطنَهُ ، فحُمل إلى داره فمات ، وقيل أَمَرَ بِسَلِّ لسانِهِ فمات . وكان سبب هذا الموقف من ابن السكيت أنّ المتوكِّل سأله يوماً : أ يّما أحبُّ إليك المعتزُّ والمؤيِّدُ ، أو الحسن والحسين ؟ فقال : قنبر ـ يعني مولى عليّ بن أبي طالب ـ خيرٌ منهما ، وذكر الحسن والحسين (ع) ، بما هما أَهْلٌ له (36) . وذكر المؤرِّخون أنّ المتوكِّل أمر بحرث قبر الحسين (ع) وهدمه ، وتضييع معالمه والتخلّص منه ، فقد كان الحسين (ع) ، السبط الشهيد ، ابن فاطمة الزّهراء ، ابن عليّ بن أبي طالب شعاراً للثورة ، ومُلْهِماً للثوّار ، ومَعْلَماً من معالم الكفاح ضدّ الطغاة ، وكان قبرُهُ الشريفُ رمزاً خالداً من رموز الحبّ والولاء لاهل البيت (ع) ، لذا خاف المتوكِّل من هذا الرمز الخالد مِن أنْ يُغذِّي روحَ الحبّ والولاء لاهل البيـت (ع) ويستقطبُ مَشاعرَ الاُمّـة ، ويكون عَلَماً يلتفُّ مِن حوله الاتباعُ والانصارُ ، فأمر بهدمِهِ ، وهدمِ بيوت الساكنين من حوله وإجراءِ الماء عليه وحرثِهِ ، وفرضِ العقاب على مَن يزورُهُ ، أو يتقرّب منه . قال ابن الاثير : « وفي هذه السنة (236 هـ ) ، أمر المتوكِّلُ بِهدمِ قبر الامام الحسين بن عليّ (ع) ، وهدمِ ما حوله من المنازل والدور ، وأن يُبْذَرَ ، ويُسقى موقعُ قبرِهِ ، وأن يُمنَعَ الناسُ من إتيانه ، فنادى (عامل صاحب الشرطة) بالناس في تلك الناحية : مَن وجدناه عند قبره ، بعد ثلاثة ، حبسناه في المطبق ، فهربَ الناسُ ، وتركوا زيارتَهُ ، وحُرِثَ وزُرِعَ » (37) . وقال جلال الدين السيوطي عن ذلك : « وفي سنة (236 هـ ) أمر بهدم قبر الحسين ، وهدمِ ما حوله من الدور ، وأنْ يُعمَلَ مزارعَ، ومنع الناسَ مِن زيارته ، وخُرِّب وبقي صحراءَ ، وكان المتوكِّل معروفاً بالتعصّب ، فتألّم المسلمون من ذلك ، وكتب أهل بغداد شتمَهُ ـ أي شتم المتوكِّل ـ على الحيطان والمساجِد ، وهجّاه الشعراء ، فمما قيل في ذلك : بالله إنْ كانْت اُميّةُ قدْ أَتَتْ قتلَ ابن بنتِ نبيِّها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثلِهِ هذا لعمري قبرُهُ مهدوما أسفوا على أنْ لا يكونوا شاركوا في قَتلِهِ فَتَتَبّعوهُ رَميما »(38) وتحدّث أبو الفرج الاصفهاني عن محنة آل أبي طالب أيّام المتوكِّل فقال : « وكان آل أبي طالب مجتمعين بسرّ من رأى في أيّامه (أيّام الواثق) تَدُرُّ الارزاقُ عليهم حتّى تفرّقوا في أيّام المتوكِّل » (39) . ثمّ قال : « وكان المتوكِّل شديد الوطأة على آل أبي طالب ، غليظاً على جماعتهم ، مهتماً بأُمورهم ، شديدَ الغيظ والحقدِ عليهم ، وسوءِ الظن والتهمةِ لهم ، واتفَق له أنَّ عبيدَالله ابن يحيى بن خاقان وزيره يُسيء الرأيَ فيهم ، فحسّنَ له القبيحَ في معامَلتِهِم ، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحدٌ مِن خلفاء بني العباس قبله ، وكان من ذلك أن كربَ قبرَ الحسين ، وعَفّى آثارَهُ ، ووضعَ على سائر الطرق مسالَح له ، لا يَجدونَ أحداً زارَهُ إلاّ أتَوْهُ به ، فَقَتَلَهُ أو أنهَكَهُ عقوبةً » (40) . ثمّ تابع أبو الفرج سرد القصّة المروّعة وتجرؤ المتوكِّل على قبر السبط الشهيد ، واستهانته بمقدّسات الاُمّة ، ورموز مجدها ، فقال : « وبعث برجل من أصحابه يقال له (الديزج) ـ وكان يهودياً فأسلم ـ إلى قبر الحسين ، وأمره بكرب قبره ومَحْوِهِ ، وإخرابِ كلِّ ما حوله ، فمضى لذلك ، وخرّب ما حوله وهدم البناء ، وكرب ما حوله نحو مائتي جريب ، فلمّا بلغَ إلى قبرِهِ لم يتقدّم إليه أحدٌ ، فأحضرَ قوماً من اليهود فكربوه ، وأجرى الماءَ حوله ، ووكّلَ به مسالحَ بين كلّ مسلحتين ميلٌ ، لا يزورُهُ زائرٌ إلاّ أخذوه ووجهوا به إليه . فحدّثني محمّد بن الحسين الاشناني ، قال : بعد عهدي بالزيارة في تلك الايّام خوفاً ، ثمّ عملتُ على المخاطرة بنفسي فيها ، وساعَدَني رجلٌ مِن العطارين على ذلك فخرجنا زائرين ، نَكمُنُ النهارَ ، ونسيرُ اللّيلَ ، فسِرنا بين مسلحتين ، وقد ناموا حتّى أتينا القبرَ فَخَفِيَ علينا، فجعلنا نُشُمُّهُ ، ونَتحرّى جِهتَهُ حتّى أتيناه ، وقد قُلِعَ الصندوق الّذي كان حواليه وأُحرِقَ، وأُجرِيَ الماءُ عليه، فانخسفَ موضعُ اللّبن، وصار كالخندق، فزرناهُ وأكببنا عليه ، فَشَـمَمْنا منه رائحةً ما شَمَمْتُ مثلها قطّ ، كشيء مِن العطر ، فودّعناه ، وجعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع ، فلمّا قُتِلَ المتوكِّل ، اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة ، حتّى صِرنا إلى القبر ، فأخرجنا تلك العلاماتِ ، وأَعَدْناهُ إلى ما كان عليه » (41) . ثمّ تحدّث عن مأساة العلويين ومحنتهم وما أصاب نساءَهُم وأطفالهم من الظلم والعسف والاستضعاف ، فقال : « واستعمل على المدينة ومكّة عمر بن فرج الرُّخَجي ، فمنع آل أبي طالب من التعرّض لمسألة الناس ، ومنعَ الناسَ مِن البِرّ بهم ، وما كان ليبلغه أنّ أحداً أبرَّ أحداً منهم بشيء ، وإنْ قلّ ، إلاّ أنهكَهُ عقوبةً ، وأثقلَهُ غُرْماً ، حتّى كان القميصُ يكون بين جماعة من العلويّات يُصلين فيه واحدة بعد واحدة، ثمّ يَرفَعْنَهُ ، ويجلسن على مغازلهنّ عوارِيَ حواسِرَ ، إلى أنْ قُتِلَ المتوكِّلُ ، فعطفَ المنتصرُ عليهم وأحسنَ إليهم ، ووجّه بمال فرّقَهُ فيهم ، وكان يُؤثرُ مخالفةَ أبيه في جميع أحواله، ومضادّة مذهبه، طعناً عليه ، ونفرةً لِفِعْلِهِ » (42) . وهكذا يتحدّث التاريخ عن مأساة آل عليّ بن أبي طالب ، ونصب العداوة لهم في العصر الّذي كان فيه الامام الهادي سيِّد أهل البيت (ع) وإمامهم ، يتجرّعُ آلامَ هذه المحنة ، ويُقاسي الصبرَ على تلك المأساة . وكما ذكر لنا التاريخ ، آنفاً ، فإنّ المتوكِّل كان يعرف أنّ العلويين يشكّلون القوّة المعارضة، وأ نّه ومَن حوله كانوا يخافون مكانة العلويين، وامتدادهم التاريخي المقدّس في نفوس المسلمين . لذا كان يَسعى للانتقاص من شأنهم وإزالة آثارهم، وعزل المسلمين عنهم، وفرض العقاب والارهاب ، وسفك الدم ، أو نهب مالِ مَن يتقرّبُ منهم أو يتعاطفُ معهم أو يدعو بدعوتهم ، وتلك سننُ الصِّراعِ بين الحقِّ والباطلِ ، وبين دُعاةِ الهُدى وأئمّة الحقّ من جهة ، وبين الطغاة والظالمين من جهة اُخرى ، في كل عصر ومرحلة من مراحل تأريخ البشرية .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|