قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام)
من المدينة إلى سامرّاء
لم يكنِ الامامُ الهادي (ع) لِيَغفَلَ عن هذه المحنة وذلك الظلم والعسف الّذي مارسه المتوكِّل العباسي ، لذا كان يركّز موقِعَهُ ، ويُقوّي علاقَتَهُ بأبناء الاُمّة ، ويَنشرُ مبادئَ الاسلام، ويُربِّي جيلاً مِن العلماء والرّواة، وكانت دعوةُ أهل البيت (ع) وحبّهم والتعلّق بهم ، تَسري في النفوس ، سريانَ الربيع في عود النبات . وحين أصبح موقع الامام الهادي (ع) في المدينة المنوّرة خطراً يهدِّد كيانَ المتوكِّل، وقوّة ترهبه ، وترهب العناصر المتسلطة على الدولة والمال والسلطة ، كثُرتِ التقاريرُ والوشايات، ومحاولات الايقاع بالامام الهادي (ع)، وحاول خصوم الامام، أن يقنعوا المتوكِّل ، بأنّ الامام يُعِدُّ ويُهيِّئُ للثورة ، وهو يجمع المالَ والسلاحَ والانصار ، في وقت كانت فيه الفتنُ والصِّراعاتُ ، ومراكزُ القوى تهدّدُ قوّةَ الخلافة ومركزيتَها ، ولذا عَمَدَ المتوكِّلُ إلى استدعاءِ الامام ، وجلبه مِنَ المدينة المنوّرة إلى مدينة العسكر (سامرّاء) ليكون تحت الرقابة والمتابعة اليومية، وكان ذلك الاستدعاء في سنة (338 هـ )، وامتدت اقامته هناك عشر سنوات ، كما ذكر الشيخ المفيد ذلك ((43)) . وكان الجميع يعرف أنّ سرَّ استدعاء الامام الهادي (ع) من المدينة المنوّرة إلى سامرّاء، هو قّوةُ شخصية الامام ، وتعمّقُ دورِهِ القيادي في أعماق الاُمّة ، واتّجاه الرأي العام نحوه . وقد جاء ذلك واضحاً في التصريحات والوثائق الّتي تحدّثت عن سبب استدعاء الامام إلى سامرّاء ، من ذلك ما قالَهُ طبيبُ القصر العباسي (يزدان) للكاتب إسماعيل ابن أحمد القهقلي سنة (338 هـ ) : « بلغني أنّ الخليفة استقدمه (يعني الهادي) من الحجاز ، فرقاً منه ، لئلاّ ينصرف إليه وجوه الناس فيخرج هذا الامر عنهم ـ يعني بني العباس ـ » (44) . ذكر اليعقوبي ذلك وسجله كالاتي : « وكتب المتوكِّل إلى عليّ بن محمّد بن عليّ الرضا ابن موسى بن جعفر بن محمّد في الشخوص من المدينة، وكان عبدالله بن محمّد بن داود الهاشمي قد كتب يذكر أنّ قوماً يقولون إنّه الامام ، فشخص عن المدينة وشخص يحيى بن هرثمة معه حتّى صار إلى بغـداد ، فلمّا كان بموضع يقال له : الياسرية نزل هناك ، وركب إسحاق بن إبراهيم لِتَلقّيه ، فرأى تشوّق الناس إليه واجتماعهم لرؤيته ، فأقام إلى اللّيل ، ودخل به في اللّيل ، فأقام ببغداد بعض تلك اللّيلة ، ثمّ نفذ إلى سرّ من رأى » (45) . وتحدّث الشيخ المفيد عن سبب جلب الامام ، وكيفيّة نقله إلى سامرّاء ، فقال : « وكان سبب شخوص أبي الحسن (ع) من المدينة إلى سرّ من رأى أنّ عبدالله ابن محمّد كان يتولّى الحرب والصلاة بمدينة الرسول (ص) ، فسعى بأبي الحسن (ع) إلى المتوكِّل وكان يقصدُهُ بالاذى ، وبلغ أبا الحسن (ع) سعايَتَهُ به ، فكتبَ إلى المتوكِّل يذكرُ تحاملَ عبدِالله بن محمّد عليه وكذبَهُ فيما سعى به ، فتقدّم المتوكِّل بإجابته عن كتابه ودعائه فيه إلى حضور العسكر ، على جميل من الفعل والقول ، فخرجت نسخة الكتاب : (بسم الله الرّحمن الرّحيم . أمّا بعد ، فإن أمير المؤمنين عارفٌ بقدرك ، راع لقرابَتِكَ ، موجبٌ لحقِّك، مقدّرٌ مِن الاُمور فيك وفي أهل بيتك ، ما يُصلِحُ اللهُ به حالَكَ وحالهم ويثبِّتُ به عزَّكَ وعزَّهُم، ويُدخِلُ الامنَ عليكَ وعليهم ، يبتغي بذلك رضى ربّه ، وأداءَ ما افترضَ عليه فيك وفيهم ، وقد رأى أميرُ المؤمنين صَرْفَ عبدالله بن محمّد عمّا كان يتولاّه من الحرب والصلاة بمدينة الرسول (ص) إذا كان على ما ذكرتَ مِن جهالَتِهِ بحقِّكَ واستخفافِهِ بقدرِكَ ، وعندما قرنَكَ به ، ونسبَكَ إليه من الامر الّذي قد علم أميرُ المؤمنين براءَتَكَ منه ، وصِدَق نيِّتك في برّك ، وقولك إنّك لم تؤهل نفسك لما قرنت بطلبه ، وقد ولّى أميرُ المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمّدَ بن الفضل ، وأمرَهُ بإكرامك وتبجيلك والانتهاء إلى أمرك ورأيك ، والتقرّب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك . وأمير المؤمنين مشتاق إليك يُحبُّ إحداثَ العهد بك والنظرَ إليك ، فإنْ نشطتَ لزيارتِهِ ، والمقـام قِبَلَهُ ما أحببتَ ، شَخصْتَ ومَنِ اخترتَ مِن أهل بيتِكَ ومواليك وحَشَمِكَ على مُهلة وطمأنينة ، ترحلُ إذا شئتَ وتنزلُ إذا شئتَ ، وتسيرُ كيف شئتَ ، وإنْ أحببتْ أن يكونَ يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومَن معه مِن الجند يَرحلونَ بِرحلِكَ، ويسيرونَ بسيرِكَ ، فالامرُ في ذلك إليك، وقد تقدّمنا إليه بطاعَتِكَ ، فاستَخِرِ اللهَ حتّى توافيَ أميرَ المؤمنين ، فما أحدٌ مِن أخوانه وولده وأهل بيته وخاصّته ألطفُ منه منزلة ، ولا أحمدَ لهم أثَرَةً ، ولا هو لهم أنظر ، ولا عليهم أشفق ، وبهم أبرَّ وإليهم أسكنَ منه إليك ، والسلام عليك ورحمة الله . كتبه إبراهيمُ بن العباس في شهر جمادى الاخرة من سنة ثلاث وأربعين ومائتين) » (46) . وحُمل الكتابُ إلى الامام الهادي (ع) فرأى الرحيلَ والالتحاقَ بمدينة العسكر (سامراء)، فالكتابُ دُوّنَ وكان يحملُ قدراً كبيراً مِن الدبلوماسية السياسية والتعظيم للامام ، إلاّ أنّ المتوكِّلَ عازمٌ على جلبِ الامام إلى سـامرّاء ، وحجزه هناك ، وقد اختارَ هذا اللونَ مِن أساليب التعامل مع الامام لخوفِهِ مِن سَخَطِ الاُمّة وتحرّكها ضدّ الخلافة العباسية ، كما تشير أحداث انتقال الامام ، واستياء الناس من هذا الاجراء وخوفهم على الامام . كما يكشفُ المتوكِّلُ عن نيّاته الحقيقية باحتجابِهِ عن الامام ، وإنزالِهِ في خان الصعاليك ، رغم هذا التعظيم والثناء في الرسالة ، خصوصاً بعد أن شاع الخبر وتلهّف الناس لاستقبال الامام ، والاحتفاء به ، والتشوق إليه ـ كما أشار اليعقوبي في حديثه آنفاً ـ . وذكر سبط ابن الجوزي حادثة استدعاء الامام عليّ الهادي (ع) ، نقلاً عن يحيى ابن هرثمة الّذي بُعث للتأكد من صحّة التقارير الواردة عن نشاط الامام الهادي (ع) وتحرّكه السياسي ، والّذي اُمِرَ بجلب الامام ومصاحبته : « قال علماء السير : وإنّما أَشخَصَهُ المتوكِّل من مدينة رسول الله (ص) إلى بغداد ، لانّ المتوكِّل كان يبغض عليّاً وذرِّيَّته ، فبلغه مقامُ عليّ بالمدينة ، وميلُ الناس إليه ، فخاف منه فدعا يحيى بن هرثمة وقال : إذهبْ إلى المدينة ، وانظر في حاله وأشخِصْهُ إلينا ، قال يحيى : فذهبتُ إلى المدينة فلمّا دخلتُها ضجَّ أهلُها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله خوفاً على عليّ ، وقامت الدُّنيا على ساق لا نّه كان محسناً إليها ، ملازماً للمسجد ، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا ، قال يحيى : فجعلتُ اُسَكِّنُهُم ، وأحلِفُ لهم أ نِّي لم أؤمر فيه بمكروه ، وأ نّه لا بأس عليه ، ثمّ فتّشتُ منزلَهُ ، فلم أجدْ فيه إلاّ مصاحفَ وأدعيةً وكتبَ العلم ، فعظُمَ في عيني ، وتولّيتُ خِدمتَهُ بنفسي ، وأحسنتُ عِشرتَهُ ، فلمّا قدمتُ به بغداد بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهـري ، وكان والياً على بغـداد ، فقال لي : يا يحيى ! إنّ هذا الرجل قد ولده رسـول الله ، والمتوكِّلُ مَن تَعلمُ ، فإن حرّضتَهُ عليه قَتَلَهُ ، وكان رسولُ الله خصمَكَ يوم القيامة ، فقلتُ له : والله ما وقعـتُ منه إلاّ على كل أمر جميل ، ثمّ صرتُ به إلى سرّ من رأى ، فبدأتُ بوصيف التركي فأخبرتُهُ بوصوله فقال : والله لئن سقطتْ منه شعرةٌ لايُطالَبُ بها سواك، قال: فعجبُت كيف وافق قولُه قولَ إسحاق ، فلمّا دخلتُ على المتوكِّل ، سألني عنه فأخبرتُهُ بحُسنِ سيرته، وسلامة طريقه وورعه وزهادته، وأنِّي فتّشت دارَهُ ، فلم أجد غيرَ المصاحف ، وكتب العلم ، وأنّ أهل المدينة خافوا عليه ، فأكرمَهُ المتوكِّلُ وأحسنَ جائزتَهُ وأجزلَ بِرَّهُ وأنزله معه سرّ من رأى » (47) . وهكذا نعرف أن سببَ جلب الامام هو خوفُ المتوكِّل منه لقوّة شخصيته ، واستقطابِهِ لجماهير الاُمّة ، وتعمُّقِ حبّه وولائه في النفوس . وهذا واضح من قول يحيى : « فلمّا دخلتُها ضجّ أهلُها ضجيجاً عظيماً ما سمعَ الناسُ بمثله خوفاً على عليّ » . وقول سبط ابن الجوزي : « فبلغه مقام عليّ بالمدينة ، وميل الناس إليه ، فخاف منه » . وممّا يؤكِّدُ عِظَمَ شخصية الامام ، وقدسيَّتَهِ في النفوس ، وعلوَّ مكانته ، قولُ والي بغداد : « إنّ هذا الرجل قد ولده رسول الله ، والمتوكِّل مَن تعلم ، فإن حرّضته عليه قتله ، وكان رسول الله خصمك يوم القيامة » . وقول وصيف التركي ، أحد أركان الحكم العباسي في سامرّاء : « لئن سقطت منه شعرة ، لا يُطالَبُ بها سواك » . وقد قرأنا قبل هذه النصوص نصَّ رسالة المتوكِّل العباسي للامام ، وثناءه عليه ، وإعظامه له، كما مرّ علينا قول اليعقوبي: «فرأى ـ إسحاق بن إبراهيم ـ تشوّق الناس، واجتماعهم لرؤيته ، فأقامَ إلى اللّيل ، ودخلَ به في اللّيل » . وقول ابن الصباغ : « فأقام أبو الحسن مدّة مقامه بسرّ من رأى مكرّماً معظّماً مبجّلاً في ظاهر الحال ، والمتوكِّلُ يبتغي له الغوائلَ في باطنِ الامر ، فلم يُقْدِرْهُ اللهُ تعالى عليه » . تلك أسباب جلب الامام ، ودواعي فرض الاقامة الجبرية عليه في سامرّاء . وحين قدمها ووصل إليها مارس المتوكِّل سلوكية سياسية من شأنها التضييق على الامـام ، وتدبير الحيل والمؤامرات لاغتيـاله ، والحطّ منه ، إلاّ أ نّه كان عظيم الشخصية ، قويَّ التأثير ، يُدركُ سياسةَ المتوكِّل ، ويتفادى الصِّدامَ معه . فقد بدت بوادر المجابهة منذ وصول الامام إلى بغداد ، فكما قرأنا أنّ الامام يُحتجَزُ في الياسرية إلى اللّيل ، ولا يدخلُ بغداد إلاّ ليلاً ، لئلاّ يستقبِلَهُ الناسُ ، ويجتمعوا إليه ، ويتأثروا بشخصيته المقدّسة ، كما حاول أعوانه الحطّ من شخصية الامام ، وإشعاره بعدم العناية به . وقد وصف لنا ابن الصباغ المالكي هذه المحاولة ، وسجّلها بقوله : « وخرج معه يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومَن معه من الجند حافّين به ، إلى أنْ وصل إلى سرّ من رأى ، فلمّا وصل إليها تقدّم المتوكِّل بأنْ يُحجَبَ عنه ، فنزل في خان يُعرف بخان الصعاليك ، وقام فيه يومه ، ثمّ إنّ المتوكِّل أفرد له داراً حسنة ، وأنزله أيّاماً » (48) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|