قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام)
الامام (عليه السلام) في سُرَّ مَن رأى
وهناك بدأت أعمالُ المقاومة السياسية والرقابة المشدّدة من قبل المتوكِّل العباسي وأركان سلطته ضدّ الامام عليّ الهادي (ع) وأتباعه . فمرّة يحاولون النيلَ من شخصيتِهِ ، واُخرى سجنَهُ واغتيالَهُ ، وثالثة يُفتِّش بيتُهُ ويُجلب ليلاً إلى المتوكِّل العباسي بتهمة الاعداد والمواجهة ، واُخرى يَسعَوْنَ لايجاد زعيم بديل عنه ، وكل تلك المحاولات باءتْ بالفَشَلِ ، وكانت عنايةُ الله تَرعَى الامامَ وتدفعُ عنه ، وكانت شخصيته تعلو ومقامُهُ يُفرَضُ على المتوكِّل العباسي رغم صَلَفِهِ وكراهِيّتِهِ لال عليّ بن أبي طالب (ع) ، كما كان الامامُ يفرضُ وجودَهُ على القصر وحواشيه . ويروي لنا الطبرسي حادثة توضِّح مكانة الامام عليّ الهادي (ع) ، وحَسَدَ الحواشي ، ووجوه القوم في سرّ من رأى للامام ومحاولتهم إضعاف مكانته والتقليل من جلالته . قال الشيخ الطبرسي : « قال ابن عياش : وحدّثني أبو طاهر الحسين بن عبدالقاهر الطاهري ، قال : حدّثنا محمّد ابن الحسن الاشتر العلوي ، قال : كنت مع أبي على باب المتوكِّل ، وأنا صبي في جمع من الناس ، ما بين طالبي وعباسي وجعفري ، ونحن وقوف ، إذ جاء أبو الحسن (الهادي) ، ترجّل الناس كلّهم حتّى دخل ، فقال بعضهم لبعض لِمَ نترجّلُ لهذا الغلام ، وما هو بأشرَفِنا ، ولا بأكبَرِنا ، ولا بأسَنِّنا ، والله لا ترجّلنا له ، فقال أبو هاشم الجعفري : والله لتترجلنّ له ، صغرة ، إذا رأيتموه ، فما هو إلاّ أن أقبل ، وبصروا به ، حتّى ترجّل له الناس كلّهم ، فقال لهم أبو هاشم الجعفري : أليس زعمتُم أنّكم لا ترجّلون له ؟ فقالوا له : والله ما ملكنا أنفسنا حتّى ترجّلنا » (49) . وروى الطبرسي محاولة لزيد بن موسى بن جعفر ـ عمّ الامام محمّد الجواد ـ ينافس فيها الامام ، ويحسده على جلالة شخصيته ، وعظم موقعه في النفوس ، فقال : « ذكر ابن جمهور ، وقال : حدّثني سعيد بن عيسى ، قال : رفع زيد بن موسى إلى عمر بن فرج مراراً يسأله أن يُقدِّمَهُ على ابن أخيه ، ويقول : إنّه حَدثٌ ، وأنا عمُّ أبيه ، فقال عمر ذلك لابي الحسن (ع) ، فقال : إفعل واحدة ، أقْعِدْني غداً قَبْلَهُ ، ثمّ انظر ، فلمّا كان من الغد أحضر عمر أبا الحسن (ع) فجلس في صدر المجلس ، ثمّ أذن لزيد بن موسى فدخل فجلس بين يدي أبي الحسن (ع) ، فلمّا كان يوم الخميس أذن لزيد بن موسى قَبْلَهُ فجلس في صدر المجلس ، ثمّ أذن لابي الحسن (ع) فدخل ، فلمّا رآه زيد قام من مجلسه ، وأقعدَهُ في مجلسه ، وجلسَ بين يديه » (50) . ثمّ أورد الشيخ الطبرسي تعليقاً على هذه المحاولات ، وأمثالها ، فقال : « وكان المتوكِّل يجتهد في إيقاع حيلة ، ويعمل على الوضع مِن قَدْرِهِ في عيون الناس ، فلا يتمكّن من ذلك ، وله معه أحاديث يطول بذكرها الكتاب » (51) . لقد كان المتوكِّل ومَن حوله يحاولون الوقيعة بالامام ، وإضعاف مكانته ، إلاّ أ نّه كان يفرض وجوده واحترامه ، ويتّخذ أسلوباً حكيماً ودقيقاً في علاج المواقف ومواجهة المؤامرات ضدّه . وحين أعيت الوسـائل المتوكِّل سعى بكل جهده لاسـتيعاب الامام ، وتحجيم دوره ، ثمّ إيجاد البديل ليحل محله ، وليكون من أتباع القصر ووعّاظ السلاطين ، وتلك خطة تتبعها الانظمة والحكّام لمخادعة الرأي العام ، والتظاهر باحترام المبادئ والمقدّسات ، والتحرّك من نقطة التأثير ، ولمّا كان المتوكِّل يعرفُ مكانةَ أهل البيت ، وتأثيرهم في النفوس ، حاول أن يوظّف هذه القضيِّة لصالحه فلم يفلح ، لذا فقد طرح يوماً على مستشاريه وأركان قصره هذه القضيّة ، وتداول معهم في كيفية معالجة الموقف مع الامام عليّ الهادي (ع) واستيعابه ، واستقطاب الرأي العام المتعلق بأهل البيت (ع) حول قصر الخلافة . روى الشيخ المفيد هذه الخطّة ، وسجّلها بقوله : « روى الحسين بن الحسن الحسني قال : حدّثني أبو الطيب يعقوب بن ياسر ، قال : كان المتوكِّل يقول : ويحكم ، قد أعياني أمر ابن الرضا ، وجَهِدْتُ أنْ يشرَبَ معي ، وأنْ ينادِمني فامتنعَ ، وجهدت أنْ أجِدَ فرصةً في هذا المعنى ، فلم أجدْها ، فقال له بعض مَن حضر : إن لم تجد من ابن الرضا ما تريده من هذه الحال ، فهذا أخوه موسى قَصّافٌ ، عَزّافٌ ، يأكلُ ويشربُ ويَعشِقُ ويتخالَعُ ، فأحضِرْهُ وأشهِرْهُ ، فإنّ الخبر يشيع عن ابن الرضا بذلك ، فلا يفرِّق الناس بينه وبين أخيه ، ومَن عرفَهُ اتّهم أخاه بمثل فعاله ، فقال : اكتبوا بإشخاصِهِ مُكرَماً ، فَأُشخِصَ مُكَرَّماً ، فتقدّم المتوكِّلُ أن يلقاه جميعُ بني هاشم والقواد ، وساير الناس ، وعمل على أ نّه إذا وافى أقطَعَهُ قطيعة ، وبنى له فيها ، وحوّل إليها الخَـمّارين والقيان ، وتقدّم بصلته وبرّه ، وأفرد له منزلاً سرِّياً ، يصلح أن يزوره هو فيه . فلمّا وافى موسى ، تلقاه أبو الحسن (ع) في قنطرة صيف ، وهو موضعُ يتلقّى فيه القادمين ، فسلّم عليه ووافاه حقّه ، ثمّ قال له : (إنّ هذا الرجل قد أحضَرَكَ لِيَهتِكَكَ ، ويَضعَ منك فلا تقرَّ له أ نّك شربتَ نبيذاً قطّ ، واتق الله يا أخي أنْ ترتكبَ محظوراً) ، فقال له موسى : وإنّما دعاني لهذا ، فما حيلتي ، قال : (فلا تضعْ مِن قدرِكَ ، ولا تَعْصِ ربَّكَ ، ولا تفعلْ ما يُشينُكَ ، فما غرضه إلاّ هَتْكَكَ) ، فأبى عليه موسى ، فكرّر عليه أبو الحسن (ع) القول والوعظ ، وهو مقيم على خلافه ، فلمّا رأى أ نّه لا يجيب قال : (أما أنّ المجلس الّذي تريد الاجتماع معه عليه ، لا تجتمع عليه أنت وهو أبداً) ، قال : فأقام موسى ثلاثَ سنين يُبكّرُ كل يوم إلى باب المتوكِّل ، فيقال له : قد تشاغلَ اليوم فيروحُ ويُبكّر ، فيقال له : قد سَكَرَ ، فيبكر ، فيقال له : قد شرب دواءً ، فما زال على هذا ثلاث سنين ، حتّى قُتِلَ المتوكِّل ، ولم يجتمع معه على شراب » (52) . إنّ هذه الحادثة وتلك الخطّة تكشف لنا عن مدى خوف الخليفة العباسي وتفكيره بكل الوسائل لمواجهة الامام الهادي (ع) ، كما تكشف يقظةَ الامام وإحاطَتَهُ بسياسة العباسيين المعادية لاهل البيت (ع) ومحاولات المتوكِّل صنع البديل لمواجهة الامام وتشويه سمعته وعزله عن الجماهير تمهيداً للاجهاز عليه وإلغاء دوره الرسالي المعارض. وليست هذه الاساليب والوسائل وحدها هي الّتي كان يتّبعها الحكمُ العباسي لمواجهة الامام الهـادي (ع) بل كانت الرقابةُ ومحاولاتُ الوقيعة من خصوم أهل البيت (ع) تُمارِسُ دوراً خطيراً للقضاء على الامام . وممّا يذكر من هذه المؤامرات المؤامرة الّتي سعى بها البطحائي ودبّرها ضدّ الامام (ع) ، فرفع إلى المتوكِّل معلومات كاذبة مفادها أنّ الامام يجمعُ المالَ والسلاحَ ويعدُّ للتحرّك السياسي وإعلان الثورة . فصدّق المتوكِّل هذه التهمة ، وأمر بعض عناصر القصر بالهجوم ليلاً على دار الامام وتفتيشها وجلبه للمحاكمة ، فهوجمت دارُ الامام ، وتَمّ تحرّيها ليلاً فلم يَعثروا على شيء ، بل وجدوا الامامَ متوجِّهاً إلى ربّه يُناجيه في صَمتِ اللّيل ، ويستغفرُهُ في هجعةِ الخلائق ، والمتوكِّل يُحيي ليلتَهُ الحمراء بين الجواري وكؤوس الخمر وإيقاع المطربين . قال ابن الصباغ المالكي يصف الحادثة ، ويصوِّر موقف الامام (ع) : « سعى شخص يقال له البطحائي بأبي الحسن (ع) إلى المتوكِّل ، وقال : عنده أموالٌ وسلاحٌ وعُددٌ ولا أأمَنُ خروجَهُ عليك ، فتقدّم المتوكِّل إلى سعيد الحاجب بأنْ يهجمَ عليه ليلاً دارَهُ في جماعة من الرجال والشجعان ، ويأخذ جميعَ ما عنده من الاموال والسلاح ، ويحمله إليه ، قال إبراهيم بن محمّد : قال لي سعيد الحاجب : سِرتُ إلى دار أبي الحسن ليلاً بعد أن هجع الناس في جماعة من الرجال ، ومعي الاعوان بالسلالم ، فصعدنا إلى سطحِ داره وفتحنا الباب وهجمنا بالشموع والسُّرُجِ والنيران ، وفتشنا الدارَ جميعاً أعلاها وأسفلها ، موضعاً موضعاً ، ومكاناً مكاناً ، فلم نجدْ شيئاً ممّا سُعِيَ به عليه غير كيسين أحدهما كبيرٌ ملانُ مختومٌ ، والاخر صغيرٌ فيه فضلة وسيف واحد في جفير خَلِق معلّق، ووجدنا أبا الحسن قائماً يصلِّي على حصير، وعليه جبّة صوف وقلنسوة ولم يرتعْ لِشَيء ممّا نحن فيه ، ولا اكترثَ ، فأخذتُ الكيسين والسيفَ ، وسرتُ إلى المتوكِّل ، فدخلتُ عليه ، وقلتُ هذا الّذي وجدنا من المال والسلاح ، وأخبرته بما فعلتُ ، وبما رأيتُ من أبي الحسن (ع) ، فوجدَ على الكيس الملان ختمَ اُمّهِ ـ اُمّ المتوكِّل ((53)) ـ فطلبَها وسألها عنه فقالت : كنتُ نذرتُ في علّتِكَ إنْ عافاك الله منها لاَُعطينّ أبا الحسن عشرة آلاف دينار من مالي ، فحملتُها إليه في هذا الكيس، وهذا ختمي عليها ، فأضافَ المتـوكِّل خمسمائةِ دينار اُخرى إلى الخمسمائة الّتي كانت في الكيس الصغير من قبل ، وقال لسعيد الحاجب : اُردُدِ الكيسين والسيفَ واعـتذر لنا فيه ممّا كان منّا إليه ، قال سـعيد : فردّدتُ ذلك إليه ، وقلتُ له : أميرُ المؤمنين يعتذرُ إليك ممّا جرى منه ، وقد زادكَ خمسمائة دينار على الخمسمائة دينار الّتي كانت في الكيس من قبل وأشتهي منك يا سيِّدي أنْ تجعَلَني أنا الاخرَ في حِلٍّ ، فإنِّي عبدٌ مأمور ، ولا أقدرُ على مخالفة أمير المؤمنين فقال لي : يا سعيدُ ! (وَسَيَعْلَمُ ا لَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ ) »(54) . ولم يكتف المتوكِّل وخصوم الامام الهادي (ع) بهذه الملاحقة والتضييق ، بل فكّر المتوكِّل أكثر من مرّة ، وحاول أنْ يقتلَ الامامَ بعد أن لم يجد سبيلاً إلى إخفاء شخصيّته وتحجيم دوره ، وتُحدّثنا الوثيقةُ التأريخية التالية عن حقد المتوكِّل وخوفه من قوّة الامام ومنافسته ، فقد جاء في كتاب جلاء العيون ما نصّه : « جاء في كتاب كشف الغمّـة ، ما رواه أبو سعيد سهل بن زياد قال : حدّثنا أبو العباس فضل بن أحمد بن إسرائيل الكاتب ، ونحن في داره بسامرّاء ، جرى ذكر أبي الحسـن (ع) فقال : يا أبا سـعيد ! إنِّي اُحدِّثك بشيء حدّثني به أبي ، قال : كنّا مع المنتصر وأبي كاتِبُهُ ، فدخلنا والمتوكِّلُ على سريره ، فسلّم المنتصرُ ووقفَ ووقفتُ خلفَهُ ، وكان إذا دخل رحّب به وأجلسه ، فأطال القيام وجعل يرفع رجلاً ويضع اُخرى وهو لا يأذن له في القعود ورأيتُ وجهَهُ يتغيّرُ ساعةً بعد ساعة ، ويقول للفتح ابن خاقان : هذا الّذي يقولُ فيه ما تقول ، ويردّ عليه القولَ والفتحُ يُسَكِّنُهُ ويقول : هو مكذوبٌ عليه وهو يتلظّى ويَستشيطُ ويقول : والله لاقتلنّ هذا المرائي الزنديق ، وهو الّذي يدّعي الكذب ويطعن في دولتي ثمّ طلب أربعة من الخزر أجلافاً ، ودفع إليهم أسيافاً ، وأمرَهُم أنْ يقتلوا أبا الحسن إذا دخلَ ، وقال : واللهِ لاُحَرِّقنَّهُ بعد قتلِهِ ، وأنا قائمٌ خلفَ المنتصر من وراء الستر ، فدخل أبو الحسن وشفتاهُ يتحرّكانِ وهو غيرُ مُكتَرث ولا جازع ، فلمّا رآه المتوكِّل رمى بنفسه عن السرير إليه وانكبَ عليه يقبّلُ بين عينيهِ ويديه واحتَمَلَ شِقّهُ بيده وهو يقول يا سيِّدي يابن رسول الله يا خيرَ خلق الله يابنَ عمِّي يا مولاي يا أبا الحسن ! وأبو الحسن (ع) يقول : (اُعيذُكَ يا أميرَ المؤمنين بالله مِن هذا ) ، فقال : ما جاءَ بك يا سيِّدي في هذا الوقت ؟ قال : (جاءني رسولُكَ) ، قال : كذبَ ابنُ الفاعلة ، إرجعْ يا سيِّدي » (55) . وذكر الحسن بن محمّد بن جمهور بن العمّي في كتاب الواحدة قال : « حدّثني أخي الحسين بن محمّد ، فانّه قال : كان لي صديق مؤدّب لولد بغاء ، أو وصيف ((56)) ـ الشك منِّي ـ فقال لي الامير عند منصرفه من دار الخليفة : حَبَسَ أميرُ المؤمنين هذا الّذي يقولون ابن الرضا اليوم ودفعه إلى عليّ بن كركر ، وسمعتُهُ يقول : ( أنا أكرمُ على الله من ناقةِ صالح ، (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب ) ) وليس يُفصحُ بالاية وبالكلام ، أي شيء هذا ؟ قال : قلتُ أعزّك اللهُ ، توعّدَ ، انظرْ ما يكون بعد ثلاثة أيّام ؟ فلمّا كان من الغد أطلقَهُ واعتذرَ إليه ، فلمّا كان في اليوم الثالث ، وثبَ ياغزُ ويغلونُ وتامشُ ((57)) ، وجماعةٌ معهم ، فقتلوه ، وأقعدوا المنتصرَ وَلَدَهُ خليفةً » (58) . تلك صور من محنة الامام عليّ النقي (ع) مع المتوكِّل العباسي ، وصراعه المرير وكفاحه ، حتّى مات المتوكِّل ، فخفّ عن أهل البيت (ع) هذا الضغط والارهاب .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|