اسم الكتاب: الامام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام)
الثورات العلويّة
وحين اشتدّت المحنة على الاُمّة بصورة عامّة ، وعلى الطالبيين بصورة خاصّة ، واصل العلويون حركة المعارضة المسلّحة الّتي لم تهدأ منذ ثورة الشهيد السبط الامام الحسـين بن عليّ (ع) ، ولجأوا إلى العنف والكفاح المسلّح ، وقد ساعدت ظروف وأسباب كثيرة على تحرك هذه المعارضة ضد حكم المتوكِّل ، منها : إنّ عواطف الناس واتّجاه الرأي العام كان يميل إلى جانبهم ، وينظر بعين الاكبار والاحترام إليهم ; ومنها أنّ الظروف والاوضاع السياسية والاقتصادية والادارية والامنية كانت تشجِّع على الثورة والتحرّك ; ومنها اضطراب الوضع الداخلي للجهاز الحاكم ، ووجود الصراعات والانقسامات الّتي أدّت إلى قتل المتوكِّل فيما بعد . إنّ جملة الظروف والاوضاع السياسية وسلوك السلطة الحاكمة ، كانت تساعد على قيام حركات المعارضة ، وتدعو إلى المواجهة المسلّحة . وقد قاد العلويون عدّة انتفاضات وثورات في عهد الامام عليّ الهادي (ع) ، أيّام المتوكِّل العباسي . كان من أبرزها : ثورة محمّد بن صالح بن عبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (ع) الّذي وصفه أبو الفرج الاصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين بقوله : « وكان من فتيان آل أبي طالب وفُتّاكهم وشجعانهم وظرفائهم وشعرائهم » (59) . وقد انتفض هذا الثائر العلوي واجتمع حوله جمهور من المؤيِّدين والانصار ، وكانت (سويقة ((60)) ) منطلق ثورته ، ومنطقة تحرّكه ، إلاّ أنّ عمّه موسى بن عبدالله بن موسى قد خاف من عواقب هذا التحرّك ، ولم يطمئن إلى النتائج فألحّ عليه بتسليم نفسه إلى أبي الساج الّذي ترأّسَ الحجيجَ في ذلك العام ممثلاً للخليفة ، وأخذ له الامان من أبي الساج ، فسلّم محمّد ابن صالح نفسه ، ومعه جماعة من أهله إلى أبي الساج ، فَقُيِّدَ بالسلاسل ، وحُمِلَ إلى سرّ مَن رأى ، هو ومَن كان معه ، وحُبسَ فيها ، واستمرّ حبسُهُ مدّة ثلاث سنوات ، ثمّ اُطلق سراحه ، وأقام هناك إلى أنْ وافته المنيّة . وقد نقل الرواة بعضاً من شعره الكفاحي وأدبه الثائر ، فذكر أحدُ مرافقيه وأصحابه الّذين صاحبوه ليلة التخفّي والثورة ، وهو أحمد بن أبي طاهر قال : « كنت مع أبي عبدالله محمّد بن صالح بن عليّ الحسني في منزل بعض أصحابنا ، فأقامَ عندنا حتّى منتصفِ اللّيل ، وأنا أظنُّهُ يَبيتُ بمكانه ، فإذا هو قد قام فتقلّد سيفَهُ وخرج، فأشفقتُ عليه من خروجه في ذلك الوقت ، وسألتُه المقامَ والمبيتَ ، وأعلمتُهُ خوفي عليه ، فالتفت إليَّ مبتسماً ، وقال : إذا ما اشتملتُ السيفَ واللّيل لم أهل بشيء ولم تَقرعْ فؤادي القوارعُ كما رُوي عنه بعضٌ من شعره ، وهو يصفُ السجنَ ويتحدّث عن معاناته فيه : طِربَ الفؤادُ وعاوَدَتْ أحزانُهُ وتشعّبتْ شُعَباً به أشجانُهُ وبدا له مِن بعدما اندمل الهوى برقٌ تألَّقَ موهناً لمعانهُ يبدو كحاشيةِ الرِّداء ودونَهُ صعبُ الذّرى متمنّعٌ أركانهُ فدنا لِينُظرَ أينَ لاحَ فلم يُطِقْ نظراً إليه وردَّهُ سجّانُهُ فالنارُ ما اشتملتْ عليه ضلوعُهُ والماءُ ماسَحَّتْ به أجفانه (61) ويبدو ممّا سـجّله أبو الفرج الاصـفهاني أنّ كثيراً من العـناصر الّتي أحاطت بالمتوكِّل كانت تُعادي آلَ أبي طالب وتُغْريهِ المتوكِّل بهم ، وتحولُ دون الافراجِ عن هذا الثائر السجين ، ومن اُولئك الخصوم : عبيدالله بن يحيى بن خاقان الّذي كان يقفُ دون اطلاق سراحِ محمّد بن صالح ، فهجاهُ محمّد بأبيات من الشعر وندّد بأخلاقه ونسبه قائلاً : وما في آل خاقان اعتصامُ إذا ما عمّم الخطبُ الكبيرُ لئامُ الناس إثراءً وفَقراً وأعجزُهُم إذا حَمِيَ القَتير وقومٌ لا يزوِّجُهُم كريمٌ ولا تُسنى لِنِسْوتِهِم مُهور (62) ومن ثوّار آل أبي طالب الّذين انتفضوا على حكم المتوكِّل وأعلنوا الثورة هو : الحسن بن زيد بن محمّد بن إسماعيل بن زيد ، وقد أعلن الثورة في طبرستان ونواحي الديلم ، فسيطر عليها ، وتمكّن فيها . وقد سانده وتحرّك معه محمّد بن جعفر بن الحسن بن عمر بن عليّ بن الحسين ، فأخذه والي الخليفة هناك ، عبدالله بن طاهر وحبسَهُ في نيسابور ، وبقي في سجنه حتّى مات ، واشترك في هذا التحرّك عبدالله بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ ابن عبدالله بن جعفر ابن أبي طالب . كما اشترك في هذا الثورة أحمد بن عيسى بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، وأعلن تحرّكه في بلاد الري يدعو إلى الحسن بن زيد ، ثمّ أعلن الحسين بن أحمد بن محمّد بن عبدالله الارقط بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ثورته على الحكم القائم ، وكان يُدعى بالكوكبي . وهكذا كان لال أبي طالب انتفاضات وحركات مسلّحة لمواجهة المتوكِّل العباسي والردِّ على تسلّطه وسوء معاملته .
|
|