اسم الكتاب: الامام الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام)
خليفة أبيه
الدارس للتاريخ الاسلامي ، والمتأمّل في مسيرة الاحداث والوقائع التاريخية في حياة هذه الاُمّة ، يلاحظ ظاهرة الامامة المتمثلة في أهل البيت (ع) ، عليّ بن أبي طالب (ع) والذرّية المباركة من أبنائه ، أبناء فاطمة بنت الهادي محمّد (ص) ; يلاحظ تلك الظاهرة كأبرز قضيّة في تأريخ هذه الاُمّة ، تجلّى دورها في كل مجال من مجالات الحياة ، تجلّى في مجال الفكر والعقيدة والسياسة والمعارف والعلوم الاسلامية ، فأغنت دنيا المسلمين بالعلم والاخلاق والادب والوعي السياسي والاجتماعي ومنحت المسيرة الحضارية لهذه الاُمّة الحيوية والقدرة على العطاء والنمو والتكامل والاصلاح السياسي الاجتماعي . لقد تفرّع من هذه الشجرة المباركة إمامة الائمّة الهداة : السبطين الحسن والحسين ابني عليّ وفاطمة بنت رسول الله (ص) ، وعليّ بن الحسين الملقّب بزين العابدين ، ومحمّد بن عليّ الملقّب بالباقر ، وجعفر بن محمّد الملقّب بالصادق ، وموسى بن جعفر الملقّب بالكاظم ، وعليّ بن موسى الملقّب بالرضا ، ومحمّد بن عليّ الملقّب بالجـواد ، وعليّ بن محمّد الملقّب بالهادي ، والحسن بن عليّ الملقّب بالعسكري ، وولده محمّد بن الحسن الملقّب بالمهدي (عليهم السلام) . وقد التزم أئمّة أهل البيت (ع) ومَن شايعهم بتلك المبادئ وتواصل امتداد الامامة عندهم بشكل نص وتعيين من كل إمام على الامام الّذي يليه، وقد تواردت النصوص على إمامة الامام الحسن العسكري (ع) ، وظهر أمر إمامته في عصر أبيه الامام عليّ الهادي (ع) ، نذكر من هذه النصوص ما رواه الشيخ المفيد ، قال : « أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد، عن محمّد بن أحمد النهدي، عن يحيى بن يسار العنبري ، قال : أوصى أبو الحسن عليّ بن محمّد إلى ابنه الحسن (عليهما السلام) ، قبل مضيه بأربعه أشهر ، وأشار إليه بالامر من بعده ، وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي » (6) . وروى أيضاً : « أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن عليّ بن محمّد ، عن جعفر بن محمّد الكوفي ، عن يسار بن أحمد البصري ، عن عليّ بن عمرو النوفلي ، قال : كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) ، في صحن داره فمرّ بنا محمّد ابنه ، فقلت له : جعلت فداك هذا صاحبنا بعدك ، فقال : (لا ، صاحبكم من بعدي الحسن) » (7) . وروى أيضاً : « أخبرني أبو القاسم ، عن محمّد بن يعقوب ، عن عليّ بن محمّد ، عن إسحاق بن محمّد، عن محمّد بن يحيى بن رئاب ، عن أبي بكر الفهفكي، قال : كتب إليَّ أبو الحسن (ع) : (أبو محمّد ابني أصح آل محمّد غريزة ، وأوثقهم حجّة ، وهو الاكبر من ولدي ، وهو الخلف ، وإليه ينتهي عُرَى الامامة وأحكامنا ، فما كنتَ سائلي عنه ، فاسْألْهُ عنه ، فَعِندَهُ ما تحتاجُ إليه) » (8) . وروى كذلك : « أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن عليّ بن محمّد ، عن محمّد بن أحمد القلانسي ، عن عليّ بن الحسين بن عمرو ، عن عليّ بن مهزيار ، قال : قلت لابي الحسن (ع) : إن كان كونٌ ، وأعوذ بالله ، فإلى مَن ؟ قال : (عهدي إلى الاكبر من ولدي ، يعني الحسن (ع) ) » (9) . وهكذا فهم المسلمون وتأكّد لدى الخاصّة من أصحاب الامام الهادي (ع) والعامّة من المسلمين ، أنّ الامامة من بعده في ولده الحسن (ع) ، لذلك أقبل الناس عليه ، واعترفوا له بالامامة عملاً بهذا النص الشريف ، واقتناعاً بما امتاز به الامام الحسن العسكري (ع) من علم وخلق وتقوى وجهاد . ولقد تولّى مهام الامامة بعد وفاة أبيه ، والّتي استمرّت نحو ست سنوات ، مارس فيها مسؤوليات الامامة العلمية والسياسية ، كما كان آباؤه الكرام يمارسونها بجدارة وكفاءة تامّة .
|
|