سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام)


عبادة الامام (عليه السلام)

أئمّة أهل البيت (ع) هم المطهّرون الّذين أذهبَ اللهُ عنهم الرِّجسَ ، فكانوا قدوةَ الاُمّة في العلم والعمل والزُّهد والعبادة والاخلاص لله الواحد الاحد .
وواضحٌ أنّ أبرزَ عنصر من العناصر المقومة للامامة ، هو عنصر الاخلاص لله ، والتعلّق به دون سواه ، وإنّ أبرزَ معالم هذا الاخلاص والعبودية لله في حياة البشرية هو العبادة والتسليم لامر الله سبحانه ، والاتّجاه إليه في كلّ الاحوال والظروف ، ومَن يدرسُ حياةَ أئمّة أهل البيت (ع) وسيرتهم ، يجدهمُ المثلَ الاعلى بالتقوى والزُّهد والعبادة ، واستقامة السلوك والشخصية .
وما كانت دعوتهم وجهادهم ، إلاّ لتوحيد الله وعبادته ، وقيادة البشرية في طريق الهدى والصلاح .
وقد حدّثنا التاريخ عن عبادة الامام أبي محمّد الحسن العسكري (ع) ، كما تحدّث عن آبائه الكرام (ع) .
وواضح أن أبرز هذه الروايات ، وأكثرها إغناء لحياة الانسان المسلم ، وهدياً له ، هي تلك الروايات الّتي تتحدّث عن عبادة الامام في السجن ، وتعلّقه بالله سبحانه ; وإنّ هذه الصورة الّتي تنقل عن الامام العسكري (ع) ، تعيد إلى أذهاننا صورة جدّه الامام الكاظم موسى بن جعفر (ع) في سجن الخليفة العباسي هارون الرشيد ، الّذي قضى فيه سنين عديدة بالعبادة والتوجّه إلى الله . وكان يقول غيرَ متبرِّم ، ولا جَزِع من السجن والقيد :
« إنِّي دعوتُ اللهَ أن يُفرغني للعبادة ففَعَلَ » .
ولقد كان خصوم الامام العسكري (ع) يسعون للتضييق عليه ، وتشديد ظروف السجن والمعاناة من حوله ، ومع كل ذلك فهو صابرٌ لا يتزحزح ، ومطمئن النفس لا يضطرب موقفه ، ولا يتراجع عن دوره القيادي ومسؤوليته العقائدية .
وقد حفل التاريخ بالاخبار والروايات المتحدِّثة عن عبادة الامام وزهده وتقواه ، نذكر منها ما يلي :
1 ـ شهادة خصمه عبدالله بن خاقان لابنه أحمد ، فقد قال له ، وهو يصف الامام العسكري (ع) :
« لو زالتِ الخلافةُ عن بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غيره ، لفضله وعفافه وصومه وصلاته وصيانته وزهده وجميع أخلاقه » (18) .
2 ـ قال محمّد الشاكري : « كان (ع) يجلس في المحراب ويسجدُ ، فَأَنامُ وأنتبهُ وهو ساجد » (19) .
3 ـ قال أبو هاشم داود بن القسم الجعفري : « كان الحسن يصوم في السجن ، فإذا أفطرَ أكلنا معه من طعام كان يحمله غلامُهُ إليه في جونة مختومة » (20) .
4 ـ قال محمّد بن إسماعيل : « إنّه وهو في السجن كان يصومُ النهارَ ، ويقومُ اللّيلَ كلّه ، لا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة » (21) .
5 ـ روى الشيخ المفيد ، فقال :
« إنّ الامام في أحد سجونه سُلِّم إلى نحرير ، وكان يُضيِّقُ عليه ويُؤذيهِ ، فقالت له امرأتُهُ : إتقِ الله ، فإنّك لا تَدري مَن في منزلِكَ ، وذكرتْ له صلاحَهُ وعبادتَهُ ، وقالت له : إنِّي أخاف عليك » (22) .
6 ـ ونقل الكليني رواية اُخرى تتحدّث عن عبادة الامام وزهده وإمضاء وقت السجن في الذكر والعبادة والتوجه إلى الله سبحانه ، ممّا جعله يؤثّر فيمن وكِّل بسجنه وتعذيبه ، فكان مصباحاً يُضيءُ ما حوله ، وشجرةً مثمرةً ينتفعُ بها ساقيها ، ومَنْ يرميها بالحجر ، قال :
« دخل العباسيون على صالح بن وصيف ، ودخل عليه صالح بن عليّ وغيرهم من المنحرفين عن هذه الناحية عندما حبس أبو محمّد (ع) ، فقالوا له : ضيِّق عليه ولا تُوسّع . فقال لهم صالح : ما أصنعُ به ، وقد وَكلتُ به رجلين شرَّ مَنْ قدرت عليه ، فقد صارا من العبادة والصلاة إلى أمر عظيم . ثمّ أمرَ بإحضار الموكلين به ، فقال لهما : ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل ؟
فقالا له : ما نقول في رجل يصومُ نهاره ، ويقومُ ليله كلّه ، لا يتكلّم ، ولا يتشاغلُ بغير العبادة ، فإذا نظرَ إلينا ارتعدت فرائِصُنا ، وداخَلَنا ما لا نَملكُهُ مِن أنفسنا ، فلمّا سمع ذلك العبّاسيون انصرفوا خاسئين » (23) .
تلك مقتطفات موجزة تحدّث بها المؤرِّخون والرواة عن عبادة الامام وانقطاعه إلى الله سبحانه في سجون الحكّام العباسيين ومحابسهم الظالمة ، وهي بدورها تُضيءُ لنا دربَ الحياة ، وتعلمنا الصبرَ والثباتَ والتوجّهَ إلى الله سبحانه في أشدّ الظروف وأحلكها .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com