سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام)


الامام (عليه السلام) والسلطة العبّاسية

من الواضح أن شؤون القيادة والسياسة هي من أبرز مهام الامامة في الاسلام ، لذا فإنّ أئمّة أهل البيت (ع) ، من لدنّ الامام عليّ بن أبي طالب (ع) وحتّى الامام الحسن العسكري (ع) كانوا المعارضة للسلطات الحاكمة ، وحملوا لواء الدعوة إلى العمل بكتاب الله وسنّة رسول الله (ص) ، واتّخذوا أساليب شتّى لمواجهة الانحراف والتلكّؤ في التطبيق، وباستقراء المواقف السياسية لائمّة أهل البيت (ع) وأسلوب عملهم السياسي نستطيع أن نشخص الاساليب التالية :
1 ـ أسلوب الثورة والكفاح المسلّح : كما فعل الامام عليّ (ع) وولداه الامامان ، السبط الحسن (ع) ، والسبط الحسين (ع) .
2 ـ إعتماد أسلوب النصح للحكّام وتوعية جماهير الاُمّة ، وإلفات نظر علماء السلطة المتواطئين معها ، والعمل على عزل السلطات الظالمة عن جماهير الاُمّة . كما حصل ذلك على امتداد مسيرة أئمّة أهل البيت (ع) السياسية ، فقد اتخذوا هذا الاسلوب كجزء من أساليب المعارضة السياسية، وتنمية خط أهل البيت (ع)، وتثبيت قواعده .
3 ـ إسناد الثورات العلوية والثورات الّتي تسعى لتصحيح الاوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية للاُمّة ، كثورة التوابين ، وثورة المختار ، وثورة زيد بن عليّ ، وثورة الحسين صاحب فخ ... إلخ .
4 ـ إتّخذ عمل أئمّة أهل البيت (ع) السياسي والعقائدي طابع السرِّية والتحرّك السرِّي ، خصوصاً في عهد الامام موسى بن جعفر ، ومحمّد الجواد ، وعليّ الهادي ، والحسن العسكري ، بسبب الظروف الاشد قساوة وإرهاباً في تاريخ أئمّة أهل البيت (ع) .
الامام العسكري (عليه السلام) والعمل السياسي
لقد دأب خلفاء بني العباس على استدعاء أئمّة أهل البيت (ع) من المدينة المنوّرة ، عاصمة العلم والشريعة ، إلى بغداد وسامرّاء وخراسان عواصم السلطات الحاكمة ، ليكونوا تحت الرقابة والمتابعة الجاسوسية ، ولِيُطَوَّقَ نشاطُهُم الفكري والسياسي ، فَيُعزلوا عن قواعدهم الشعبية وأنصارهم المتعاطفين معهم ; فقد زجّ الرشيدُ العباسي الامامَ الكاظمَ موسى بن جعفر(ع) في السجن حتّى استشهد فيه، وكما لاحقت السلطات العباسية آباءه وزجّتْ بهم في السجون وبثّت من حولهم الجواسيس والعيون ، فقد لاحقت الامام الحسن العسكري (ع) وأحاطته بالرقابة ، وأحصت عليه تحرّكه ، لتشلّ نشاطَهُ الفكري والسياسي ، وتحول بينه وبين ممارسة دوره القيادي في أوساط الاُمّة . لذلك فقد لجأ الامام إلى العمل السياسي من خلال بناء جهاز خفيّ من الاتباع والوكلاء ، وأحكم تنظيمه ، وتُفْصِحُ الوثائقُ التاريخية المتوفرة بين أيدينا عن ذلك الاسلوب الدقيق بوضوح كامل ، نذكر منها :
1 ـ « روى عليّ بن جعفر ، عن حلبي ، قال : اجتمعنا بالعسكر ، وترصّدنا لابي محمّد (ع) يوم ركوبه ، فخرج توقيعه : ( ألا لا يسلِّمنّ عليَّ أحد ، ولا يشير إليَّ بيده ، ولا يؤمئ ، فإنّكم لا تأمنون على أنفسكم ) ، قال : وإلى جانبي شابٌّ ، فقلتُ : من أين أنت ؟ قال : من المدينة ، قلت : ما تصنع ههنا ؟ قال : اختلفوا عندنا في أبي محمّد (ع) ، فجئتُ لاراه وأسمعَ منه أو أرى منه دلالةً ليَسْكُنَ قلبي وإنِّي لولد أبي ذر الغفّاري .
فبينما نحن كذلك إذ خرج أبو محمّد (ع) مع خادم له ، فلمّا حاذانا نظر إلى الشاب الّذي بجنبي ، فقال : (أغفاريٌّ أنت ؟ ) قال : نعم ، قال : (ما فعلتْ اُمُّكَ حمدوية ؟ ) فقال : صالحة ، ومرَّ . فقلتُ للشاب : أكنتَ رأيتَهُ قطُّ وعرفتَهُ بوجهه قبل اليوم ؟ قال : لا ، قلتُ : فينفعُكَ هذا ؟ قال : ودون هذا » (38) .
2 ـ « روى أبو هاشم الجعفري ، عن داود بن الاسود ، وَقّادِ حَمّام أبي محمّد (ع) ، قال : دعاني سيِّدي أبو محمّد ، فدفع إليَّ خشبة ، كأ نّها رجل باب مدوّرة طويلة ، ملءَ الكفّ فقال : (صِرْ بهذه الخشبة إلى العُمَري) ، فمضيتُ ، فلمّا صرت إلى بعض الطريق عرض لي سقّاءُ معه بغلٌ ، فزاحَمَني البغلُ على الطريق ، فناداني السقاء صحّ على البغل ، فرفستُ الخشبةَ الّتي كانت معي ، فضربتُ البغلَ ، فانشقّتْ ، فنظرتُ إلى كسرها فإذا فيها كُتبٌ ، فبادرتُ سريعاً فردَدْتُ الخشبةَ إلى كُمّي ، فجعل السقاء يناديني ويشتمني، ويشتم صاحبي، فلمّا دنوت من الدار راجعاً استقبلني عيسى الخادم عند الباب ، فقال : يقول لك مـولاي : (لِمَ ضربتَ البغلَ ، وكسرتَ رجلَ الباب) . فقلت له : يا سيِّدي ! لم أعلم ما في رجل الباب ، فقال : (ولِمَ احتجتَ أنْ تعملْ عملاً تحتاجُ أنْ تعتذَر منه ، إيّاك بعدها أن تعودَ إلى مثلها ، وإذا سمعتَ لنا شاتماً فامض لسبيلك الّتي اُمرتَ بها ، وإيّاك أن تجاوب من يشتمنا ، أو تعرِّفه مَن أنت ، فانّنا ببلد سوء ، ومصر سوء ، وامض في طريقك ، فإن أخبارك وأحوالك ترد إلينا ، فاعلم ذلك) » (39) .
3 ـ « عن محمّد بن عبدالعزيز البلخي ، قال : أصبحتُ يوماً فجلستُ في شارع الغنم ، فإذا بأبي محمّد (ع) قد أقبل مِن منزله ، يريدُ دارَ العامّة ، فقلتُ في نفسي : تُرى إنْ صحتُ أ يُّها الناسُ هذا حجّةُ الله عليكم فاعرِفوهُ ، يقتلوني ؟ فلمّا دنا منِّي ، أومأ باصبعه السبّابة على فيه : أنِ اسْكُتْ ، ورأيتُهُ تلك اللّيلة يقول : (إنّما هو الكتمان أو القتل ، فاتق الله على نفسك) » (40) .
4 ـ « روى أحمد بن محمّد ، عن جعفر بن الشريف الجرجاني قال : حَجَجْتُ سنة ، فدخلت على أبي محمّد (ع) بسُرَّ من رأى ، وقد كان أصحابنا حملوا معي شيئاً من المال ، فأردتُ أن أسأله إلى مَن أدفعُهُ فقال قبل أن أقول ذلك : (إدفع ما معك إلى المباركِ خادمي) . قال : ففعلتُ وخرجتُ ، وقلتُ : إن شيعتَكَ بجرجان يقرأون عليك السلام » (41) .
5 ـ « وروى سعد بن جناح الكشي ، قال : سمعتُ محمّدَ بن إبراهيم الورَّاق السمرقندي يقول : خرجتُ إلى الحجّ فأردتُ أنْ أمرّ على رجل كان من أصحابنا معروف بالصدق ، والصلاح والورع والخير ، يقال : بَوْرَق البوشنجاني (قرية من قرى هراة) وأزوره وأحدث به عهدي ... إلى أن قال : فقال له بورقُ خرجتُ حاجّاً ، فأتيتُ محمّد بن عيسى العبيدي ، فرأيتُهُ شيخاً فاضلاً ، في أنفِهِ اعوجاج ، وهو القنا ، ومعه عدّة رأيتُهُم مُغْتمِّين محزونين .
فقلت لهم : ما لكم ؟ فقالوا : إنّ أبا محمّد (ع) قد حُبس ، قال بورق : فحججتُ ورجعتُ ثمّ أتيتُ محمّد بن عيسى ووجدتُهُ قدِ انجلى ما كنتُ رأيتُ به ، فقلتُ : ما الخبر ؟ فقال : قد خلِّي عنه » (42) .
6 ـ ومن الوثائق الدالّة على عمل الامام السياسي وبنائه لجهاز منظّم من أتباعه ، ما أورده ابن شهرآشوب ، قال : كتب أبو محمّد (ع) إلى أهل قم وآبه ((43)) :
« إنّ الله تعالى بجوده ورأفته قد منَّ على عبادة بنبيِّه محمّد (ص) بشيراً ونذيراً ووفّقكم لقبول دينه وأكرمَكُم بهدايتِهِ وغرسَ في قلوب أسلافِكُم الماضين رحمةَ الله عليهم وأصلابكم الباقين تولّى كفايتهم وعمّرهم طويلاً في طاعته، حبّ العترة الهادية فمضى مَن مضى على وتيرة الصواب ومنهاج الصدق وسبيل الرشاد فوردوا موارد الفائزين واجتنوا ثمرات ما قدّموا ووجدوا غِبّ ما أسلفوا » (44) .
7 ـ وروى الكشِّي في رجاله :
« ورد على القاسم بن العلا نسخة ما كان خرج من لعن ابن هلال ، فكان ابتداء ذلك أن كتب (ع) ـ يعني الامام ـ إلى قوّامه بالعراق : احذروا الصوفي المتصنع » (45) .
8 ـ « قال أبو الحسن ، عليّ بن محمّد بن خشاب (أو حباب) حدّثنا أبو الاديان قال : كنتُ أخدِمُ الحسنَ بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع) ، وأحمل كتبه إلى الامصار ، فدخلت إليه في علّته الّتي توفي فيها ، صلوات الله عليه ، فكتب معي كتاباً وقال : (تمضي به إلى المدائن) » (46) .
9 ـ قال ابن شهرآشوب متحدِّثاً عن وكلاء الامام وممثِّليه :
« من ثقاته عليّ بن جعفر قيم لابي الحسن ، وأبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، وقد رأى خمسة من الائمّة ، وداود بن أبي يزيد النيسابوري ، ومحمّد بن عليّ بن بلال ، وعبدالله بن جعفر الحميري القمّي ، أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري ، والزيات ، والسمان ، وإسحاق بن ربيع الكوفي ، وأبوالقاسم جابر بن يزيد الفارسي ، وإبراهيم بن عبدة بن إبراهيم النيسابوري .
ومن وكلائه محمّد بن أحمد بن جعفر ، وجعفر بن سهيل الصيقل وقد أدركا أباه وابنه » (47) .
وبالتأمّل في تلك النصوص الوثائقية ، ندرك أن للامام أتباعاً في كل أنحاء العالم الاسلامي ، وأن له وكلاء وممثلين عنه ، وثقات يثق بهم ويعتمدهم في عمله العلمي والسياسي لادارة جهازه وتشكيله المحرّك لجماهير الاُمّة وللرأي العام والمهيّأ لقيادة أهل البيت (ع) .
ونستطيع أن نلتقط العبارات الدالّة على ذلك بوضوح :
فالرواية رقم (1) ، توضِّح أنّ الامام قد طلب من أصحابه « عدم التسليم عليه » « والاشارة إليه بيده » « ولا يومئ » « فإنّكم لا تأمنون على أنفسكم » ، نستطيع أن نتصوّر حجم الارهاب والجاسوسية الّتي لا يأمنُ معها الانسانُ على نفسه من القتل أو السجن والتعذيب ، إنْ هو أظهر علاقة ، ولو بمستوى التحيّة أو الاشارة بيده أو الايماء بالرأس، معبِّراً عن علاقته بالامام الحسن العسكري (ع)، الّذي تعرف السلطة العباسية والقادة والوجهاء والعلماء والعامّة مكانتَهُ من البيت الرفيع ، ومقامه العلمي والديني السامي .
وفي النص إشارة واضحة إلى التكتل السرِّي لاصحاب الامام (ع) والمخاطبة السرِّية بينه وبينهم : « إجتمعنا بالعسكر » « وترصّدنا لابي محمّد » « مخرج توقيعه » .
فالاجتماع الّذي يُخشى من انكشاف علاقة أصحابه به و «الترصُّد» و «خروج توقيع الامام إلى هذه الجماعة من أصحابه» ، كلّها عبارات تصوِّرُ حقيقةَ الوضع العصيب الّذي أحاط بالامام ، وتكشف عن طبيعة الاسلوب الّذي استخدمه الامام لمواجهة ذلك الظرف وتلك المواقف الصعبة ، وفي مقدّمة تلك الاساليب هو التنظيم واعتماد السرِّية في بناء ذلك التكتل المنظّم المرتبط به والعلاقة بينه وبينهم .
والرواية رقم (2) ، تكشف لنا صورة اُخرى من صور الكتمان والتنظيم في عمل الامام العسكري (ع) ، فالامام يحذِّر صاحبه إيماءً بإصبعه ، ويخشى التكلّم معه ، ثمّ يحذِّره في ليلة ذلك اليوم من عواقب المجاهرة بالولاء لال محمّد (ص) والانتماء إليهم ، فإن هذا الولاء والانتماء يكلِّف الانسان حياته في تلك الفترة .
وذلك صريح وواضح في قول الراوي :
« ورأيته تلك اللّيلة يقول : (إنّه الكتمان أو القتل) » .
في تلك الظروف العدائيّة المليئة بالارهاب والخوف ، مارس الامام الحسن العسكري (ع) جهاده العملي والسياسي ، وواجه حكّام عصره ، وكما تكشف لنا هذه الوثائق جانب التكتّم والسرِّية ، فإن وثائق اُخرى تكشفُ لنا جانبَ التكتّل والعمل على بناء جهاز الاتباع والامداد المالي للامام من أتباعه ، لذلك فقد اشتدّتِ الملاحقةُ على هذا البناء العقائدي ، وزجّ بأبرز أشخاصه في السجون والمعتقلات .
ففي الرواية رقم (4) نجد النصّ الاتي :
« وكان أصحابنا قد حملوا معي شيئاً من المال » ، « وقلتُ إنّ شيعتَكَ بجرجان يقرأون عليك السلام » .
وفي الرواية رقم (5) :
« فأردت أن أمرّ على رجل من أصحابنا ـ من أهل هراة ـ » ، « فأتيت محمّد بن عيسى العبيدي ، ومعه عدّة فرأيتهم مغتمِّين ، محزونين ... » ، « فقالوا : إنّ أبا محمّد (ع) قد حُبس » .
وفي الرواية رقم (6) نقرأ :
« كتب أبو محمّد (ع) إلى أهل قم وآبه » .
وفي الرواية رقم (7) نقرأ :
« كتب ـ يعني الامام (ع) ـ إلى قوّامه بالعراق » .
وفي الرواية رقم (8) نقرأ :
« كنت أخدم الحسن (ع) ، وأحمل كتبه إلى الامصار » ، « فكتب معي كتاباً ، وقال : تمضي به إلى المدائن » .
وفي الرواية رقم (9) نقرأ :
« ومن وكلائه محمّد بن أحمد بن جعفر ، وجعفر بن السهل الصيقل » .
وهكذا تتجمّع أمامنا تلك المعلومات الوثائقية الدالّة على عمل الامام العلمي والسياسي ، لتوضِّح لنا تشكيله المنظّم وتكتله العقائدي الّذي استطاع أن يقاوم الارهاب ومحاولات الابادة المتتالية .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com