قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام)
صور من الكفاح السياسي
لقد خاض الامام العسكري (ع) كآبائه الكرام (ع) ملحمةَ الكفاح السياسي لمواجهة الظلم والارهاب والتلاعب وبالسلطة والادارة ومصالح الاُمّة ، كما خاضوا ملاحمَ الكفاح العقائدي من أجل الاصالة والنقاء الاسلاميين ، وحفظ المبادئ والقيم والرسالة المقدّسة ، كمهمّة أساسية من مهام القيادة والاُمّة الّتي شاء الله سبحانه أن يتحمّلوها . وقد كلَّفَتْهُم هذه المهمّةُ الصعبة ثمناً باهظاً ومعاناةً طويلة ، فقد تحمّلوا السجونَ والملاحقةَ والقتلَ والتُّهَمَ والتضييقَ عليهم . فهذا الامام العسكري (ع) ، كما تنقل لنا الروايات وكتب التاريخ ، زُجّ في السجن ، وحُبس مرّات عديدة ، وخُطِّطَ لقتله ، كما زُجَّ بأصحابه في السجون والمعتقلات من قِبَل حكّام عصره وأنصارهم . نقرأ من تلك الروايات : 1 ـ « كان أبو هاشم الجعفري حُبس مع أبي محمّد (ع) ، كان المعتز حبسهما مع عدّة من الطالبيين في سنة (258 هـ ) » (48) . 2 ـ « حدّثنا أحمد بن زياد الهمداني عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم قال : حدّثني أبو هاشم داود بن القاسم قال : كنت في الحبس ، المعروف بحبس صالح بن وصيف الاحمر ، أنا والحسن بن محمّد العقيقي ، ومحمّد بن إبراهيم العمري ، وفلان وفلان ، إذ ورد علينا أبو محمّد الحسن (ع) وأخوه جعفر ، فَحَفَفْنا له إلى خدمته وكان المتولِّي لحبسه صالح بن وصيف ، وكان معنا في الحبس رجلٌ جُمَحيٌّ ، يقول إنّه علوي ، قال : فالتفت أبو محمّد (ع) فقال : (لولا أنّ فيكم مَنْ ليس منكم لاعلمتُكُم متى يُفرّجُ عنكم) ، وأومأ إلى الجمحي أن يَخرجَ فخرجَ ، فقال أبو محمّد (ع) : (هذا الرجل ليس منكم فاحذروه ، فإن في ثيابه قصّة قد كتبها إلى السلطان يُخبره بما تقولون فيه) ، فقام بعضهم ففتّش ثيابَهُ ، فوجد فيها القصّةَ ، يذكُرُنا فيها بكل عظيمة » (49) . 3 ـ وكما تدل الرواية السابقة على أنّ المعتز قد حبس الامام الحسن العسكري (ع) ، فإن هناك رواية اُخرى تدل على أنّ المهتدي قد حبس الامام أيضاً ، وكان يسعى لقتله والتخلّص منه ، فقد جاء في كتاب الاوصياء لعليّ بن محمّد بن زياد الصيمري : « عن أبي هاشم قال : كنتُ محبوساً عند أبي محمّد ، في حبس المهتدي ، فقال لي : (يا أبا هاشم ! إنّ هذا الطاغية أراد أن يعبث بالله عزّ وجلّ في هذه اللّيلة وقد بتر اللهُ عمرَهُ ، وجعله للمتولِّي بعده ، وليس لي ولد سيرزقني الله ولداً بكرمه ولطفه) ، فلمّا أصبحنا شغبَ الاتراكُ على المهتدي وأعانهم العامّةُ لِما عَرَفوا مِن قوله بالاعتزال والقدر ، فقتلوه ونصبوا مكانَهُ المعتمدَ وبايعوا له ، وكان المهتدي قد صمّم العزم على قتل أبي محمّد (ع) فشغله الله بنفسه حتّى قتل ، ومضى إلى أليم عذاب الله » (50) . 4 ـ وذكر الطبرسي في إعلام الورى عن سلسلة من الرواة : « عن أحمد بن محمّد ، قال : كتبت إلى أبي محمّد (ع) حين أخذ المهتدي في قتل الموالي ، وقلت : يا سيِّدي ! الحمد لله الّذي شغله عنك ، فقد بلغني أ نّه يتهدّدك ، ويقول : واللهِ لاُجْلِيَنَّهُم عن جديد الارض ، فوقّع أبو محمّد بخطه : (ذاك أقصرُ لِعُمُرِهِ ، عُدَّ مِن يومك هذا خمسة أيّام ويُقتَلُ في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف يمرّ به) ، فكان كما قال » (51) . وكما فكّر المهتدي في قتل الامام والتخلّص منه ، فقد فكّر المعتز من قبله ودبّر مؤامرة لذلك ، فقد نقل ابن شهرآشوب : « تقدّم المعتز إلى سعيد الحاجب ، أنْ أخرِجْ أبا محمّد إلى الكوفة ، ثمّ اضربْ عُنقَهُ في الطريق ، فجاء توقيعه (ع) إلينا : (الّذي سمعتُموهُ تَكفونَهُ) ، فَخُلِعَ المعتزُّ بعد ثلاث وقُتل » (52) . 5 ـ وروى الصيمري أنّ اُمّ الامام خافت على ولدها وأظهرت الجزع عليه بعد أن كان أخبرها باحتمال وقوع حوادث عليه ، قال : « فلمّا كان في صفر سنة ستّين ومائتين أخذها المقيم والمقعد ، وجعلتْ تخرجُ في الاحايين إلى خارج المدينة ، وتجسس الاخبار حتّى ورد عليها الخبر ، حين حبسه المعتمد في يدي عليّ بن جرير ، وحبس جعفراً أخاه معه ، وكان المعتمد يسأل عليّاً عن أخباره في كل وقت فيخبره أ نّه يصوم النهار ، ويصلّي اللّيل » (53) . 6 ـ وذكر أيضاً عن المحمودي قال : « رأيتُ خَطَّ أبي محمّد (ع) لمّا خرجَ من حبس المعتمد : (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ ا لْكَافِرُونَ ) ((54)) » (55) . 7 ـ روى الكليني أنّ إبراهيم بن موسى بن جعفر قال : «دخلَ العباسيون على صالح بن وصيف ودخل صالح بن عليّ وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عندما حُبس أبو محمّد (ع) ، فقالوا له : ضَيِّقْ عليه ولا تُوَسِّعْ ، فقال لهم صالح : ما أصنعُ به ؟ وقد وكّلتُ به رجلينِ شرَّ مَن قدرتُ عليه ، فقد صارا من العبادة والصلاة إلى أمر عظيم » (56) . 8 ـ وروى الشيخ المفيد : « سُلِّمَ أبو محمّد (ع) إلى نحرير ، وكان يضيِّق عليه ، ويُؤذِّيه ، فقالت له امرأتُهُ : إتّقِ اللهَ فإنّك لا تدري مَن في منزلِكَ ، وذكرتْ له صلاحَهُ وعبادتَهُ ، وقالت إنِّي أخاف عليك منه » (57) . 9 ـ وروى المفيد أيضاً عن محمّد بن إسماعيل العلوي : « حُبس أبو محمّد (ع) عند عليّ بن أوتامش ، وكان شديدَ العداوةِ لال محمّد (ص) ، غليظاً على آل أبي طالب (ع) ، وقيل له : إفعل به ، وافعلْ ، قال : فما قام إلاّ يوماً حتّى وضع خدّيه له ، وكان لا يرفَعُ بصرَهُ إجلالاً له وإعظاماً ، وخرجَ مِن عنده وهو أحسنُ الناس بصيرةً ، وأحسنَهم فيه قولاً » (58) . وهكذا تُصَوِّرُ لنا هذه الرواياتُ والاخبارُ معاناةَ الامام (ع) مع حكّام عصره ، ومواجهتهم لنشاطه السياسي ، واستعمال شتى الوسائل من السجن ومحاولات القتل والارهاب والمراقبة لمنعه من ممارسة دوره القيادي ، ومسؤولياته في الاُمّة . وكما دخل الامام (ع) السجونَ والمعتقلاتِ ، فقد اُدخِلَ أصحابُهُ وأتباعُهُ فيها أيضاً ، كما تدل على ذلك الحوادث ووثائق التاريخ . وحوادث المرحلة الّتي عايشها الامام (ع) ووثائقها التأريخية، تكشفُ عُمقَ الصراع وسَعَتَهُ وتجذُّرَهُ بين السلطة العباسـية وبين قيادة الامام العسـكري (ع) وأنصاره ، وامتداده الجماهيري ، وخوف السلطة من قيادة الامام (ع) ، وعمقها الشعبي الفعّال ، وقدرتها على التأثير والاستقطاب .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|