قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام)
قبس من معارفه (عليه السلام) في العقيدة والتوحيد
إشتدّت الخلافاتُ العقائدية في عصر الامام (ع) ، وربّما تحوّلت إلى فِتَن ومشاكلَ اجتماعية وسياسية ، وكانَ مِن أبرزها في تلك الفترة فتنةٌ عقائديةٌ وُضِعتٌ للنقاش ودارتْ حول (خلق القرآن) ، أي أنّ القرآنَ قديمٌ أم مخلوقٌ ؟ وقد انقسمتْ أجوبةُ العلماء والمذاهب الكلامية بهذا السؤال إلى جوابين متناقضين، وكان جواب مدرسة أهل البيت (ع) أنّ كلام الله حادث ، وليس قديماً ، فهو مخلوق لله كسائِرِ خلقِهِ ، بدليل قوله تعالى : (مَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْر مِن رَبِّهِم مُحْدَث إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) . (الانبياء/2) وبدليل إخباره عن بعثة الانبياء ، كقوله : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّة إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) . (فاطر / 24) وكنزول الايات في الحوادث الّتي كانت تحدث ، مثل قوله تعالى : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَولَ ا لَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوجِهَا ... ) . (المجادلة / 1) وهذه الايات وأمثالها تشير إلى أنّ آيات القرآن حادثة ، وكلام الله هو غير علمه، فعلم الله سبحانه قديم ، كقدم ذاته المقدّسة ، فهو عالِمُ الغيب والشهادة ، ويستوي لديه الماضي والحاضر والمستقبل ، فهو العالِم بالاشياء قبل حدوثها ، كما هو عالِم بها حال حدوثها ، واستمرار بقائها ، وكلّ ذلك جار بعلمه وتقديره سبحانه . ولمعرفة الجواب على هذه المسألة، سأله أبو هاشم الجعفري ـ أحد أصحاب الامام العسكري (ع) ـ فأجابه عليها بإيضاح موجز . قال أبو هاشم : « خطر ببالي أنّ القرآنَ مخلوقٌ أم غير مخلوق ؟ فقال أبو محمّد (ع) : (يا أبا هاشم ! الله خالق كلّ شيء وما سواه مخلوق) » (75) . وسأله محمّد بن صالح الارميني عن قول الله عزّ وجلّ : « (للهِِ الاَْمْر مِنْ قَبْلُ وَمِن بَعْد ) ، قال : (الامرُ مِن قبلِ أنْ يأمُرَ به ، ومن بعد أن يأمر) ، فقلت في نفسي : هذا قوله : (أَلاَ للهِِ الخلقُ وَالاَمْر ) ، فنظر إليَّ وتبسّم ، ثمّ قال : (لهُ الخلق والامر) » (76) . فالامام يوضِّح بهذا التفسير علاقة الخلق والحوادث بالقدرة والمشيئة الالهيتين ، وأنّ لا شيء يخرج عن سلطان الله وهيمنته حتّى بعد وقوعه وحدوثه . وكتب إلى سهل بن زياد كتاباً جواباً عن كتاب كتبه إليه يسأله فيه عن التوحيد : « سألتَ عن التوحيد ، وهذا عنكم معزول ، اللهُ تعالى واحدٌ ، أحدٌ ، صَمَدٌ ، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد ، خالقٌ ، وليس بمخلوق ، يخلُقُ تبارك وتعالى ما يشاءُ مِن الاجسام ، وغير ذلك ، ويصوِّر ما يشاءُ ، وليس بِمُصوِّر ، جلَّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه ، وتعالى أن يكون له شبيه ، هو لا غيره ، ليس كمثله شيءٌ ، وهو السميعُ البصير » (77) . ومن المسائل الاعتقادية الّتي كثر الجدل والحوار حولها هي مسألة (البداء) الدائرة على فهم الاية الكريمة : (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ ا لْكِتَاب ) . (الرّعد / 39) والبداء ـ كما يقول العلماء ـ هو إظهار الخفي من علم الله وقضائه وقدره للخلق . وقد فهم البعض هذه المسألة فهماً خاطئاً ، فهموا أنّ القولَ بالبِداء يعني القولَ بتغيّر علم الله ، وهذا يعني عدم علم الله التام بالاشياء . وقد صحّح أهلُ البيت (ع) هذا الاعتقادَ المنحرفَ ، وأوضحوا أنّ معنى البداء : (هو إظهار الخفيّ من علم الله وقضائه وقدره للخلق) . وقد أجاب الامام حين سأله أحمد بن صالح عن قول الله عزّ وجلّ : « (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ ا لْكِتَاب ) بقوله : (هل يمحو إلاّ ما كان ، وهل يُثبتُ إلاّ ما لم يكن ). وقلت في نفسي : هذا خلاف قول هشام بن الحكم : إنّه لا يعلمُ بالشيء حتّى يكون ، فنظر إليَّ ، فقال : (تعالى الجبّارُ ، الحاكمُ ، العالِمُ ، بالاشياءِ قبل كونها) ، قلتُ : أشهد أ نّك حجّة الله » (78) . وروى محمّد بن الربيع الشيباني ، قال : « ناظرتُ رجلاً من الثنوية ((79)) فَقَوِيَتْ في نفسي حجّتُهُ ، هذا وأنا بالاهواز ، ثمّ قدمتُ سامرّاءَ ، فحين رأيتُ أبا محمّد (ع) أومى بسبّابته : أحداً ، فوحِّدْه ، فخررتُ مغشيّاً عليَّ » (80) . ويحدِّثنا التاريخ أنّ بعض المنحرفين عن عقيدة التوحيد غالوا في أئمّة أهل البيت (ع) ، ووصفوهم بأوصاف الالوهيّة ، فتبرّأ أهل البيت (ع) من ذلك الضلال ولعنوهم، وحاربوا تلك الاتّجاهات المنحرفة ، وبيّنوا للناس حقيقة التوحيد . فقد روى إدريس بن زياد الكفرتوثائي ، قال : « كنتُ أقول فيهم قولاً عظيماً ، فخرجتُ إلى العسكر للقاء أبي محمّد (ع) ، فقدمتُ وعليَّ أثرُ السفر ووعثاؤه ، فألقيتُ نفسي على دُكانِ حَمّام ، فذهب بي النوم فما انتبهت إلاّ بمقرعة أبي محمّد ، قَرَعَني بها حتّى اسـتيقظتُ فعرفتُهُ ، فقمتُ قائماً اُقبِّل قدميه وفَخِذَهُ ، وهو راكبٌ والغلمان من حـوله ، فكان أوّل ما تلقّـاني به أن قال : يا إدريـس ! ( ... بَلْ عِبَادٌ مُكْـرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَولِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) فقلتُ : حسبي يا مولاي وإنّما جئتُ أسألك عن هذا ، قال فتركني ومضى » (81) . وفي عصر الامام العسكري (ع) عاش الفيلسوف المعروف يعقوب بن إسحاق الكندي ، وكان فيلسوفَ العراق في زمانه ، وأخذ في تأليف كتاب يتّهمُ فيه القرآنَ بالتناقض ، وأشغَلَ نفسَهُ فيه وتفرّدَ به في منزلِهِ ، فعلم الامامُ بما يفعله الكندي ، وفي أحد الايّام دخل أحد تلامذة الكندي على الامام العسكري (ع) ، فقال له أبو محمّد (ع) : « (أما فيكم رجلٌ رشيد ، يردَعُ أستاذَكُمُ الكنديَّ عمّا أخذ فيه من تَشاغُلِهِ بالقرآن) . فقال التلميذ : نحنُ مِن تلامذته ، كيف يجوزُ منّا الاعتراضُ عليه ، في هذا أو في غيره ، فقال له أبو محمّد (ع) : (أتؤدِّي إليَّ ما ألقيه إليك ؟ ) قال : نعم . قال : فَصِرْ إليه وتَلَطّفْ في مؤانَسَتِهِ ومعونَتِهِ على ما هو بسبيله ، فإذا وَقَعَتِ الانسةُ في ذلك ، فقلْ قد حضرَتْني مسألةٌ أسألك عنها ، فإنّه يستدعي ذلك منك ، فقل له إنْ أتاكَ هذا المتكلِّمُ بهذا القرآنِ ، هل يجوزُ أنْ يكون مرادُهُ بما تكلّم منه غيرَ المعاني الّتي قد ظَنَنْتَها أ نّك ذهبتَ إليها ؟ فإنّه سيقول لك : إنّه من الجائز ، لا نّه رجل يفهم إذا سمع ، فإذا أوجبَ ذلك ، فقُلْ له : فما يُدريكَ لعلّه قد أرادَ غيرَ الّذي ذهبتَ أنت إليه ، فتكونَ واضعاً لِغيرِ معانيه . فصار الرجلُ إلى الكندي ، وتلطّف إلى أنْ ألقى عليه هذه المسألة ، فقال له : أعِدْ عليَّ ، فأعادَ عليه ، فتفكّر في نفسه ، ورأى ذلك محتملاً في اللّغة وسائغاً في النظر ، فقال : أقسمتُ عليك إلاّ أخبرتني من أين لك ؟ فقال : إنّهُ شيء عَرَضَ بقلبي فأوردتُهُ عليك ، فقال : كلاّ ما مثلُكَ مَنِ اهتدى إلى هذا ولا مَن بَلَغَ هذه المنزلةَ ، فعرِّفني مِن أين لك هذا ؟ فقال : أمرني به أبو محمّد ، فقال : الانَ جئتَ به وما كان لِيخرُجَ مثلُ هذا إلاّ مِن ذلك البيت ، ثمّ أ نّه عادَ بالنار وأحرقَ جميع ما كان أ لّفه » (82) . وهكذا كان للامام (ع) موقف علمي ، وبأسلوب وطريقة مؤثرة في شخصية الكندي ، تمكّن من تغيير قناعاته ، وإصلاح تفكيره ، واستئصال فتنة فكرية ، كان من الممكن أنْ تنشبَ لو أ نّه أخرجَ تلك التصوّراتِ المُنحرفة إلى الوجود . ومن المسائل الفقهية ذات الدلالة الاجتماعية الّتي كَثُرَ الجدلُ حولها قديماً وحديثاً مِن المشكّكين ، هي مسألة ميراث المرأة . وقد أوضح الامام العسكري (ع) ذلك للسائل ، كما أوضحه من قبل جدّه جعفر الصادق (ع) لاحد الزنادقة ، دفاعاً عن الفكر الاسلامي وتوضيحاً لفلسفة التشريع في القرآن . سأله الفهفكي : « ما بالُ المرأة تأخذ سهماً واحداً ، ويأخذُ الرجلُ سهمين ((83)) ؟ فقال أبو محمّد : (إنّ المرأةَ ليس عليها جِهادٌ ولا نَفَقَةٌ ((84))، ولا عليها مَعْقُلَةٌ ، إنّما ذلك على الرجال) ، فقلت في نفسي : قيل لي إنّ ابن أبي العوجاء سأل أبا عبدالله عن هذه المسألة فأجابه بمثل هذا الجواب ، فأقبل أبو محمّد عليَّ فقال : (نعم ، هذه مسألة ابن أبي العوجاء ، والجواب منّا واحدٌ إذا كان معنى المسألة واحداً واُجري لاخرنا ما اُجرِيَ لاوّلنا ، وأوّلنا وآخرنا في العلم والامر سواء ، ولرسول الله ولامير المؤمنين فضلهما) » (85) . روى أبو هاشم الجعفري ، قال : « سمعتُ أبا محمّد (ع) يقول : (من الذنوب الّتي لا تُغفَرُ قولُ الرجل ليتني لم أؤاخَذْ إلاّ بهذا ) ، فقلتُ في نفسي : إنّ هذا لهو الدقيقُ ، وقد ينبغي للرجل أنْ يتفقّدَ من أمره ومن نفسه كل شيء، فأقبل عليَّ أبو محمّد فقال: (صدقتَ يا أبا هاشم ! فالزمْ ما حدّثَتْكَ به نفسُكَ ، فإنّ الاشراكَ في الناس أخفى مِن دبيـبِ الذرّ على الصـفا في اللّيلة الظلماء ، أو من دبيب الذر على المسح الاسود) » (86) . إنّ الامام يوجِّه أصحابه إلى التوحيد الخالص ، وتنقية النيِّات ، وتصحيح اتّجاه النفس ، ويحذِّر من الرواسب الخفية الّتي تدفع بالانسان إلى غير ذلك ، ويدعوه إلى مراجعة نفسه ومحاسبتها وتقويم سلوكه ومقاصده ، وأنْ لا يستهينَ بذنب مهما يكن صغيراً . وروى أبو هاشم : « سمعتُ أبا محمّد يقول : (إنّ الله لَيَعفوَ يومَ القيامة عَفْواً ـ لا ـ يُحيطُ على العبادِ حتّى يقول أهلُ الشِّرك : (وَاللهِ رَبّنَا مَا كُنّا مُشْرِكِين ) ) فذكرتُ في نفسي حديثاً حدّثني به رجل من أصحابنا من أهل مكّة أن رسول الله (ص) قرأ : (إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوب جَمِيعاً ) ، فقال الرجلُ ومَن أشرَكَ ، فأنكرتُ ذلك ، وتنمّرتُ للرجل ، فأنا أقول في نفسي إذ أقبل عليَّ (ع) فقال : (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) بئسما قال هذا ، وبئسما روى » (87) . ومن إرشادات الامام وتوجيهاته العلمية والسياسية والتربوية ، هو جوابه لابي هاشم ، قال : « قلتُ في نفسي ، وقد كتب الامام (دعاء) : يا أسمعَ السامعين ... إلى آخره : اللّهمّ اجعلني في حِزبِكَ ، وفي زُمرَتِكَ ، فأقبلَ عليَّ أبو محمّد (ع) فقال : (أنتَ في حزبِهِ ، وفي زمرتِهِ ، إذ كنت بالله مؤمناً ، ولرسوله مصدِّقاً ، ولاوليائِهِ عارفاً ، ولهم تابعاً ، فأبْشِرْ ، ثمّ أبشِرْ) » (88) . وقد وضّح الامام (ع) معنى حزب الله ، ومَن هُمُ الّذين يمثلونه بقوله عن معنى الاية الكريمة : (وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَا لَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ ا لْغَالِبُونَ ) . (المائدة / 56) فَمَنْ آمنَ بالله وصَدّقَ رسولَهُ ، وعَرَفَ حقَّ أولياء الله ، واتبعَ منهجَ الهدى ، فهو من حزب الله المفلحين . وسأله الحسنُ بنُ ظريف ، « قال : كتبتُ إلى أبي محمّد (ع) أسألُهُ ما معنى قول رسول الله (ص) لامير المؤمنين (ع) : (مَنْ كُنتُ مولاه فهذا مولاه) ((89)) ، قال : (أرادَ بذلك أن يجعَلَهُ عَلَماً يُعرفُ به حزبُ الله عندَ الفرقة) » (90) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|