سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام محمّد بن الحسن المهدي (عليه السلام)


المدّعون للسّفارة

إنّ مَن يدرس المساحة التاريخيّة الّتي أحاطت بأئمّة أهل البيت (ع) ، من عصر الامام عليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ وعليّ بن محمّد والحسن بن عليّ ، وحتّى عصر محمّد بن الحسن (المهدي) ، ويتأمّل في التيّارات والاراء الفكرية الّتي أنشأها بعض المنحرفين والضالّين من الغلاة والزنادقة والكذّابين ، وحاول إلصاقها بمنهجِ الهُدى والرشاد الّذي دعا إليه أهل البيت (ع) ، يكتشف خطّاً منحرفاً وأيادي خبيثة حاولت أن تندسّ في مدرسة أهل البيت (ع) ، وتنتسب إليها لتحريف ذلك الخطّ الفكري الاصيل وتخريبه .
ولقد حارب أئمّة أهل البيت (ع) تلك المؤامرة ، وبذلوا جهداً مضنياً من أجل تنقية تلك المدرسة وتيّارها العقائدي والفقهي من تلك المحاولات المنحرفة والضالّة . ولقد كثرت تلك الفرق والاتّجاهات المنحرفة ، بشكل جعل بعض الكتّاب يصنّف ويؤلّف في هذه الفرق ويَعدّها من فرق الشيعة بسبب ادّعائها الانتساب إلى أهل البيت (ع) ، كما فعل النوبختي عندما صنّف كتاباً تحت اسم : (فرق الشيعة) ، وعدّ فيه الفرق الضالّة والمنحرفة وأصحابها الّذين لعنهم أئمّة أهل البيت (ع) وطردوهم ، وذلك خطأٌ يجبُ تصحيحُهُ والانتباهُ إليه ، فتلك فرقٌ لا علاقةَ لها بأهل البيت (ع) ، ولا بِشيعتِهِم الملتزمين بمنهجهم ، فهم لا يَحملونَ عقيدةَ التوحيد ولا مبادئ القرآن الّتي كرّس أهلُ البيت حياتَهُم من أجلها ، فليس التشيّعُ بمعناه الفكري والتشريعي ، إلاّ ما حوى كتابُ الله وسنّة رسول الله محمّد (ص) ، وليس التشيّعُ في مدلوله السياسي إلاّ الموالاةَ لاهلِ البيت (ع) ، والدعوةَ لامامتهم وولايتهم .
وفي فترة الغيبة الصغرى الّتي دامت سبعين عاماً تقريباً ، في تلك الفترة الّتي كان فيها السفراء الاربعة يواصلون مسؤولية الاتصال السرِّي بالامام محمّد بن الحسن المهدي (ع)، وينقلون لاتباعه الفتاوى والتوجيهات ، ظهر عددٌ مِن الكذّابين والمدّعين ومنهم من انتهى أمره إلى الغلوّ ((49)) والالحـاد والدعـوة إلى الاباحيـة والتحلّل من المحرّمات .
كما ادّعوا الاتصال بالامام المهدي ، وأ نّهم بابُهُ وسفراؤه إلى الاُمّة ، فلعنهُمُ الامامُ محمّد بن الحسن المهدي (ع) ، وتبرّأ منهم ، وبلّغ ذلك عن طريق سفرائه لاتباعه ، فتبرّؤوا منهم ولعنوهم .
ولقد حدّثتنا كتب السير والرواية والتاريخ عن اُولئك المنحرفين ، كما نقلت لنا مواقف الامام المهدي (محمّد بن الحسن) منهم وموقف أصحابه .
قال الشيخ الطوسي في (كتاب الغيبة) : أخبرنا جماعة عن أبي محمّد التلعكبري عن أبي علي محمّد بن همام ، قال :
« كان الشريعي يُكّنى بأبي محمّد ، قال هارون : وأظنّ اسمه كان الحسن ، وكان من أصحاب أبي الحسن عليّ بن محمّد (الامام الهادي) ، ثمّ الحسن بن عليّ بن محمّد (الامام العسكري) بعده (ع) ، وهو أوّلُ مَنِ ادّعى((50)) مقاماً لم يجعلْهُ اللهُ فيه ، ولم يكن أهلاً له ، وكذبَ على الله وعلى حُجَجِهِ (ع) ، ونسب إليهم ما لا يليق بهم ، وما هم منه بُراء ، فلعنَهُ الشيعةُ ، وتبرّأت منه ، وخرج توقيع الامام بلعنه ، والبراءة منه .
قال هارون : ثمّ ظهر منه القول بالكفر والالحاد ، قال : وكُلُّ هؤلاءِ المدّعين إنّما يكونُ كذبهم أوّلاً على الامام، وأ نّهم وُكَلاؤه فَيَدْعونَ الضّعَفَةَ بهذا القول إلى موالاتهم، ثمّ يترقّى الامر بهم إلى قول الحلاّجية ، كما اشتهرَ مِن أبي جعفر الشلمغاني ونظرائه عليهم جميعاً لعائِنُ الله تَتَرى »(51) .
ومنهم محمّد بن نصير النميري، وكان النميري من أصحاب الامام الحسن العسكري والد الامام المهدي ، إلاّ أ نّه انحرفَ ، وأظهر عقائدَ ضالّة ، وادّعى البابية بعد الشريعي، فلُعِنَ ، واُبعِدَ ، وتبرّأَ منه أتباعُ أهل البيت (ع) وشيعتُهُم .
ومنهم الحسين بن منصور الحلاّج ، وقد ادّعى أ نّه سفيرُ الامام المهدي ووكيله .
ومنهم عليّ بن محمّد الشلمغاني ، الّذي لعنه الامام محمّد بن الحسن المهدي وتبرّأ منه .
فقد وجّه الامامُ رسالةً إلى سفيره الحسين بن روح في ذي الحجّة، سنة (312 هـ )، توضِّح إنحراف الشلمغاني وضلاله ، فقد ورد فيها :
« عَرِّفْ أطالَ الله بقاءَكَ وعرَّفَكَ الخـيرَ كلَّهُ وختَمَ به عملَكَ ، مَن تثِقُ بدينـه وتسكُنُ إلى نيّته من إخواننا ـ أسعدَكُمُ الله ـ بأنّ محمّداً بنَ عليّ المعروف بالشلمغاني ، قد ارتدّ عن الاسلام وفارقَهُ ، وألحَدَ في دين الله ، وادّعى ما كَفَرَ معه بالخالق جلّ وتعالى ، وافترى كذباً وزوراً وقال بُهتاناً وإثماً عظيماً ، كَذِبَ العادلون بالله وضلّوا ضلالاً بعيداً، وخَسِروا خُسراناً مبيناً، وإنّنا قد برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله وآله صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته عليهم منه ، ولعنّاهُ ، عليه لعائنُ الله في الظاهر منّا والبـاطن ، في السرّ والجَهْرِ ، وفي كلِّ وقت ، وعلى كلّ حال ، وعلى مَنْ شايعه وبايعه، أو بلغه هذا القول منّا، وأقام على تولّيه بعده ، وأعلمهم أ نّنا في التوقّي والمحاذرة منه على ما كنّا عليه ممّن تقدّمه من نُظَّرائه ، من الشريعي والنميري والهلالي والبلالي وغيرهم ، وعادةُ الله جلّ ثناؤه ، مع ذلك قَبلَهُ وبعدَهُ عندنا جميلةٌ ، وبه نثقُ ، وإيّاهُ نستعينُ ، وهو حَسبُنا في كلّ اُمورنا ونعم الوكيل » (52) .
وقد تحدّث ابن الاثير في الشلمغاني وآرائه الضالّة المنحرفة ، كما ثبت أيضاً ، أنّ الّذي كشف هذه الشخصية المنحرفة هو أبو القاسم ، الحسينُ بن روح ، السفير الثالث من سفراء الامام المهدي (ع) .
قال ابن الاثير :
«وفي هذه السنة قُتِلَ أبو جعفر محمّد بن علي الشلمغاني، المعروف بابن أبي القراقر، وشلمغان الّتي ينسب إليها ، قرية بنواحي واسط .
وسبب ذلك أ نّه قد أحدثَ مذهباً غالياً في التشيع ، والتناسخ ، وحُلولِ الالهيّة فيه ، إلى غير ذلك ممّا يحكـيه ، وأظهر ذلك من فعله أبو القاسم ، الحسينُ بنُ روح ، الّذي تسمِّيه الامامية الباب ... »(53) .
« وقد طُلِبَ ابن الشلمغاني من قبل السلطة الحاكمة آنذاك ، فهربَ واختفى في الموصل ، ثمّ هربَ إلى بغداد ، واختفى فيها .
وفي سنة (322 هـ )، قبض عليه ابن مُقلة، الّذي كان وزيراً في عهد المقتدر العباسي، فسجَنَهُ ، وكبس دارَهُ ، فوجد فيها رقاعاً وكتباً تدلّ على انحرافه ، فصُلِبَ الشلمغاني في ذي القعدة سنة (322 هـ ) ، واُحرِقَ بالنار » (54) .
وهكذا تشهد تلك الفترة التاريخـيّة ، بامتداد الصراع بين منهج النقاء والاصالة الّذي حمله أهل البيت (ع)، وبين العناصر والفرق الضالّة والمنحرفة من الغلاة والزنادقة .
(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق ) . (الانبياء / 18)

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com