سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام محمّد بن الحسن المهدي (عليه السلام)


علامات الظّهور

لكلِّ حدث عظيم من أحداث التاريخ بداياتٌ وإرهاصات وعلامات تشير إليه ، فالمستقبل حقيقة تعيش في ضمير الحاضر، والاحداثُ التاريخيّة وإنْ بدتْ لنا مفاجئة في بعض الاحيان ، إلاّ أنّها ليست مفاجئة ، إلاّ في ظهورها كاملة على سطح المساحة التاريخيّة ، ذلك لانّ مقدّماتها ومُجملَ موجباتِ حُدوثها تبدأ بالولادة والتعبير عن نفسها ، ثمّ يَتجسّدُ الحدثُ الكبير حقيقةً يحتلُّ موقعَهُ في مساحة الاحداث .
وظهور المصلح المهدي ، واحد من أعظم أحداث التاريخ البشري الكبرى ، لذلك أخبر الرسول الكريم محمّد (ص) اُمّتَهُ وأطلَعَها على ما أطلعَهُ اللهُ سبحانه عليه من عالم الغيب ، من ظهور مصلح عظيم .
فلقد وجّه الرسول الهادي (ص) اُمّتَهُ وأمرها بالايمان به واتّباعِهِ عند ظهوره ، كمصلح يعمل بكتاب الله والسنّة النبويّة المطهّرة ، ويقودُ البشريةَ إلى شاطئ الهدى والسلام ، محطّماً أصنامَ الجاهلية وقِيَمَها وأفكارَها وحضارتَها المدمّرة .
ولكي تتقرّب الفكرة الغيبية هذه إلى الاذهان وتتهيّأ النفوس إلى تقبّلها ، حدّد الرسول (ص) علامات الظهور ، وفصّلها الائمّة من أهل البيت (ع) ، ولفتوا الانظار إليها .
وممّا ينبغي الاشارة إليه هنا ، هو أنّ ما ورد في كتب التاريخ والرّواية من أخبار تتحدّث عن المهـدي (ع) وعلامات ظهوره قد دسّ فيها الكثير من الاكاذيب والاساطير .
لذا ينبغي تنقيح هذه الرّوايات وغربلتها وتحقيقها ، لتظهر الحقيقة ناصعة ، كما أخبر عنها الهادي محمّد (ص) ، وفصّلها الائمّة الهداة (ع) .
إنّ الرواياتِ النبويّةَ لَتُشير إلى ظهور نوعين من العلامات ; علامات اجتماعية وعلامات طبيعية كونيّة .
وإنّ من أبرزها ، العلامات والامارات الاجتماعية المشيرة إلى ظهور المهدي (ع) ، وهي تردّي الحضارة والحياة البشرية في مهاوي الجاهلية ، ووصولها إلى المراحل الّتي كانت تصل إليها في العصور الّتي تسبق ظهور نبي مصلح .
فعندما تنحدرُ البشريةُ في مستنقع الجاهلية ، وتَطغَى الافكارُ والعقائد والنظم والاعراف والاخلاقوالعلاقات الجاهلية في الحياة البشريّة، ويَتَردّى الوضعُ الاقتصادي والامني ، وينتشرُ الخوفُ والقلق والحروب ، والظلم والجور ، تكون الانسانية بحاجة إلى مصلح عظيم يُغيِّر مجرى التاريخ ، ويُحدِثُ الانقلابَ الشاملَ وفْقَ منهاج النبوّة ودعوتها التوحيديّة الرائدة .
وكما تشير الروايات أيضاً ، أنّ من علامات ظهور المهدي (ع) ، وصولُ البشرية إلى حالة راقية من التقدّم العلمي والصناعي ، ونضج العقل البشري .
وتُثبِتُ الرواياتُ علامةً اُخرى، وهي ولادةُ القاعدةِ والانصار والحركة الاجتماعية والسياسية والعسكرية ، الّتي توطِّئ للمهدي (ع) وتهيِّئ لظهوره .
وهكذا تتركّز العلامات الاجتماعية في :
1 ـ انتشار الظلم والجور .
2 ـ التسلّط الجاهلي ، وظهور الحياة الجاهلية بعقائدها وأخلاقيتها وحضارتها .
3 ـ التقدّم العلمي الهائل .
4 ـ الحروب والفتن المدمّرة ، وغياب الامن والسلام .
5 ـ ظهور الكذّابين والدّجّالين ، المدّعين للاصلاح .
6 ـ الغلاء والتدهور الاقتصادي .
7 ـ ظهور الموطِّئين والمهيِّئين، من حركات وقيادات ودعوات إصلاحية، واستغاثة للتخلّص من الجاهلية المدعومة بقوى المادّة والعدوان .
روى الصدوق في كتابه (مَن لا يحضره الفقيه) ، أنّ الاصبغ بن نباتة ، روى عن أمير المؤمنين ، عليّ بن أبي طالب قوله :
«يظهرُ في آخر الزّمـان واقتراب السـاعة ، وهو شَرُّ الازمنـة ، نسوةٌ كاشـفات عاريات ، متبرِّجات ، من الدِّين خارجات، داخلات في الفتن ، مائلات إلى الشهوات ، مسرعات إلى اللّذات ، مستحلاّت للمحرّمات ، في جهنّم خالدات»(55) .
وروى المجلسي في (بحار الانوار عن ثواب الاعمال) ، عن أبيه، عن علي، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبدالله (ع) ، قال : « قال رسول الله (ص) :
سيأتي على اُمّتي زمانٌ تخبُثُ فيه سرائِرُهُم ، وتحسُنُ فيه علانيتَهُم ، طمعاً في الدُّنيا ، لا يُريدونَ به ما عند الله عزّ وجلّ ، يكونُ أمرُهُم رياءً ، لا يخالِطُهُ خوفٌ ، يَعُمُّهُمُ الله منه بعقاب ، فيدعونه دعاءَ الغريق فلا يُستَجابُ لهم »(56) .
وبالاسناد المذكور ، قال : قال رسول الله (ص) :
« سيأتي زمانٌ على اُمّتي لا يَبقى مِن القرآن إلاّ رسْمُهُ ، ولا مِن الاسلام إلاّ اسمُهُ يُسمَّوْنَ به ، وهم أبعدُ الناس منه ، مساجدُهُم عامرةٌ ، وهي خرابٌ مِن الهدى ، فقهاءُ ذلك الزمان شَرُّ فقهاء تحتَ ظلّ السماء ، منهم خرجَتِ الفتنةُ ، وإليهم تعود »(57) .
وروي عن الامام الباقر ، محمّد بن علي (ع) أ نّه قال :
« لا يخرِجُ المهديُّ حتّى يرقَى الظّلمةُ »(58) .
وروي عن عليّ بن أبي طالب (ع) عن رسول الله (ص) :
« إنّ الاسلامَ بدأ غريباً ، وسيعودُ غريباً ، فطوبى للغرباء ، فقيل ومَن هم يا رسولَ الله ؟ قال : الّذين يُصلحونَ إذا أفسدَ الناسُ ، إنّه لا وحشةَ ، ولا غُربةَ على مؤمن ، وما مِن مؤمن يموتُ في غُربة إلاّ بكتِ الملائكةُ رحمةً له ، حيثُ قلّتْ بواكيه ، وإلاّ فُسِحَ له في قبره بنور يتلالاُ مِن حيث دُفِنَ إلى مسقط رأسه »(59) .
وأخرج ابن ماجة في سننه / الجزء 2 / في أبواب الفتن / فتنة الدّجّال ، عن أبي إمامة الباهلي ، قال :
«خَطَبَنا رسولُ الله (ص)، فكان أكثرُ خطبتِهِ حديثاً حَدَّثَناه عن الدّجّال، وحَذَّرنَاه، فكان من قوله : أ نّه لم تَكُنْ فتنةٌ في الارض مُنذُ ذرأَ اللهُ ذرِّيّةَ آدم ، أعظمَ مِن فتنة الدّجّال ، وأنّ اللهَ لم يَبعثْ نبيّاً إلاّ حَذّرَ اُمّتَهُ الدّجّالَ ، وأنا آخِرُ الانبياء ، وأنتم آخِرُ الاُمم ، وهو خارجٌ فيكم لا محالة »(60) .
ونقل الكليني في روضة الكافي حديثاً عن الامام جعفر بن محمّد الصادق (ع) ، يصف المستوى العلمي والصناعي الّذي تصله البشرية :
« إنّ قائمنا إذا قامَ ، مدّ اللهُ عزّ وجلّ لشيعتِنا في أسماعِهِم وأبصارِهِم حتّى لا يكونَ بينهم وبين القائم بريدٌ ، يُكلِّمهم فيسمعونَ وينظرون إليه وهو في مكانه » (61) .
وروي عن الامام الصادق (ع) :
« إنّ المؤمنَ في زمان القائم وهو بالمشرقِ لَيَرى أخاه الّذي في المغرب ، وكذا الّذي في المغرب يرى أخاه الّذي بالمشرق » (62) .
ونستطيع القول أنّ هاتين الروايتين تشيران إلى تطور وسائل الاتصال الّتي بلغها العلم الحـديث ، من صناعة أجهزة نقل الصور والاصوات ، كالتلفزيـون والراديـو وأمثالهما . وهاتان العلامتان المادّيتان اللّتان عرفناهما ، بعد تقدّم العلوم والمعارف (الرؤية ، والسماع من بعيد) لم تكونا معروفتين من قبل ، وبذا يمكن اعتبار هاتين الروايتين ، بعض الوثائق المادّية الدالّة على صدق الظهور .
وروى الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة) ، عن محمّد بن مسلم وأبي بصير ، أنّهما قالا : سمعنا أبا عبدالله (ع) يقول :
« لا يكونُ هذا الامرُ حتّى يذهبَ ثلثا الناس ، فقلنا إذا ذهب ثُلُثا الناس ، فَمَن يبقى ؟ فقال : أما تَرْضَوْنَ أنْ تكونوا في الثُلُثِ الباقي »(63) .
وأخرج أبو نعيم ، عن عليّ بن أبي طالب (ع) ، في كتاب (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان) ، قال :
« لا يخرجُ المهديُّ حتّى يُقتَلَ ثُلثٌ ، ويموتَ ثُلثٌ ، ويبقى ثُلثٌ »(64) .
وكما تتحدّث تلك الروايات عن الامارات الاجتماعية الدالّة على ظهور المهدي ، فهناك روايات اُخرى تتحدّث عن العلامات والامارات الطبيعية ، مثل الخسوف والكسوف في غير وقته الطبيعي ، والتغيير في عالم الفلك والطبيعة .
ولا بدّ من الاشارة هنا ، إلى أنّ الروايات الّتي تحدّثت عن ظهور الامام المهدي ، أكّدت ظهوره من مكّة المكرّمة ، وأ نّه يعلن خلافته وقيام دولته ، ويبايع له الناس ما بين الركن والمقام في المسجد الحرام .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com