سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام محمّد بن الحسن المهدي (عليه السلام)


اليأس والامل

في ظلّ الجاهلية البغيضة ، عاشتِ البشريّةُ قروناً عديدةً قبل أنْ تَطلَّ على الدُّنيا رسالةُ الهُدى ، ودعوةُ الاصلاح الّتي بُعث بها مُنقِذُ البشريّة النبيّ الهادي محمّد (ص) . فكان الانسانُ في تلك الفترة الرهيبة يعيش في محيط البؤس واليأس والشقاء ، وحين خوطب بكلمة الانقاذ وسمع صوت البشير ينادي بقافلة الانسان ، انفتح قلبه للنداء ، واستجاب لدعوة الامل والرجاء .
وهكذا في كلّ مرّة تُنيخُ الجاهليةُ بظلامها على دنيا الانسان ، وينقطعُ الاملُ ، وتُحيطُ به أمواجُ البلاء تكون الرسالةُ الالهيّة هي المُنقِذَ ، والرائدَ في دنيا الاصلاح .
(وَإِنْ مِنْ أُمَّةِ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) . (فاطر / 24)
وأشرقت أنوارُ القرآن ، وتبدّدت سحبُ الظلام ، وعادتْ للانسان حرِّيّتُهُ الطبيعيّةُ وكرامتُهُ الّتي صادرها الطغاة المستبدّون .
إنّ في كلّ فترة مِن فترات تاريخ البشرية ، يوجَدُ نبيٌّ مُنقِذٌ ، ورسولٌ هاد ، يتحمّل مسؤوليةَ الهداية والاصلاح .
فظاهرةُ وجود النبوّة ، ظاهرة تعبِّر عن لطف الله وعنايته بخلقه .
وواضح أنّ وجود المصلح المهدي ، يمثِّلُ الامتدادَ المتواصلَ للّطف الالهي ، اللّطفِ الّذي دُعِيَ الانسانُ إلى انتظاره ، كما كان يُدعى إلى انتظار الانبياء المصلحين ، إلاّ أنّ هذا الانتظار مقرونٌ بمسؤولية الامر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والدعوة إلى الاسلام، والجهاد في سبيل الله ، لئلاّ تتعطّلَ شريعةُ الهُدى ، ويسودَ الظلمُ والفساد .
فلم تكن هذه الدعوة إلى الانتظار، دعوةَ استسلام أو خنوع أو تخلٍّ عن المسؤوليّة، إلاّ أنّ البعضَ قد فَهمَ قضيّةَ انتظار المهدي المصلح فَهْماً خاطئاً ، فهماً يصلُ إلى حَدِّ تعطيل الاحكام الشرعية ، والتوقّف عن تحمّل مسؤولية الاصلاح ، وإيكال الامر إلى المهدي المصلح ، خلافاً لصريح الرسالة الاسلامية وروح الدعوة الالهيّة .
فالقرآنُ كلُّهُ دعوةٌ إلى الايمان والعمل والتطبيق وتكليفٌ بالاصلاح وبالامر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، ولم يأذنْ بتعطيل الشريعة والاحكام .
إنّ معنى تعطيل الشريعة الالهيّة ، هو سيطرةُ الظلم والفساد والضلال ، وهذا ما لا يأذنْ به الله سبحانه .
إنّ الانسان الّذي غابَ عن وعيه وتفكيره الوعدُ الالهيُّ بوراثة الصالحين ، وبظهور المهدي المصلح ، يسيطرُ عليه اليأسُ ، ويغيب عنه الاملُ ، ويستسلمُ للامر الواقع .
لقد ركّزَ الاسلامُ الاملَ والرجاءَ في النفوس ، ودعا إلى اقتلاع ظاهرة اليأس من الاصلاح ، والاستسلام لسيطرة الجاهلية والطاغوت ، وبشّر بالنصر والاستخلاف في الارض ، فجاءت هذه البشارة للعاملين في سبيل الله ، الداعين إلى رسالته كقانون حياتي تسيرُ وِفقَهُ أحداثُ الحياة ، قال الله تعالى :
(وَعَدَ اللهُ ا لَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّـالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ا لاَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ ا لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُـمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ا لَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعْدِ خَوفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَيُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ ا لْفَاسِقُونَ ).
(النُّور / 55)
وقد تحدّث القرآنُ قبل أن يوضِّحَ للمؤمنين وعدَ الله سبحانه بالاستخلاف ، تحدّث عن مسؤولية الانسان المؤمن ، ودعاه إلى طاعة الله والرسول (ص) المتمثّلة بالعمل بكل ما جاء به النبيّ الهادي محمّد (ص) ، ودعا إليه بشكل جعلَ مِن الاستخلاف والتمكين في الارض نتيجةً طبيعيةً لطاعة الله والرسول ، وأثراً سببيّاً لها ، فقال :
(قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ ا لْبَلاَغُ المُبِينُ ) . (النُّور / 54)
إنّ اليائسين مِن الاصلاح هُم أسرى حالة مَرَضيّة ، وضحايا اليأس والانهزام أمام تيّار الجاهلية ، وعُنصرُ إعاقة لحركة الاُمّة وانطلاقتها التاريخيّة والحضاريّة .
إنّ الدعوةَ الحقّةَ الّتي دعا إليها القرآن ، وأوضَحَها الرسولُ الهادي (ص) ، هي دعوة العمل والجهاد والاصلاح ، في الوقت الّذي تنتظرُ فيه البشريةُ ظهورَ المصلح الموعود ، ويمهِّدُ العاملون الاسلاميون لوراثة الصالحين ، ولمرحلة الاستخلاف المنتظر في الارض .
وإذا كان المنعطفُ التاريخي ، والتحوّلُ الحضاري العملاق ، يحصل على يدي هذا القائد العظيم ، وهو الّذي يُحقِّقُ حلمَ الانبياء ، ويُنقذُ الانسانَ مِن ضلال الجاهلية ، وظلم الطواغيت ، ويُعيدُ صياغةَ البناء للانسان ، على أساس عقيدة التوحيد ، وقيم الرسالة الالهيّة ، فإنّنا بحاجة إلى بحث هذه القضيّة ، وتعميق الوعي من حولها ، وتحويل الاهتمام إليها ، لانّ الاهتمام بها ، يُشكِّلُ جزءاً من الاهتمام بالقضيّة الاسلامية والانسانية الكبرى ، وإعداد الانسان للثورة على الظلم والطغيان وبعث الامال في نفسه ، والانتصار على حالة الضعف والهزيمة النفسية أمام قُوَى الطواغيت .
ومِن أبرز الاثار الّتي يُنتِجُها الاهتمامُ بقضيّة الامام المهدي (ع) ، وتعميقِ الدراسة من حولها ، ونقلها إلى مساحة الاعلام ، هو ربطُ الاُمّة بقائدها المنتظر ، والتهيِّؤُ للانضواء تحت لوائه ، متى ما انطلقَتْ دعوتُهُ ، ولمع نجمُهُ في اُفُقِ السياسة والقيادة . إنّ الايمانَ بالامام المهدي (ع) هو قضيّةٌ غيبيّةٌ ، يُعمِّقُ الايمانَ بها ، روحُ الوعي الغيبي والارتباط النفسي بعالم الغيب ، إلى جانب العمل الميداني في عالم الواقع المادِّي .
لقد كانتِ الاُممُ والشعوبُ قبل بعثات الانبياء ، تنتظرُ النبيَّ المصلح ، وتعيشُ حالةً من الترقّب ورصد الارهاصات ، لتنضوي تحت لواء النبيّ المبعوث . وبعد انقطاع الوحي وختم النبوّات بنبوّة محمّد (ص) ، شاءَ الله أن يكونَ الاصلاحُ على يد إمام من آل الرسول (ص) ، يَبني نهضتَهُ وإصلاحَهُ ، على أساسِ كتابِ الله وسنّة نبيّه الكريم (ص) .
وإذاً لا بدّ من الاهتمام بقضيّة الامام المهدي (ع) ، وربط الانسانية بمصلح مُنتَظَر ، والعمل الجاد من أجل الالتحام بقيادته المرتقبة، والسير تحت لواء مصلح عظيم لتنمية روح الجد في الاصلاح . ولا بدّ من الاكثار من الدُّعاء والتوجّه إلى الله سبحانه ، أنْ يعجِّل خروج هذا المصلح العظيم لِيُـمارِسَ دورَهُ ومهمّتَهُ .
وينبغي أنْ نشير هنا إلى أنّ دورةً تاريخيّة قد بدأت تباشيرُها تتجسّدُ على مسرح الحياة البشرية، فأصبحَ المشروعُ الاسلاميُّ هو المشروعَ الحضاريَّ والنظامَ الاجتماعي الّذي ينادي به المسلمون في كل أنحاء العالم، ويُجاهدون الظّلمةَ والطواغيتَ، ويُضَحّون بكلّ غال ونفيس من أجل إقامته .
وهناك دلائلُ وعلاماتٌ ، توضِّح أنّ الانطلاقةَ الاسلاميةَ قد بدأتْ ، وأنّ التيّارَ الاسلامِيّ والحركة الاسلامية العالمية، يمهِّدان للانقلاب الفكري والاجتماعي والسياسي الشامل ، الّذي يقوم على أساس الاسلام ، ويستمدُّ منه المنهج ونظام الحياة ، وهذه المؤشرات هي من أقوى المحفِّزات ، وعناصر الامل ، الّتي تدفع بالمسلمين نحو العمل من أجل إقامة الحياة الاسلامية ، وتطبيق أحكام الشريعة المقدّسة .
إنّ معنى عدم إقامة كيان سياسي للمسلمين، والتخلّفَ عن إقامة الدولة الاسلامية، هو الاستسلامُ للمذاهب الفكرية والسياسية الجاهلية ، والخضوعُ لسلطة الطاغوت . فعندما تخلّى المسلمونَ عن دورهم القيادي والسياسي في قيادة أنفسهم والبشرية ، خلا الجوُّ للنظريات الجاهلية والالحادية وغير الدينية كالماركسية والرأسمالية ، فعانى المسلمون من تلك المأساة ، وما زالوا يعيشون في صراع مرير مع الدول والاحزاب والمنظّمات ، الّتي تقوم على أساس تلك المبادئ والنظريات الّتي تهدِّد أصلَ العقيدةِ الاسلامية ، وَوُجودَ المسلمين الفكري والرسالي .
إنّ ما يشهدُهُ العالمُ اليوم من حالات سقوط النظام الاشـتراكي الحصن المنظِّر للالحاد، وتهاوي طواغيته ، إنْ هو إلاّ مؤشرٌ واضح على فشل كل الانظمة الجاهلية، والمبادئ المادِّية الالحادية ، ودرسٌ تأريخي وموعظةٌ سياسية للانسان ، وهو نذير من نُذُرِ سقوطِ النظام والفكر المادِّي الاباحي الغربي .
فعلى الانسان المسلم تقعُ مسؤوليّةُ الدعوة إلى إقامة الحياة الاسلامية ودولتها ، ويقف في الطليعة مِن المسؤولين ، العلماءُ والمفكِّرون والكتّابُ والعاملون للاسلام . ومن الواضح لدينا أنّ الاُمّة بِجَمْعها مخاطبةٌ بوجوب إقامة الاسلام وتطبيق أحكامه .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com