اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
المقاطعة
كان فشل خطّة قريش في إحباط هجرة الحبشة، قد صعّد من حقدها على الدعوة الاسلامية، فقرّرت مقاطعة بني هاشم في البيع والشراء والمخالطة والزواج ، وكتبت في ذلك صحيفة وقّعها أربعون رجلاً من زعماء قريش . وحصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ، فصاروا لا يخرجون من الشعب إلا في موسم العمرة في رجب، وموسم الحجّ في ذي الحجّة ، نظراً لتفاقم الموقف بينهم وبين سائر قريش . مرّ المسلمون بظروف قاسية؛ إذ لم يكن الغذاء ليسدّ حاجتهم ، وبلغ بهم الضيق كلّ مبلغ ، ودامت المحاصرة ثلاث سنوات ، حتّى انتهت بأنْ أرسـل الله تعالى دودة الارضة ، فأكلت الصحيفة غير عبارة (باسمك اللّهمّ) الّتي كانت في أوّلها ، وهو أمر حيّر المشركين ، وأعطاهم دليلاً آخر على صدق دعوة النبي (ص) . انتهت المحاصرة ولكنها لم تكن نهاية المحن ، اذ توفّيت خديجة بنت خويلد زوجة الرسول (ص) واُمّ المؤمنين الكبرى ، الّتي كانت أوّل من آمنت به وصدّقته وشاركته أعباء الرسالة ، وبذلت مالها في سبيل الله ، وكانت وفاتها قبل الهجرة بثلاث سنوات ، في شهر رمضان المبارك ، فتألّم رسول الله (ص) وحزن عليها حزناً عظيماً . بعد وفاة خديجة (رض) بثلاثة أيّام توفّي أبو طالب حامي الرسول (ص) وسند دعـوته ، وحين سمع رسول الله (ص) بوفاة عمّه تألّم ألماً شـديداً ، ووقف عليه ومسح جبينه الأيمـن والأيسر ثمّ قال : «يا عّم ! ربَّيت صغيراً ، وكفلت يتيماً ، ونصرت كبيراً ، فجزاك الله عنِّي خيراً» (13) . وصرّح مرّة بقوله : «ما نالت منِّي قريش شيئاً أكرهه حتّى مات أبو طالب» (14) . ولشدّة تأثير الحادثتين في سير الحركة التاريخية للاسلام ، سمّى رسول الله (ص) ذلك العام بعام الحزن .
|
|