اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
الوصيّة الاخيرة
كانت اُولى مهام الرسول (ص) بعد عودته من حجّة الوداع ، أن يغزو الروم الّذين يتهدّدون دولته من الشمال ، فبدأ يجهِّز جيشاً ضخماً لغزوهم ، ضمّ عليّة القوم وشيوخ المهاجرين والأنصار ، كأبي بكر وعمر وعثمان وسواهم ، وقد عيّن لقيادته الصحابي الشاب اُسامة بن زيد بن حارثة ، وأثناء تجهيزه الجيش تعرّض رسول الله (ص) لمرض شديد . أخذ المرض يشتدّ على الرسول (ص)، وفي تلك الساعة العصيبة كان يؤكِّد باسـتمرار على وجوب تسيير جيش اُسامة ، وعدم التخلّف عنه ، لكن البعض تخلّف عن تنفيذ طلب النبيّ (ص) بحجّة أنّهم لا يرغبون مفارقة الرسول (ص) . في آخر ساعاته خاطب (ص) من حضر عنده من أصحابه بقوله: «ائتوني بدواة وكتف ، لأكتب إليكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً» . وكان في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال عمر : إنّ الرجل ليهجر ـ قد غلبه الوجع ـ وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . فاختلفوا وكثر اللّغط ، واختصموا ، فمنهم مَن يقول قرِّبوا يكتب لكم رسول الله (ص)، ومنهم يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللّغط والاختلاف، غمّ رسول الله (ص) وقال: «قوموا عنِّي ، ولا ينبغي عندي التنازع» . وكان ابن عبّاس يعبِّر عن أساه لما حدث بقوله: الرزيّة كل الرزيّة ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله (ص) (29) . قد اُغمي على رسول الله (ص) من شدّة المرض ، وبعد أن أفاق (ص) قال القوم : ألا نأتيك بدواة وكتف ؟ فرفض الرسول (ص) قائلاً : « أبعد الّذي قلتم ؟ ولكنِّي أُوصيكم بأهل بيتي خيراً » (30) . ولمّا قرب أجله أوصى عليّاً بجميع وصاياه ، وفاضت نفسه الطاهرة في حجر عليّ (ع) (31) . وهكذا خسرت الانسـانية أعظم هاد وأجلَّ مربٍّ عرفته الارض والسّماء .
|
|