اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
في كفالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
وبعد مضي ست سنوات على ولادة عليّ (ع) ، تعرّضت قريش لأزمة اقتصادية خانقة ، وكانت وطأتها شديدة على أبي طالب؛ إذ كان رجلاً ذا عيال كثيرة ، وكهفاً يلوذ به المحتاج والفقير ، بحكم مركزه الاجتماعي في مكّة . أقبل الرسول (ص) على عمّه العبّاس بن عبدالمطلّب ، وعرض عليه أن يكفل كلّ منهما فرداً من عيال أبي طالب ، فوافق عمّه العبّاس ، فأسرعا إلى أبي طالب وخاطباه بالأمر ، فاستجاب لما عرضا . أخذ العبّاس جعفراً ، وأخذ الرسول (ص) عليّاً (ع) وكان عمره ستّة أعوام . وهكذا عاش عليّ (ع) منذ نعومة أظفاره في كنف محمّد رسول الله (ص)، نشأ في رعايته ، وشرب من ينابيع مودّته وحنانه ، وربّاه وفقاً لما علّمه ربّه تعالى ، ولم يفارقه منذ ذلك التاريخ حتّى لحق الرسول (ص) بربّه الأعلى . ويستذكر عليّ (ع) تلك الأيّام الخالدة وذلك الشطر الحسّاس من حياته فيقول: (ولقد كان يجاوِرُ في كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة) (36) . كان عليٌّ (ع) مسلماً على فطرة الله تعالى ، لم تصبه الجاهلية بأوضارها، ولم يتفاعل مع شيء من سـفاسفها ، فلم يسجد لصنم قط ، وحين أطلع الرسول (ص) عليّاً (ع) على أمر دعوته قبل غيره ، أعلن عليّ تصديقه له وأيقن بالرسالة الخاتمة ، وبادر لتلقِّي توجيهاته المباركة ، ولهذا يُقال (كَرَّمَ الله وَجْهَهُ) . لقد كان عليّ أخلص الناس للرسول ولرسالته ، وأسرعهم استجابة وأكثرهم دفاعاً ، فعندما أذن الله تعالى لرسوله (ص) أن ينذر عشيرته الأقربين ، وجمع الرسول عشيرته ، وبلّغهم رسالته ، ثمّ سألهم مَنْ يجيبه ويؤازره ، وقف عليّ بن أبي طالب قائلاً : (أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الامر) . وحيث لم يجب رسول الله (ص) غيره التفت (ص) إلى مجيبه الوحيد قائلاً: «إجلس فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي مِن بعدي»(37). وعندما دخلت الدعوة إلى الله مرحلة المواجهة وأعلن الرسول (ص) دعوته العامّة في البيت الحرام ، وأخذ عدد المؤمنين بالرسالة يتزايد ، بدأت قريش تصعِّد من مواجهتها ضدّ المسلمين ، فكانت الهجرة إلى الحبشة ، والحصار على المسلمين في شعب أبي طالب ، ومظاهر التعذيب الجسدي ، كان عليّ (ع) إلى جنب الرسول (ص) يشاركه الهمّ والألم والحرص على رسالة الله تعالى . حاصر المشركون المسلمين في حي من أحـياء مكّة اسمه شِعب أبي طالب ، وتعاهدوا أن يُقاطعوا المسلمين ، فلا يُبايعوا أحداً من بني هاشم ، ولا يُناكحوهم ولا يُعاملوهم . اشتدّ الامر على المسلمين وراحوا يعانون الجوع والأذى ، ويأكلون نباتات الارض ، والقليل من الطّعام الّذي كان يصـلهم سرّاً من بعض المتعاطفين معهم ، واستمرّ هذا الحصار الظّالم ثلاث سنوات تقريباً ، أنفق فيه النبيّ محمّد (ص) وخديجة وأبو طالب أموالهم . وعند اشتداد العُسْر والأذى، ومع صبر المسلمين ، جاء الفرج واليُسْر إذ أرسل الله دودة الارضة لتأكل وثيقة المقاطعة الّتي علقتها قريش على الكعبة ، ولم يبقَ من الصحيفة سوى اسم الله الّذي كان فيها ، وسقطت بذلك المقاطعة وانتهى الحصار . ومع نهاية الحصار توفِّيت خديجة ، الزّوجة المخلصة لرسول الله (ص) ، والمربِّية الحنون للامام عليّ (ع) الّذي نشأ في بيتها . ثمّ توالت الأحزان والألام ، إذ توفِّي أبو طالب بعد ثلاثة أيّام فقط من وفاة خديجة ، ففقد رسول الله (ص) عمّه وكافله وناصره ، وفقد الامام عليّ (ع) والده . وسمّى النبيّ (ص) ذلك العام بعام الحزن .
|
|