اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
الامام (عليه السلام) الامير
بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، أجمعت الاُمّة على بيعة الامام عليّ (ع) قائداً وأميراً ، وقد اجتاحت النفوس موجة من العاطفة نحوه ، ولكنّه ردّ على موقف الناس بقوله : (دعوني والتمسوا غيري) (55) . إنّ علـيّاً (ع) ليس ممّن تغريه المناصب وتسـتهويه الكراسي حتّى يستجيب فور إقبال الناس عليه ، فإنّ الإمرة كلّها لا تساوي لديه جناج بعوضة ، كما عبّر عن ذلك مراراً في خطبه . وأكّد فيها أنّ القيادة لا تساوي عنده شيئاً مذكوراً ، إنْ لم يُقِمْ من خلالها الحقّ ويُبْطِل الباطل . غير أنّ إصرار الاُمّة على بيعته جعله يطرح عليها شروطه لقبول الخلافة ، فقد أذاع بيانه المتضِّمن لشروطه : (واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبتُ بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب) (56) . لقد كان الامـام (ع) يريد بقوله أنّه سيسـير بهم على ما علمه من الاسلام ، لا ما تشتهيه أهواء البعض أو تتطلّبه مصالح البعض الآخر ، وهو القائل : (فكما أفضت ـ الحكومة ـ إليَّ ، نظرت إلى كتاب اللهِ وما وضع لنا وأمرنا بالحكم فاتَّبَعتُه ، وما استنَّ النبيّ (ص) فاقتديتُه) (57) . وسارعت الاُمّة مذعنة لشروطه ، ومدّت يد البيعة على الطاعة إليه ، ولبّى هو مطلبها ليواجه مسؤولياته القيادية في الاُمّة الاسلامية على الصعيد الفكري والعملي . وقد بيّن الامام أسباب استجابته للناس بقوله : (اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الّذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لِنَرِدَ المعالم من دينك ، ونُظْهِرَ الاصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادِكَ ، وتُقامَ المُعَطَّلةُ من حدودك) (58) . لذا كانت من أُولى مهامه (ع) أن يزيل صور الانحراف الّتي طرأت على الحياة الاسلامية ، وأن يعود بالاُمّة إلى أصالة المنهج الالهي ، ومن أجل ذلك كان لا بدّ أن يسير وفق منهاج محدّد وشامل يلزم ولاته بتطبيقه . وقد انصبَّ منهاج حكومته على مواجهة المشاكل في الميادين الآتية : 1 ـ الميدان السياسي : لقد حدّد الامام عليّ (ع) مواصفات ولاة الأمر وموظّفي الدولة ، الّذين يرشِّحهم الاسلام لادارة شؤون الاُمّة الاسلامية ، ببيان أصدره (ع) جاء فيه : (إنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وإمامة المسلمين : البخيل ، فتكون في أموالهم نهمته . ولا الجاهل فيضلّهم بجهله . ولا الجافي فيقطعهم بجفائه . ولا الحائف للدول فيتّخذ قوماً دون قوم . ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ، ويقف بها دون المقاطع . ولا المُعطِّل للسنّة فيهلك الاُمّة) (59) . 2 ـ الميدان الاقتصادي : ألغى الامام عليّ (ع) كلّ أشكال التمـييز في توزيع المال على الناس ، مؤكِّداً أنّ التقوى والسابقية في الاسلام والجهاد ، والصحبة للرسول (ص) اُمور لا تمنح أصحابها مراتب أو مميّزات في الدُّنيا ، وإنّما لتلك المزايا ثوابها عند الله في الآخرة ، ومَنْ كان له قدم في ذلك ، فالله تعالى يتولّى جزاءه . أمّا في هذه الدُّنيا فإنّ الناس سواسية في الحقوق المالية ، وأمام القضاء الاسلامي ، وفي الواجبات والتكاليف .
|
|