اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
مُجرَيات التحكيم
على أثر البلبلة الّتي أثارتها في صفوف جيش الامام (ع) عمليةُ رفع المصاحف الخمسائة من قِبَل الجيش الاموي ، وما نجم عنها من تصدّع شـديد في الجبهة الّتي يقـودها الامـام عليّ (ع) ، وبروز القُوى المتسـتِّرة الامام (ع) ، اضطرّ (ع) للاستجابة لامر التحكيم بين الجبهتين . فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، وفيه ما فيه من مزايا الذّكاء والمكر والخديعة وحبّ الدُّنيا وهو (ليس من الله في شيء) على حدّ تعبير الامام عليّ (ع) . أمّا الجبهة العراقية ، فقد اختارت أبا موسى الاشعري بتأثير الأغبياء وأصحاب المصالح من جيش الامام عليّ (ع)، وكان أبو موسى رجلاً كليل الحد قليل الذّكاء، فضلاً عن كونه ممّن اعتزل عليّاً (ع) في حربه لأعدائه(64). وتشير بعض الروايات إلى أنّ التمزّق في جيش الامام (ع) بلغ ذروته حتّى هدّده بعض المتنفِّذين من جنده أنْ يفعلوا به ما فعلوا بعثمان أو يدفعوه إلى معاوية (65) . وعند اجتماع الحكمين في دومة الجندل استغفل عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري حين عرض عليه فكرة خلع الامام عليّ (ع) ومعاوية بن أبي سفيان معاً ، فلمّا استحسن أبو موسى تلك الفكرة عرض عليه ابن العاص أن يبدأ بخلع صاحبه وأنّه لا يستحسن أنْ يتقدم على صاحب رسول الله (ص) في ذلك . فتقدّم أبو موسى وخلع عليّاً (ع) من ولاية أمر المسلمين كما خلع معاوية معـه؛ أمّا ابن العـاص ، فقد أعلن موافقـته على خلع عليّ (ع) وتثبـيت صاحبه معاوية . وهكذا غدر عمرو بن العاص بالأشعري ، فما كان من الاشعري إلاّ أنْ قنّعه بالسوط لما رأى من سوء فعله وغدره . وهكذا استغفل أبو موسى الأشعري رغم تحذير عبدالله بن عباس له من غدر ابن العاص . وبعد أنْ عاد الوفدان ، سلّمَ ابنُ العاص على معاوية بالخلافة ولم يسلِّم عليه بمثلها قبل ذلك ، وكان ذلك عام 37 هـ . أمّا أمير المؤمنـين (ع) فقد رأى أن خديعة ابن العاص ، وغفلة أبي موسى الأشعري، قد سبّبتا انتهاء التحكيم بطريقة غير صحيحة ولا سليمة، حيث كان الخداع وعدم الجدِّيّة واضحاً من ابن العاص ـ كما رأينا ـ لذا فقد دعا الامام عليّ (ع) إلى استئناف الحرب مجدّداً وأصدر بياناً إلى الاُمّة جاء فيه : ( أيُّها النـاس ! قد كنت أمرتُكُم بأمر في هذه الحكومة فخالفتمـوني وعصيتموني ، ولعمري إنّ المعصية تورث الندم ، فكنتُ أنا وأنتم كما قال أخو هوازن : أمرتكم أمري بمنعرج اللِّوى فلم تستبينُوا الرُّشدَ إلاّ ضُحى الغدِ ألا إنّ هذين الحكمين قد نبذا كتابَ الله وراء ظهورهما فأماتا ما أحيى القرآن وأحييا ما أمات ، واتّبع كل واحد منهما هواه بغير هدىً من الله ، فحكما بغير بيِّنه ولا سنّة ماضية ، وكلاهما لم يرشدا ، فبرئا من الله ورسوله وصالح المؤمنين ، فاستعدّوا للجهاد ، وتأهّبوا للمسير ، وأصبحوا في مواقفكم ) (66) .
|
|