اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
في ذمّة الله
استعدّ الامام لاستئناف قتال القاسطين في الشام ـ معاوية وأتباعه ـ مرّة اُخرى . أمر الامام عليّ (ع) بتعبئة الجيش ، وأعلن حالة الحرب ، فعقد للحسين راية ولابي أيوب الأنصاري أخرى ولقيس بن سعد ثالثة . وبينما كان أمير المؤمنين (ع) يواصل تعبئة قوّاته ، كان يجري في الخفاء تخطيط لئيم من أجل اغتيال الامام ، فقد عقد جماعة من الخصوم اجتماعاً بمكّة المكرّمة ، وخرجوا بقرارات كان أخطرها قرار اغتيال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) ، وقد اُوكل أمر تنفيذه للمجرم الأثيم (عبدالرّحمان بن ملجم المرادي) ، وفي ساعة من أحرج الساعات الّتي يمرّ بها الاسلام والمسيرة الاسلاميّة . وبينما كانت الاُمّـة تتطلّع إلى النصر على عناصر البغي الّتي يقـودها معاوية بن أبي سفيان، امتدّت يد الأثيم المراديّ إلى الامام عليّ (ع) فضرب الامام بسيفه، وهو في سجوده عند صلاة الفجر في مسجد الكوفة الشريف، وذلك في صبيحة اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام (40) للهجرة . اُغتيل الامام (ع) وهو في أفضل ساعة حيث يقوم بين يدي الله في صلاة خاشعة ، وفي أشرف الأيّام إذ كان يؤدّي صوم شهر رمضان . وهو في أعظم تكليف إسلامي حيث كان في طريقه لخوض غمار حرب جهاديّة ، كما كان في بقعة من أشرف بقاع الله وأطهرها (مسجد الكوفة) . لم تُستهدِف الجريمة رجلاً كباقي الرجال ، إنّما استهدفت القيادة الاسلامية بعد رسول الله (ص) ، واستهدفت اغتيال رسالة وتاريخ وحضارة ، واُمّة كلّها تتمثّـل في شخص عليّ أمير المؤمنـين (ع) وصي رسول الله (ص) وحامل علمه والمواصل لسيرته وعمله . وبهذا خسرت الاُمّة الاسلامية مسيرة وحضارة؛ أروع فرصة وأطهرها في حياتها بعد رسول الله (ص) . بقي الامام عليّ (ع) يعاني من عِلّته ثلاثة أيّام حتّى توفِّي (ع) ، وفي خلال هذه الايّام عهد بالامامة من بعده لولده الحسن سبط رسول الله (ص) ، لِيمارس مسؤوليات قيادة الاُمّة ويواصل مسيرة الامامة من بعده . كان الامام (ع) طوال الايّام الثلاثة من اغتياله حتّى اسـتشهاده ـ كما كان طوال حياته ـ لَهِجاً بذكر الله والثناء عليه ، والرضا بقضائه والتسليم بأمره . كان يصدر الوصيّة تلو الاُخرى مُرشِداً للخير ، دالاًّ على المعروف ، محدِّداً سبيل الهدى ومبيّناً طرق النجاة ، داعياً لاقامة حدود الله تعالى وحفظها . وكان من وصاياه (ع) لولديه ولجميع الناس : ( أوصـيكما بتقوى الله ، وألاّ تبغيا الدُّنيا وإن بغتكما ، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما ، وقولا بالحقِّ ، واعملا للاجر ، وكونا للظالم خَصْماً وللمظلوم عَوْناً . أوصيكم ، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي ، بتقوى الله ، ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ، فإنّي سمعت جدّكما (ص) يقول : «صلاحُ ذات البَيْن أفضلُ مِن عامَّة الصّلاةِ والصِّيام» . الله الله في الايتام ، فلا تُغِبُّوا أفواهَهُمْ ، ولا يضيعوا بحَضْرَتكم؛ الله الله في جيرانكم، فإنّهم وصيّة نبيِّكم ، ما زالَ يوصي بهم ، حتّى ظننّا أ نّه سيورثهم؛ الله الله في القرآن ، لا يسبقكم بالعمل به غيركم؛ الله الله في الصّلاة ، فإنّها عمود دينكم؛ الله الله في بيت ربّكم ، لا تخلوه ما بقيتم ، فإنّه إن تُرِكَ لم تُناظَروا؛ الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله؛ وعليكم بالتواصل والتبـاذل ، وإيّاكم والتدابر والتقاطع ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ، ثمّ تدعون فلا يُستجابُ لكم) . وهكذا كانت النهاية المؤلمة لهذا الرجل العظيم ، فلقد كان فقده أعظم خسارة للاُمّة بعد رسول الله (ص)، فقدت به الاُمّة رمز البطولة والشجاعة والحكمة ، والنموذج الكامل للطُّهر والزُّهد والعلم والفقاهة ، وهو الّذي قال فيه رسول الله (ص) : «عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ» . «أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فَمَنْ أراد المدينة فليأتِ الباب» . فسلامٌ عليه يوم وُلِدَ ، ويوم قضى شهيداً في محرابه ، ويوم يُبعَثُ حيّاً .
|
|