اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
فاطمة (عليها السلام) الوليدة
وُلِدَت فاطمة الزّهراء في يوم الجمعة، في العشرين من جمادى الآخرة، بعد البعثة بخمس سنوات ، فاستقبل الرسول (ص) ابنته بالفرح والرضا وسمّـاها (فاطمة) . وُلِدَت ودرجت في بيت النبّوة ، وترعرعت في ظلال الوحي ، ورضعت مع لبن خديجة ، حبّ الأيمان ومكارم الأخلاق . لقد وُلِدَت فاطمة وهي تحمل روح رسول الله (ص) وأخلاقه ، فكانت الوارث والشبيه ، حتّى قالت عائشة فيها : (ما رأيتُ أحداً أشبه سمتاً ولا هَدْياً برسـول الله (ص) في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله (ص) ، وكانت إذا دخلت على النبيّ (ص) قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه ، وكان النبي (ص) إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبّلته وأجلسته في مجلسها) (72) . وشاء الله أن تبدأ فاطمة طفولتها الطاهرة ، في مرحلة من أشدّ مراحل الدعوة الاسلامية ضراوة ومحنة ، وأكثرها قسوةً وأذىً لاُمّها وأبيها ، فها هي قريش تفرض المقاطعة والحصار الاقتصادي والاجتماعي على رسول الله (ص) وأعمامه بني هاشم ، فيدخل الرسول (ص) شعب أبي طالب وتدخل معه زوجته المجاهدة ، وتدخل معهما فاطمة . وتمرّ سنون الحصار صعبة ثقيلة ، ويخرج رسول الله (ص) ومن معه من الحصار والمقاطعة ، وقد كتب الله تعالى له النصر والغلبة ، وتخرج خديجة وقد أثقلتها السنون وأرهقها عناء الحصار والحرمان . لقد قرب أجلها ، وشاء الله تعالى أن يختارها لجواره ، فتُوفّيت في ذلك العام ، وتوفِّي كذلك أبو طالب عمّ الرسول (ص) وحاميه وناصر الاسلام ، الّذي عبّر رسول الله (ص) عن فقده بقوله : (ما زالت قريش كاعّة ـ جبانة ـ عنِّي حتّى ماتَ أبو طالب) (73) . لقد شعر الرسول (ص) بالحزن والأسى ، وأحسّ بالفراق والوحشة ، إنّه فقد خديجة زوجته وحبيبته وعونه ، وفقد عمّه ، الحامي والمدافع عنه ، فسمّى ذلك العام بعام الحزن . شاطرت فاطمة الصبيّة رسول الله (ص) هذه المأساة ، ورُزِئَت هي الاُخرى ، فشملتها المحنة في ذلك العام الحزين ، لتفقد اُمّها الحنون ولم تكن قد ارتوت من حنانها وعاطفتها بعد ، فشعرت فاطمة بغمامة الحزن واليتم تخيِّم على حياتها الطاهرة . لقد فقدت اُمّها وفارقت مصدر حبّها وحنانها ، فشعرت بالألم والفراق يملأ قلبها ويحزّ في نفسها . ويحسّ الأب الرسـول (ص) بوطأة الحزن على نفس فاطمة (ع) ، ويرى ابنته الصغيرة ودموع الفراق تتسابق على خدّيها ، فيرقّ القلب الرحيم وتفيض مشاعر الودّ والأبوة الصادقة ، فيحنو رسول الله (ص) على فاطمة ، ليعوِّضها من حبّه وحنانه ما فقدته في اُمِّها ، من حبّ ورعاية وحنان . لقد أحبّ الرسول (ص) فاطمة وأحبّته ، وحنا عليها وحنت عليه ، فلم يكن أحد أحبّ إلى قلبه ولا إنسان أقرب إلى نفسه من فاطمة ، وكان (ص) يؤكِّد بأحاديثه هذه العلاقة ويوضِّح مقامها ومكانتها في اُمّته . فها هو الرسول (ص) يعرِّف فاطمة ويؤكِّد للمسلمين : «فاطمة بضعة منِّي ، مَنْ أغضبها أغضبني» (74) . «إنّما فاطمة بضعة منِّي ، يؤذيني ما آذاها» (75) . وقال (ص) : «يا فاطمة ! ألا ترضين أن تكوني سيِّدة نساء العالمين وسيِّدة نساء هذه الاُمّة وسيِّدة نساء المؤمنين» (76) . وتكبر فاطمة وتشبّ ويشبّ معها حبّ أبيها لها ، ويزداد حنانه عليها ، وتبادله هذا الحبّ ، وتملأ قلبه بالعطف والرعاية فيسمِّيها (اُمّ أبيها) (77) . لقد كانت تحنو عليه (ص) حنوّ الاُمّهات على أبنائهنّ ، وترعاه رعاية الوالدات لصغارهنّ . إنّه النموذج القدوة من العلاقة الأبوية الطاهرة في بناء شخصية الأبناء ، وتوجيه سلوكهم وحياتهم ، وملء نفوسهم بالحبّ والحنان . لقد كانت تلك العلاقة المثل الأعلى في رعاية الاسلام للفتاة والعناية بها واحترامها ورفع مكانتها .
|
|