اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
فاطمة (عليها السلام) المهاجرة
لم يقف أذى قريش عند حدّ ، فقد سعت وبكلّ جهدها لتتخلّص من رسول الله (ص) بقتله ، بعد أن يئست من إخماد صوته وإطفاء أنوار دعوته ، لِذا قرّر الرسول (ص) الهجرة إلى يثرب . خرج رسول الله (ص) من مكّة مستخفياً بظلام اللّيل ، تاركاً وطنه وأحبّاءه وأهله ، وفيهم فاطمة ابنته الحبيبة ، وابن عمّه عليّ بن أبي طالب (ع) : عونه وسنده وسيفه الضارب . لقد ترك عليّاً نائماً في فراشه ، وأوصاه أن يردّ الأمانات الّتي كانت عنده إلى أهلها ، ثمّ أمره أن يلتحق به ويصطحب معه أهل بيته . وينفِّذ عليّ (ع) الوصيّة ، ويشتري الركائب لحمل النسوة ، ويجمع أهله وعياله ، فيضمّ الفواطم من بني هاشم: فاطمة الزّهراء (ع) بنت محمّد (ص) ، وفاطمة بنت أسد اُمّ الامام عليّ (ع) ومربِّية الرسول (ص) ، وفاطمة بنت الزُّبير بن عبدالمطلّب ، وفاطمة بنت حمزة ابن عبدالمطلّب ، ابنتي عمّ النبيّ (ص) . راح ركب عليّ (ع) يستحثّ الخطى ، وشوقه إلى لقاء رسول الله أكثر سرعة وعجالة ، فالرسول (ص) قد وصل يثرب وحلّ بقبا (79)، فأقام فيها ينتظر وصول عليّ وفاطمة ، وكان يقول لِمَن معه مِمَّنْ طلب منه الدخول إلى يثرب : (ما أنا بداخلها ، حتّى يقدم ابن عمّي وابنتي) (80) . واصل عليّ سيره على قدميه من دون أن يركب ظهراً أو يستخدم دابّة ، فطوى الارض ما بين مكّة والمدينة على قدميه ، حتّى تفطّرت قدماه وتورّمتا من شدّة السير . وعند وصول الركب إلى قبا ، سرّ الرسول (ص) بسلامة الوصول ولقاء الأحبّة ، وقال : (ادعُ لي عليّاً ، قيل: لا يقدر أن يمشي ، فأتاه النبيّ (ص) واعتنقه وبكى ، رحمة به ، لِما بِقَدَميهِ من وَرَم ، وتفل في يديه وأمرّهما على قدميه ، فلم يشتكهما بعد حتّى قُتِل) (81) .
|
|