سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)


ثانياً : أيّام حكمه (عليه السلام)

بدأ الشوط الثاني من دور الامام الحسن (ع) في دنيا الاسلام بعهد أبيه له بالامامة ، حيث أوصى الامام عليّ (ع) إلى ولده الحسن بقوله :
(يا بني ! إنّه أمرني رسول الله (ص) أن أوصي وأدفع إليك كتبي وسلاحي ، كما أوصى إليّ ودفع إليّ كتبه وسلاحه ، وأمرني أن آمرك اذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين) .
ثمّ أقبل إلى ابنه الحسين فقال : (وأمرك رسول الله (ص) أن تدفعها إلى ابنك هذا) ، ثمّ أخذ بيد عليّ بن الحسين وقال له : (وأمرك رسول الله (ص) أن تدفعها إلى ابنك محمّد بن عليّ ، فأقرئه من رسول الله ومنِّي السّلام) (113) .
بعد رحيل الامام عليّ (ع) إلى الرفيق الاعلى ، هبّت الكوفة إلى المسجد فزعة مذهولة لهول المصاب الأليم ، فوقف السبط (ع) بين تلك الكتل البشرية الهائلة ، يوجِّه أوّل بيان له بعد رحيل القائد العظيم (ع) :
(لقد قُبِضَ في هذه اللّيلة رجل لم يسبقه الأوّلون ، ولم يدركه الآخرون ، لقد كان يجاهد مع رسول الله (ص) فيقيه بنفسه ، وكان رسول الله (ص) يوجِّهه برايته ، فيكنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتّى يفتح الله على يديه .
ولقد توفِّي في هذه اللّيلة الّتي عرج فيها عيسى بن مريم (ع) ، وفيها قُبِضَ يوشع بن نون ـ وصي موسى (ع) ـ ، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه) (114) .
وما أن أنهى الامام خطابه حتّى نهض ابن عبّاس يحفِّز الناس على البيعة ، وهكذا كان ، فقد بويع الامام (ع) .
هكذا تمّت البيعة للحسن السبط (ع) خليفة وأميراً للمؤمنين في الكوفة ، وفي أمصار اُخرى فيما بعد ، وتناقلت الأنباء أمر رحيل عليّ (ع) إلى ربّه وانتقال الخلافة إلى نجله السبط (ع) .
وفي الشام علم معاوية بوفاة عليّ (ع) ، واحتفلت عاصمته بذلك ، وعمّها السرور !!
هزّ أمر البيعة معاوية ، فدعا مستشاريه إلى عقد مؤتمر طارئ في بلاطه للتشاور حول الحوادث الجديدة ، ولرسم سياسته الّتي يواجه بها الامام الحسن (ع) .
قرّر المؤتمرون بثّ الجواسيس في داخل المجتمع الاسلامي الّذي يقوده الامام ، لبثّ الارهاب وإشاعة الدعايات ضدّ حكم أهل البيت (ع) ، كما قرّروا أن يمارس الحزب الاموي عملاً واسعاً لكسب الزعامات والوجوه المؤثِّرة في سير الحوادث في العراق ، وذلك من خلال الرشاوي والوعود المغرية والهدايا والتهديد والوعيد ، وإلى غير ذلك .
على أنّ خطط الامام الحسـن (ع) القاضية بإحـكام أجهزة الدولة وبنائها بناءً راسخاً ، سرعان ما أتت اُكلها بكشف الخطط الامويّة .
أعقب ذلك تبادل الكتب بين الامام الحسن (ع) ومعاوية ، لكنّها انتهت بدون نتيجة ، إذ أبى معاوية أن يذعن لامام زمانه وأصّر على العصيان ، وكان ذلك أذاناً باقتراب المعركة ، والّتي كان معاوية هو البادئ بإعلانها من جانبه ، حيث حرّك جيوشه نحو العراق .
ردّدت آفاق الدولة الاسلامية أنباء التحرّكات الامويّة باتّجاه العراق، ممّا جعل الامام السبط (ع) يبادر إلى إعلان الدِّفاع لمواجهة العدو الزاحف.
أذاع الامام بياناً دعا فيه الاُمّة إلى حشد طاقاتها والتجهّز للحرب لصدّ البغاة ، جاء فيه :
(أمّا بعد ، فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً ، ثمّ قال لأهل الجهاد من المؤمنين (اصبِروا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرين ) ، فلستم أيُّها الناس نائلين ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون ... اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتّى ننظر وتنظروا ونرى وَتَروا) (115) .
وممّا يحزّ في النفس أنّ الجموع الّتي استمعت إلى بيان الامام السبط (ع) كانت قد غمرتها الاشاعات والدعايات الامويّة ، فبدلاً من أن تهبّ للدفاع عن الحق الصراح ، اُصيبت بالذهول ولفّها الارتباك ، فواجهت إمامها الحق ببرود تام ، ولم تحظ دعوته للتجهّز للحرب وتحمّل مسؤوليات الجهاد بالقبول .
فقد برزت معالم إيثار العافية والقناعة بالأمر الواقع جليّة على سلوك بعض القوم ، وأغرت أموال الحكم الاموي قوماً آخرين .
اُصيب الامـام (ع) بخيبة أمل ، حين تكشّف له واقع الجماهـير الّتي يقودها ، والّتي كان يرى فيها القاعدة الّتي يستند إليها في درء الاخطار المحدقة بالرسالة الاسلامية ، من جرّاء نشاط الحزب الاموي المعادي ، والّذي كان يعمل من أجل تحويل الحكم الاسلامي إلى دولة جاهلية ، تحكمها الأهواء والعصبيات القبلية لا غير .
وسط تلك الكتل المذهولة المهزومة نفسياً، جلجل نداء النفر المخلصين للاسلام وقادة ركبه الحقيقيين من أهل البيت (ع) ، فعبّروا عن إخلاصهم الّذي لا يعرف التراجع، وصبّوا لومهم على تلك الجموع المتخاذلة، وتقحّموا الموقف بجرأة وثبات .
لقد خفَّ المخلصون على الفور وعسكروا في النخيلة ـ موضع قريب من الكوفة باتّجاه الشام ـ كما أمرهم إمامهم (ع) ، وقد تبعهم الامام (ع) بجيش روى بعضهم أنّ تعداده كان أربعة آلاف مقاتل ، على أن يلتحق به بقيّة الناس .
وكان الامام (ع) يأمل أن يعود الناس إلى نصرة الحقّ فيُقبِلون على الدفاع عن الاسلام ، لكن استمرار تخاذلهم حمل الامام السبط (ع) على العودة مجدّداً لعاصمته الكوفة ، لحثّ الناس على اللّحاق به .
وهكذا سار بجيش كبير ، لكنّه ضعيف في معنوياته ، يستبدّ به الخور والتشتّت ، حتّى بلغ النخيلة ، فنظّم الجيش ، ورسم الخطط لقادة الفرق ، وارتحل بعد ذلك إلى منطقة دير عبدالرّحمن ، وهناك قرّر ارسال طليعة عسكريّة كمقدّمة لجيشه ، واختار لقيادتها ابن عمّه عبيدالله بن العبّاس .
اتّخذت الطليعة مواقعها في (مَسكِن) على نهر الدجيل بالعراق، في وقت تحرّك الامام السبط (ع) بجيشه فعسكر في (مظلم ساباط) قرب المدائن .
ولم يمض بعض الوقت ، حتّى طفت على السطح كلّ العلل الّتي تفشّت في معسكر الامام (ع) ، على شكل تمزّق وخور وفتن واضطراب وتآمر على القيادة ذاتها ، ممّا اضطرّ الامام وتحت ظروف عصيبة إلى توقيع وثيقة صلح مع معاوية .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com