اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
فترة ما بعد الوثيقة
بعد توقيع الوثيقة بقي الامام السبط (ع) في الكوفة أيّاماً قليلة ، والألم يعتصر قلبه للّذي كان ، ثمّ تهيّأ للسفر إلى مدينة جدّه الرسول الاعظم (ص) . عندما تحرّك موكبه الشريف ، خرجت الكوفة بجميع من فيها ، وهم يندبون حظّهم العاثر ، والأسى يعلو نفوسهم ، وهم بين باك وآسف على ما كان ، كيف لا وهم يرون الذلّة قد خيّمت على مدينتهم ، وها هي القطعات العسكرية الامويّة تدخل الكوفة ، وتشدِّد قبضتها عليها ، وتثير الهلع في النفوس ، وتفرض إرهاباً منقطع النظير : مَنْ يُداهن ويُنافق يُجزَل له العطاء ، ومَن يُعارِض يُقتَل شرّ قتلة . سارت قافلة الامام تطوي الصحراء ، وما إن اقتربت قافلته من المدينة المنوّرة، حتى هبّ أهلها لاستقبال الامام وأهل البيت (ع) ، والبشر يعلو وجوههم ، كيف لا ، وقد حلّت البركة بينهم ، وأقبل الخير كلّ الخير إلى ديارهم . وما أن استقرّت الدار بأبي محمّد الحسن (ع) ، حتّى مارس مسؤوليته الرساليّة بنمط جديد . فإذا كان بالامس حاكماً يدير شؤون الاُمّة ويخطِّط لمستقبلها من خلال منصب الامامة السياسيّة ، فإنّه بعد الوثيقة اختطّ اُسلوباً آخر ، حيث أنشأ مدرسة وقيادة فكريّة كبرى ، لتكون محطّة إشعاع للهدى والفكر الاسلامي . وقد آتت مدرسة الامام السبط (ع) اُكلّها ضعفين؛ حيث تخرّج في أروقتها ، جهابذة العلماء وكبار الرواة . على أنّ أجهزة الحكم الاموي لم يكن خافياً عليها ذلك النشاط الاسلامي ، فكانت تحسب حسابه وتدرك نتائجه ، لذا قرّر الحكم الاموي انتهاج سياسة معاوية للقضاء على الامام (ع) وقيادته الاسلاميّة ، وكان أهم ركائز تلك السياسة : أوّلاً : مطاردة القيادات المؤمنة في كلّ إقليم إسلامي ، وقتل الكثير منهم ، كحجر بن عدي وأصحابه ، ورشيد الهجري ، وعمرو بن الحمق الخزاعي وأمثالهم . ثانياً : التضييق على عموم شيعة عليّ (ع) بالكبت والترويع والتشريد، وقطع الأرزاق ، والارهاب ، وهدم الدور والمساكن ، وسوى ذلك . واستعان معاوية في ذلك بولاة وعناصر منحرفة ومجرمة؛ كالمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب وزياد بن أبيه ، الّذي عيّنه والياً على العراق . وكان زياد ابن زنا فألحقه معاوية بأبيه وجعله أخاً له ، ونقلت كتب التاريخ جرائم زياد منها : (جعل زياد يتتبّع شيعة عليّ بن أبي طالب فيقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، حتّى قتل منهم خلقاً كثيراً، وجعل يقطِّع أيديهم وأرجلهم ويسمل (118) أعينهم، وجعل أيضاً يغري بهم معاوية) (119) . ثالثاً : الاستعانة ببعض الوعّاظ والمحترفين الموالين للسلطة ، لتشويه سيرة أهل البيت والامام عليّ (ع) على وجه الخصوص . وجعل معاوية سبَّ الامام عليّ سنّة على المنابر وفي خطب الجمعة ، إلى جانب تلفيق الأحاديث لصالح معاوية وحزبه ، وطرح معتقدات باطلة ، ونسبتها إلى شيعة أهل بيت النبوّة لغرض تشويه صورتهم في أذهان الناس . رابعاً : بذل الأموال بلا حساب للزعماء والقيادات القبليّة الّتي يخشى من تحرّكها . خامساً : وكان آخر بنود تلك السياسة الجائرة اغتيال الامام الحسن (ع) بالسمّ ، حيث دسّه معاوية من خلال زوجة الامـام (جُعدة بنت الاشعث) . وهكذا رحل الامام (ع) إلى ربّه الأعلى ، وهو في ميدان من ميادين الجهاد من أجل الرسالة الاسلامية ، الّتي قادها جدّه الرسول الاعظم (ص) . وكانت شهادته في السابع من صفر ، سنة خمسين للهجرة . كان الامام (ع) قد أوصى أن يُدفن إلى جوار جدّه رسول الله (ص)، إلاّ أنّ بني اُميّة ، وعلى رأسهم مروان بن الحكم ، منعوا من ذلك ، وحالوا بين أن يُجمع بين رسول الله (ص) وريحانته وحبيبه : سبطه الحسن سيِّد شباب أهل الجنّة ، فاضطرّ أهل البيت (ع) لدفنه في البقيع . فسلامٌ عليك يا أبا محمّد الحسن بن عليّ مظلوماً : حيّاً وميِّتاً .
|
|