سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)


دور الامام (عليه السلام) في تخليد الاسلام

المتتبِّع لحياة الحسين بن عليّ (ع) يدرك بعمق أنّ دوره في الحياة الاسلامية قد بدأ مبكِّراً ، فقد ساهم في حركة الاسلام الصاعدة وهو ما يزال في دور الصِّبا ، في حياة أبيه وإلى جانب أخيه الامام الحسن (ع) .
على أنّ دور الامام الحسين (ع) بعد رحيل أخيه الحسن (ع) إلى ربّه الاعلى سبحانه، قد دخل مرحلة جديدة، وفقاً للملابسات الّتي استجدّت في مسيرة الاُمّة ، وحيث إنّ كلّ إمام يتحدّد دوره وفقاً لطبيعة الظروف الاجتماعيّة والفكريّة والسياسيّة .
لقد واجه الامام الحسين (ع) المخطّط الأموي المنحرف في الحياة الاسلاميّة ، والظروف الصعبة الّتي تعيشها الاُمّة، وعايش حوادثه بعد توقيع وثيقة الصلح بين معاوية والامام الحسن (ع) ، وقد انصبّ هذا المخطّط العداوني على ما يلي :
1 ـ إشاعة الارهاب والتصفية الجسديّة لكلّ القوى المعارضة للحكم الأموي ، سيّما أتباع عليّ (ع) منهم ومتابعتهم والتنكيل بهم بأبشع صورة ، فقد كتب إلى عمّاله :
(مَن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فَنَكِّلوا به واهدموا داره) (125) .
وقد صور الامام الباقر (ع) تلك المأساة الدامية بأقصر عبارة وأدقّها حين قال :
(فقُتِلت شيعتنا بكلّ بلدة ، وقُطِّعت الأيدي والأرجل على الظنّة ، وكان مَن يُذكِّر بحبِّنا والانقطاع إلينا سُجِنَ ، أو نُهِبَ ماله ، أو هُدمت داره ، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيدالله بن زياد قاتل الحسين) (126) .
ونقل المؤرِّخ ابن الأثير صوراً تأريخيّة دامية عن زمان معاوية ، قال :
(فلمّا استخلف زياد ـ والي معاوية على العراق ـ سمرةَ على البصرة أكثر القتل فيها ، فقال ابن سيرين : قتل سمرة في غيبة زياد ثمانية آلاف ، فقال له زياد : أتخـاف أن تكون قتلت بريئـاً ، فقال : لو قتلت معهم مثـلهم ما خشيت . وقال أبو السواري العدوي : قتل سمرة من قومي غداة واحدة سبعة وأربعين كلّهم قد جمع ـ حفظ ـ القرآن) (127) .
2 ـ إغداق الأمـوال من أجل شراء الضمائر والذِّمم ، وقد تمّ فعلاً شراء بعض الوعّاظ والمحدِّثين الّذين كان لهم دور مفضوح في العمالة لمعاوية وافتراء الأحاديث الكاذبة ونسبتها إلى الرسول (ص) للنيل من عليّ وأهل بيته (ع) ، كما تمّ شراء ضمائر الوجوه الاجتماعية والعشائرية .
3 ـ المضايقة الاقتصادية واُسلوب التجويع ، خصوصاً للبلاد الّتي لا تواليهم والأفراد المعارضين ، وقد كتب معاوية إلى ولاته في جميع الأمصار :
(انظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه) (128) .
هذا في الوقت الّذي كان الحكّام يلعبون بأموال الاُمّة ويعبثون بما سلبوه منها ، وقد ذكر المؤرِّخون أمثلة كثيرة ، من ذلك (أن عمرو بن العاص والي مصر في عهد معاوية خلّف ثروةً بلغت من العين ثلاثمائة وخمسة وعشرين ألف دينار «ذهباً» ، ومن الورق ألف درهم «فضّةً» ، وغلّةً بمائتي ألف درهم بمصر ، وضيعته بالوهط بمصر قيمتها عشرةُ آلاف ألف «مليون» درهم) (129) .
4 ـ العمل على تمزيق أواصر الاُمّة الاسلامية بإثارة الروح القوميّة والقبليّة والاقليمية ، وإثارة الروح العنصرية عند العرب ضدّ غير العرب من المسلمين .
5 ـ اغتيال الامام الحسن بن عليّ (ع) باعتباره الممثِّل الشرعي للتيّار الاسلامي السليم في دنيا المسلمين .
6 ـ تتويج معاوية ولده (يزيد) الفاجر ، شارب الخمر ولاعب القمار ، ملكاً على الاُمّة تحت الكبت والاضطهاد والاغراء والترغيب .
إنّ منح يزيد السلطة ليقود الاُمّة الاسلاميّة ، ويخطِّط لمستقبلها ويحدِّد مسارها ، معناه الانهاء العملي للوجود الاسلامي على الاطلاق ، وردّة واقعيّة عن مبادئ السماء ، وعودة للجاهليّة ولكن بثوب جديد .
فيزيد هذا ـ كما تؤكِّد المصادر التاريخيّة ـ يغلب عليه طابع الشذوذ في شتّى أفكاره وممارساته ومشاعره ، الّتي كانت تعبِّر عن تربية وروحية جاهلية مُشبعة بالفسق والفجور ، ممّا كان ابن معاوية يمارسه على مسمع ومرأى من كثير من المسلمين في بلاد الشام ، كاللّهو الماجن ، واللّعب الخليع ، وشرب الخمر ، ومنادمة الفتيات والغناء ، وكان يُلبس كلابه أساور الذهب ، وينادم القردة .
قال المؤرخ البلاذري :
( كان ليزيد قرد يجعله بين يديه ويسمِّيه أبا قيس ... وكان يسقيه النبيذ ويضحك ممّا يصنع ، وكان يحمله على أتان وخشبة ويرسلها مع الخيل) (130) .
روى المؤرِّخ ابن كثير :
(ورُوي أنّ يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر والغناء والصيد، واتخاذ الغلمان والقِيان والكلاب ، والنطاح بين الكباش والدباب والقرود، وما من يوم إلاّ يصبح فيه مخموراً ، وكان يشدّ القرد على فرس مسرّجة بحبال ويسوق به ، ويُلبس القرد قلانس الذهب وكذلك الغلمان ... وكان إذا مات القرد حزن عليه ، وقيل إنّ سبب موته أنّه حمل قردة وجعل ينقِّزها ـ يرقِّصها ـ فعضّته) (131) .
وإذا كان هذا حال الخليفة ، فما بالك بحال (الآخرين)؟ قال المؤرِّخ المسعودي :
(وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق ، وفي أيّامه ظهر الغناء بمكة والمدينة ، واستعملت الملاهي ، وأظهر الناس شرب الشراب) (132) .
وإذ يقرِّر معاوية أن ينصب ابنه يزيد هذا خليفة على المسلمين من بعده ، خلافاً لمبادئ الاسلام وأحكامه ، فإنّ هذا القرار أثار الرأي العام الاسلامي وخصوصاً الشخصيات الاسلاميّة البارزة في المجتمع ، وهكذا وقفت الاُمّة على عتبة تاريخ جديد من حياتها، وأصبحت أمام خيارين :
1 ـ إمّا أن تتبنّى سياسة الرّفض القاطع للواقع الفاسد والمنحرف الّذي فُرِضَ عليها مهما كان الثمن .
2 ـ أو القبول بسياسة الأمر الواقع ، حيث عليها أن تتنازل عن دينها ورسالتها وعظمتها وعزّتها في الحياة ، وتقبل بالذلّ والهوان والخزي والعار .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com